إيضاحات حول إستماع المحادثات الخاصة أو نقلها أو تسجيلها

إيضاحات حول إستماع المحادثات الخاصة أو نقلها أو تسجيلها.

كي يتم تحديد هذا الركن بشكل واضح يقتضي الأمر تحديد  ماهية المحادثات ، مع إيضاح المقصود بكون الحديث خاصاً . وعليه فالحديث عبارة عن كل صوت له دلالة التعبير عن مجموعة من المعاني والافكار المترابطة ،

فإذا كان هذا الصوت فاقد الدلالة على أي تعبير كالهمهمة والصيحات المتناثرة او اذا اعطى دلالة فلا تكون هذه الدلالة معبرة عن مجموعة من المعاني والافكار المترابطة كاللحن الموسيقي فإنه لا يعد حديثاً ، ويستوي فيما يعد محادثة ان تكون مفهومة لجمهور الناس او لفئة محددة منه ، ولا عبرة في ذلك باللغة التي يجري فيها الحديث (1) .

اما فيما يتعلق بالصفة الخاصة للحديث ، في الحقيقة ان المشرع المقارن لا يعتد بموضوع الحديث بقدر ما يعتد بالمكان الذي جرى فيه ليكون قرينة لا تقبل اثبات العكس عن طبيعته ، فيكون الحديث خاصاً اذا جرى في مكان خاص او بالهاتف ولو تناول موضوعاً عاماً ، وعليه فهو معيار يتسم بالوضوح ، اما الأخذ بمعيار طبيعة موضوع الحديث فقد يؤدي تفسيره الى التوسع في تطبيق النص أكثر مما يجب ،

كما ان الحديث الذي  يلقي به الشخص في مكان عام يكون متاحاً للكل سماعه ، ومن ثم لا يمثل تسجيله او نقله عدواناً على خصوصيته ، حتى لو تناول أخص شؤونه لانه لا يجوز للشخص ان يفرط في اسراره ثم يطلب حماية القانون(2) .

غير ان بعضهم (3) يرى ان الأخذ بمعيار المكان الخاص او بالهاتف لا يكفل الحماية الكافية لحرمة الحديث ، باعتبار ان الهدف ينصب على خصوصية الحديث لقائله لا على المكان الذي يجري فيه ، فوقوع الحديث في مكان عام لا ينفي عنه صفة الخصوصية ، ولا يجرده من الحماية اذا كان متعلقاً بشؤون صاحبه واسراره وتم بينه وبين من يريد الافضاء به ودون ان يجهر بالقول بحيث لا يكون في استطاعة طرف ثالث عدم سماعه مع وجود قرينة مطلقة على خصوصية الاحاديث التي تجري في مكان خاص او عن طريق الهاتف (4) لذلك كانت المناداة في معيار صفة موضوع الحديث على اساس انه الاجدر بالتطبيق .

الا ان هناك(5) من يعترض على المعيار السابق في تحديد خصوصية الحديث ، بحجة ان هناك حالات يتعذر بشأنها الوقوف على طبيعة الحديث فيما اذا كان عاماً ام خاصاً ، وحتى اذا امكن التمييز بين النوعين ، فانه لا يتسنى من الناحية العملية معرفة طبيعة الحديث الذي يجري تسجيله الا بعد تفريغ التسجيل ، والاستماع الى الشريط المسجل ، وحينها يكون الاعتداء على حرمة الحديث قد وقع ، بل يتحقق الاعتداء في الواقع بمجرد الشروع في استراق السمع والبدء باجراء التسجيل(6) .

فضلاً عن ذلك فقد برز معيار حديث مؤداه ان خصوصية الحديث تتحدد على اساس طبيعة المكان من جهة ، ومن جهة اخرى على اساس طبيعة الحديث ذاته ، أي بناءاً على معيار مزدوج ، اذ يعد الحديث خاصا متى ما دار في مكان خاص بصرف النظر عن موضوعه ، ويكون ذلك مشمولاً بالحماية القانونية ، اذا كان يتعلق بامور شخصية للمتحدث اينما جرى ولو كان في مكان عام(7) ،

باعتبار ان الكثير من الاحاديث الخاصة تجري في الاماكن العامة وهذا ليس من شانه ان يجردها من خصوصيتها، ويتوقف كون الحديث الذي يدور في مكان عام خاصاً ام لا ، على ارتفاع صوت المتحدثين والوضعية التي عليها هؤلاء ، و مدى ازدحام المكان الذي يدور فيه الحديث من عدمه ، وغير ذلك من الظروف والاعتبارات المختلفة(8) .

