إنعقاد عقد الزواج وفقا للشريعة الإسلامية

 

أولاً: أركان عقد النكاح.
ثانياً: مفهوم الإيجاب والقبول.
ثالثاً: الألفاظ التي يتم بها الإيجاب والقبول.
رابعاً: شروط يجب توفرها في الإيجاب والقبول.

المحور الأول: أركان عقد النكاح
الأصل أن عقد النكاح كغيره من العقود ينعقد بكل ما يدل على إرادة العاقدين، ولما كان الأصل في العقود الرضى، ولا يمكن الاطلاع عليه؛ لأن محله القلب، فقد اعتبر الشارع الإيجاب والقبول دليلاً ظاهراً عليه، ولقد اختلف أهل العلم في حقيقة أركان عقد النكاح، فذهب بعضهم إلى أن أركانه ثلاثة: العاقدان، الإيجاب والقبول، ومحل العقد (المعقود عليه)، وذهب آخرون إلى القول بأن أركان العقد هي الإيجاب والقبول، والراجح أن ركن عقد النكاح هو الإيجاب والقبول، دون غيره؛ وذلك لأنهما يستلزمان وجود العاقدين، فلا حاجة لذكرهما عند بيان أركان عقد النكاح، وقد نصت المادة الرابعة من قانون الأحوال الشخصية العراقي على أن الزواج ينعقد بإيجاب من أحد العاقدين، وقبول من الآخر.

المحور الثاني: مفهوم الإيجاب والقبول
يستلزم في بداية الأمر التعرف على المعنى الشرعي لكل من الإيجاب والقبول قبل الخوض في مضامينهما من حيث ألفاظهما وشروطهما:
يقصد بالإيجاب: الكلام الذي يصدر أولاً من أحد العاقدين دالاً على رضاه بالعقد.
ويقصد بالقبول: الكلام الذي يصدر من العاقد الثاني دالاً على موافقته ما قاله العاقد الأول.

المحور الثالث: الألفاظ التي يتم بها الإيجاب والقبول
لا خلاف بين الفقهاء في انعقاد العقد بلفظي الإنكاح والتزويج والجواب عنهما؛ لأنهما لفظان صريحان من حيث دلالتهما الصريحة على النكاح، والمعلوم أن اللفظ الصريح هو اللفظ الذي يدل على معنى واحد لا خلاف فيه، وقد جاءت النصوص الشرعية في سياق النكاح بهذين اللفظين، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ [النساء: 22]، وقال تعالى: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾ [النساء: 3]، وقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا ﴾ [الأحزاب: 37]، فهذان اللفظان لا خلاف عند الفقهاء في دلالتهما على النكاح، وسواء اتفقا الطرفان على لفظ واحد أو اختلفا، بمعنى لو قال الأول زوجتك بنتي، فقال الآخر قبلت زواجها، أو قال الأول زوجتك بنتي، فقال الآخر قبلت نكاحها.

واختلفوا بعد ذلك في انعقاد النكاح بغير هذين اللفظين على مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا ينعقد إلا بلفظي الإنكاح والتزويج: مستدلين بما يأتي:

أولاً: قوله تعالى: ﴿ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأحزاب: 50]، وجه الدلالة أن الله سبحانه جعل لفظ الهبة خاصة برسوله دون سائر المؤمنين.

ثانياً: بقوله عليه الصلاة والسلام في خطبة الوداع بعرفة: ” فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله “، وكلمة الله التي ذكرت في القرآن هي الزواج والنكاح.

ثالثاً: واستدلوا بأن الألفاظ الأخرى غير النكاح والزواج ليست صريحة في الدلالة عليهما، بل هي ألفاظ كنائية، وألفاظ الكناية لا تعلم إلا بالنية ولا يمكن للشهود الاطلاع عليها، والشهادة شرط في صحة النكاح، فلا ينعقد بغير لفظ النكاح والزواج.

المذهب الثاني: ذهب أبو حنيفة إلى أنه ينعقد بلفظ الهبة والصدقة والتمليك والبيع والشراء، فيصح بكل لفظ يدل على تمليك الأعيان، مستدلين بما يأتي:

أولاً: ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام: ” قد ملكتكها بما معك من القرآن “.

ثانياً: أنه لفظ انعقد به نكاح النبي صلى الله عليه وسلم فهو دليل على الجواز ويكون حكمه حكم لفظ الزواج والنكاح.

المذهب الثالث: ذهب مالك بن أنس إلى انعقاد النكاح بلفظ الهبة فقط إذا ذكر معها المهر، واشتراطهم ذكر المهر ليكون قرينة على إرادة النكاح من هذه الألفاظ.

والراجح فيما يصح به من ألفاظ الإيجاب والقبول في النكاح أن يقال: ينبغي استعمال لفظ التزويج أو الإنكاح في الإيجاب والقبول في عقد النكاح؛ لأن هذين اللفظين هما أدل من غيرهما على إرادة عقد النكاح المعروف، ولأنه لا خلاف في صحة هذا الاستعمال ولا في انعقاد عقد النكاح به، ولا وجه لاستعمال غيرهما من الألفاظ إلا في مكان أو بين قوم لا يرون بأساً في استعمال غير هذين اللفظين في النكاح، أو أنهم اعتادوا استعمال لفظي الزواج والنكاح وغيرهما من الألفاظ الجائز استعمالها، ويعتبرون النكاح منعقداً بها.

