أحكام الكتابة بإعتبارها وسيلة إثبات في السعودية الجزء الثاني.

للكتابة أثرًا في إثبات الحقوق في الديون وغيرها، وذلك مما يَحصل عند المخاصمات والتقاضي، فقد يَستشهد أحد الخَصمين بوثيقة مكتوبة تُقوِّي جانبه، أو تُبطل حُجَّة خَصمه في ثبوت ملكيَّة شيء أو نَفْيه، أو في استحقاقٍ واختصاصٍ ونحو ذلك؛ ولذا كان للكتابة وما يتعلَّق بها من وثائق – نظرٌ فاحص لدى القضاء؛ لأن القاضي لا يَحكم إلا ببيِّنة، والبيِّنة: كلُّ ما أظهَر الحقَّ وأبانَه؛ سواء كانت شهادة، أو وثيقةً مكتوبة، أو إقرارًا، ونحو ذلك.

وقد يَعتري الاحتجاج بالوثائق بعضُ العوارض؛ كادِّعاء التزوير، أو الإنكار، وغير ذلك، وكلُّ هذه العوارض لها حظٌّ في إجراءات التقاضي ونظر القاضي.

ونشرع فيما ورَد في نظام المرافعات السعودي، من مواد نظاميَّة حول الكتابة والإجراءات التي تتعلَّق بها، والعوارض التي تَطرأ على الاحتجاج بها، وموقف القاضي من أنواع الوثائق والاعتراضات الواردة عليها.

جاء في المادة الثامنة والثلاثين بعد المائة:
(الكتابة التي يكون بها الإثبات؛ إمَّا أن تُدوَّن في ورقة رسميَّة، أو ورقة عادية، والورقة الرسميَّة هي التي يُثبت فيها موظَّف عام أو شخصٌ مُكلَّف بخدمة عامَّة – ما تَمَّ على يديه، أو ما تلقَّاه من ذَوِي الشأن، وذلك طبقًا للأوضاع النظامية، وفي حدود سُلطته واختصاصه، أمَّا الورقة العادية، فهي التي تكون مُوقَّعة بإمضاء مَن صدَرت منه، أو خَتْمه أو بَصمته.

ففي هذه المادة بيان أنَّ الوثائق المكتوبة التي يُحتجُّ بها للإثبات نوعان: أوراق رسميَّة صادرة من جهات رسميَّة بصورة معتادة وَفْق اختصاصها، ومثالها:

وثائق إثبات الملكيَّة الصادرة من كتاب العدل أو المحاكم، وكذا الوثائق الرسميَّة التي تُخَوِّل حاملها إجراءً رسميًّا؛ كفسوح البناء، وتراخيص العمل الصادر من البلديات، ونحوها من المؤسَّسات الحكوميَّة.

والنوع الثاني: وثائق عادية: وهي التي تكون مُوقَّعة بإمضاء مَن صدَرت منه، أو خَتْمه، أو بَصمته، ومثالها: ورقة عادية غير رسميَّة، مُدوَّن فيها عقدٌ بين شخصين، أو إقرارٌ بحقٍّ من الحقوق، وعليها توقيعُ المُقِر، أو خَتْمه الشخصي، أو بصمة إبهامه، ونحو ذلك.

وقد بيَّنت اللائحة التنفيذية للمادة أنَّ للخَصم أن يُقدِّم أيَّ مُحرر يرى أنه يظهر الحق له في الدعوى؛ ولذا فمن حقِّ الخصوم أن تَستوفي المحكمة ما لديهم من أوراق ووثائقَ، تُقوِّي الدعوى بالنسبة للمدَّعي، أو تُبطلها بالنسبة للمدَّعى عليه.

وهذا الحقُّ فيما لو لَم تَثبت الدعوى، ولا زالت الخصومة قائمة، وأمَّا إذا ثبَت لدى المحكمة الحقُّ المدَّعى به ببعض البيِّنات والوثائق، فإنه كافٍ في إصدار الحكم، ولا تُلزَم المحكمة باستيفاء كلِّ الوثائق؛ لأن مطلوب الخصوم إثبات دعاواهم.

ولَمَّا كانت الوثائق والأوراق الرسميَّة أو العادية عُرضة لحصول تغيُّر فيها – بكَشْط، أو إزالةٍ، أو مَحْوٍ – كان للمحكمة مُطلق الصلاحية في تقييم مدى صلاحية الوثيقة للاحتجاج بها.

جاء في المادة التاسعة والثلاثين بعد المائة:
(للمحكمة أن تُقدِّر ما يترتَّب على الكشط والمَحو والتَّحشية، وغير ذلك من العيوب المادية في الورقة من إسقاط قيمتها في الإثبات).

وإذا كانت صحة الورقة محلَّ شكٍّ في نظر المحكمة، جاز لها أن تسألَ الموظَّف الذي صدَرت عنه، أو الشخص الذي حرَّرها؛ ليبدي ما يوضِّح حقيقة الأمر فيها.

وبيًّنت اللائحة التنفيذية للمادة أنَّ للقاضي عدمَ إعمال ما يشكُّ فيه من معلومات الورقة.

وأما الأوراق الرسميَّة الصادرة من الجهة المُختصة، وفي حدود اختصاصها وصلاحيتها، فلا يُقبَل الطَّعن فيها إلاَّ من جهتين؛ إمَّا الادِّعاء بكونها مُزَوَّرةً، أو أن يكون ما ذُكِر فيها مخالفًا للشرع.

جاء في المادة الأربعين بعد المائة:
(لا يُقبل الطَّعن في الأوراق الرسميَّة إلاَّ بادِّعاء التزوير، ما لَم يكن ما هو مذكور فيها مخالفًا للشرع).

وبيَّنت اللائحة التنفيذية للمادة أنَّ التزوير على الأوراق الرسميَّة نوعان: تزوير معلومات، وتزوير توقيعٍ، وكلاهما قادحٌ في حُجيَّتها، كما أنَّ مخالفة الأوراق الرسميَّة لأحكام الشرع قادحٌ في حُجيَّتها، ولو سَلِمت من التزوير؛ وذلك لأنَّ التحاكُم في المملكة العربية السعودية – بحمد الله تعالى – مقصور على أحكام الشرع الحنيف، فقد جاءَت المادة الأولى من نظام المرافعات مؤكِّدة على هذا المبدأ الأصيل والشرط الرئيس في أنظمة المرافعات، ونصُّها: (تُطبِّق المحاكِم على القضايا المعروضة أمامها أحكامَ الشريعة الإسلاميَّة، وَفْقًا لِما دلَّ عليه الكتاب والسُّنة، وما يُصدِره وَلِيُّ الأمر من أنظمةٍ لا تتعارض مع الكتاب والسُّنة، وتتقيَّد في إجراءات نظرها بما ورَد في هذا النِظام).

وفي المادة الأولى من النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية:
(المملكة العربية السعودية، دولة إسلاميَّة، ذات سيادة تامَّة، دينها الإسلام، ودستورُها كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله – صلى الله عليه وسلم).

وهذه من نعمة الله تعالى على هذه البلاد الطاهرة، حين جعَلت الشريعة الإسلامية حاكمة على أنظمتها وإجراءاتها ومُحاكماتها.