وهذا المعيار باعتقادنا المتواضع هو الاجدر بالتأييد ولكن على الرغم من وجاهتة  ، وقوة المنطق الذي يسنده ، يصعب الاخذ به وتطبيقه في ظل النصوص الراهنة التي تشترط وقوع الاعتداء بمكان خاص ،

وعليه يقتضي التدخل لتعديل بعض النصوص القانونية المقارنة القائمة بهذا الشكل بما يكفل مد نطاق الحماية القانونية للاحاديث الخاصة التي تدور في مكان عام شانها شأن التي تجري في مكان خاص ،  وان القول بمد نطاق هذه الحماية  دون اجراء تعديل لتلك النصوص الحالية ، على اساس القياس هوما لم يمكن قبوله ، لان القياس محظور في مسائل التجريم والعقاب(9) ،

ولكن على الرغم مما تقدم يتضح ان المشرع المقارن رجح الضابط والمعيار المستمد من صفة الحديث ، لكونه اكثر تحديداً ووضوحاً ولا يثير من المشكلات ما يثيره معيار موضوع الحديث من صعوبات ليس من السهل على السياسة التشريعية حسمها (10) .

——————————————————————————————

1- ينظر: د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، القسم الخاص، ط 1988م ، ص68 . وينظر    كذلك : د. محمد زكي أبو عامر ، قانون العقوبات ، القسم العام ، بدون مكان نشر ، 1990م ، ص88 .

2- ينظر: د. محمد زكي أبو عامر ،  المصدر السابق ، ص88 –89 .

3- ينظر: د. عوض محمد ، الوجيز في قانون الاجراءات الجنائية ، دار المطبوعات الجامـعيـة ،  الاسكندرية ، 1977م ، ص 312 .

4- ينظر : حسن محمد ربيع ، حماية حقوق الانسان والوسائل المستحدثة للتحقيق الجنائي ، رسالة دكتوراه مقدمة الى كلية الحقوق في جامعة الاسكندرية ، 1985م ، ص 586-587 .

5- ينظر : د. مراد رشدي ، نظرة في حرمة الحياة الخاصة للإنسان ، بحث مقدم الى مؤتمر الحق في حرمة الحياة الخاصة ، المنعقد في كلية الحقوق ، جامعة الاسكندرية في الفترة من 4-6 يونيو 1987م ، ص21.

6- ينظر : د. حسام الدين الاهواني ، الحق في احترام الحياة الخاصة ، دار النهضة العربية ، القاهرة ،1978م ، ص 129 .

7- ينظر : احمد ضياء الدين محمد خليل ، مشروعية الدليل في المواد الجنائية ، رسالة دكتوراه ، مقدمة الى كلية الحقوق في جامعة القاهرة ، 1989م ، ص 836 وما بعدها .

8- ينظر : د. حسام الدين الاهواني ، مصدر سابق ، ص 194 وما بعدها ، مضيفاً الى ان ما سبق يرجع فيتحديد ما يتوقعه الشخص من الخصوصية الى الاختلافات والطبائع السائدة لدى كل شعب من الشعوب ،ليس هذا فحسب بل ينبغي مراعاة الوضع الاجتماعي للمتحدث ، وذلك عن طريقة المحادثة التي قد تختلف احياناً من فئة الى اخرى وعلى هذا الاساس ، فان ما يجري بين الزوجين من حديث هامس داخل مكانعملهما بشان امور زوجية لا يمكن اعتباره حديثاً علنياً .

9- ينظر : د. مأمون محمد سلامة ، قانون العقوبات/ القسم العام ، دار الفكر العربي ، القاهرة ،1979م ، ص42 .

10- ينظر : د. محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقوبات / القسم الخاص ، مصدر سابق ، ص770

اترك تعليقاً