انعقاد النكاح بالإشارة المفهمة والكتابة:

ينعقد النكاح بالإشارة المفهمة المعلومة من العاجز عن النطق بألفاظ الإيجاب والقبول عند عامة الفقهاء، كما ينعقد بكتابته، أما القادر على التلفظ بألفاظ الإيجاب والقبول فالمسألة محل خلاف بين الفقهاء، فذهب الجمهور إلى منع انعقاد النكاح بالكتابة مع القدرة على النطق؛ لأن الكتابة من الكناية ولا ينعقد النكاح بألفاظ الكناية لخفائها على الشهود الحاضرين عقد النكاح، وذهب الحنفية إلى جوازها من الغائب دون الحاضر بشرط أن تكون واضحة مفهومة يمكن قراءتها من قبل الغير، والراجح ما ذهب إليه الجمهور لقوة مدركهم وتعليلهم.

المحور الرابع: شروط يجب توفرها في الإيجاب والقبول
يشتر ط في صيغة عقد النكاح ما يأتي:

أولاً: أن تكون دالة على إنشاء العقد:
الأصل في صيغ العقود أن تكون بلفظ الماضي؛ لأنه يدل على إنشاء العقد، أما صيغ المضارع والأمر، فإنها لا تدل على إنشاء العقد إلا بقرينة لاحتمالها المساومة أو التمهيد لإنشاء العقد، ويستثنى من ذلك عقد النكاح فإنه يجوز إنشاؤه بلفظين أحدهما للماضي والآخر للمستقبل أو الحال؛ لأن الذي يمنع الإيجاب بصيغة المستقبل هو احتمال المساومة وذلك بعيد في عقد النكاح؛ لأنه يسبقه تمهيدات ومقدمات تبعد معنى المساومة وتعين إرادة إنشاء العقد في الحال، مثاله:

♦ يقول: زوجني ابنتك، فيقول وليها: قبلت الزواج، أو يقول: زوجيني نفسك، فتقول: قبلت الزواج.
♦ يقول: أتزوج ابنتك بمهر كذا، فيقول وليها: قبلت زواجك منها، أو يقول: أتزوجك بمهر كذا، فتقول: قبلت زواجي منك.
♦ يقول: تزوجت ابنتك على مهر قدره كذا، فيقول وليها: أقبل الزواج، أو يقول: تزوجتك على مهر قدره كذا، فتقول: أقبل الزواج.

فهذه الصور السابقة يصح العقد بها؛ لأن القرينة تدل على أنهما لا يريدان المساومة، وإنما يريدان التنجيز وإكمال العقد، ولكن الذي يلزم التنبيه عليه أن عقد النكاح لا ينعقد إذا كان مضافاً إلى المستقبل وهذا بالاتفاق، كأن يقول: زوجني ابنتك بعد شهر، أو زوجيني نفسك بعد سنة، فهذه الصيغ لا ينشأ بها عقد النكاح؛ لعدم ترتب آثار العقد عليها؛ فعقد النكاح تترتب عليه آثاره في الحال، وليس في المستقبل.

ثانياً: ألا تكون الصيغة معلقة على شرط لا يمكن تحققه:
وذلك بأن يجعل تحقق إنشاء العقد معلقاً على وجود أمر آخر يمكن أن يتحقق ويمكن ألا يتحقق، كقوله: تزوجت ابنتك إذا نجحت، أو أتيت من السفر، أو جاء فلان، أو خرج فلان، ففي هذه الحالة لا ينعقد النكاح حتى ولو تحقق الشرط؛ لأن آثار عقد النكاح تترتب عليه في الحال، وهذا التعليق على الأمر لا يرتب آثاره في الحال.

ثالثاً: ألا تكون الصيغة دالة على التأقيت:
ومعنى هذا أن يكون العقد على سبيل الدوام والتأبيد لا التوقيت، وبهذا يعد نكاح المتعة والنكاح المؤقت باطلين، وقد دلت النصوص الشرعية كتاباً وسنة على بطلانهما، كذا انعقد الإجماع المعتبر على بطلانهما، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾ [المؤمنون: 5 – 7]، ووجه الدلالة أن الله حرم الجماع إلا عن طريقين: النكاح، وملك اليمين، وليست المتعة نكاحاً ولا ملك يمين، فتكون محرمة، والدليل على أنها ليست بنكاح، أنها ترتفع من غير طلاق ولا فرقة ولا نفقة ولا يجري بها التوارث، ومن الأدلة على ذلك أيضاً قول علي رضي الله عنه كما في رواية الصحيحين وغيرهما: ” نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة يوم خيبر “، وحديث الربيع بن سبرة عن أبيه يوم فتح مكة كما في رواية مسلم أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: ” يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً “.