التأصيل الفقهي والشرعي لحجية السجل والتوقيع الالكتروني

التأصيل الفقهي والشرعي لحجية السجل والتوقيع الالكتروني

التأصيل الفقهي والشرعي للسجل والتوقيع الإلكتروني

اختلف الفقهاء في حصر طرق الإثبات، وإطلاقها إلى فريقين:

الأول: ذهب جماهير الفقهاء ومنهم الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة[1] إلى أن طرق الإثبات محصورة في عدد معين مع اختلافهم في العدد، وهي الطرق التي ورد فيها نص شرعي صراحة، أو دلالة، فلا يقبل غيرها في إثبات الدعوى، ولا يجوز للقاضي أن يحكم إلا بناءً عليها، والذي دفعهم لذلك التحوط في حفظ الحقوق، وعدم فتح الباب أمام الظلمة للتسلط على أموال الناس وحقوقهم بطرق واهية ضعيفة لا أساس لها من الشرع.

وقال ابن نجيم الحنفي: ” الحجة: بينة عادلة، أو إقرار، أو نكول عن يمين، أو يمين، أو قسامة، أو علم القاضي بعد توليته، أو قرينة قاطعة “[2].

وقال ابن رشد المالكي: ” القضاء يكون بأربع: الشهادة، واليمين، والنكول، والإقرار”[3].

والثاني: يرى أن طرق الإثبات ليست محصورة في عدد معين، بل تشمل كل ما يثبت به الحق؛ وعلى هذا الأصل للخصوم أن يقدموا الوسائل التي تثبت الحق، وتقنع المحكمة، وللقاضي أن يقبل من الأدلة ما ثبت منها لديه بعد وزن البينات المقدمة في الدعوى، وعلى هذا الأصل يتخرج السجل أو المحرر الإلكتروني، وكذلك التوقيع الإلكتروني، كوسيلة معاصرة في إثبات الحقوق لدى القضاء.

قال ابن فرحون المالكي: ” البينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره، وسمى النبي – صلى الله عليه وسلم – الشهود بينة؛ لوقوع البيان بقولهم، وارتفاع الإشكال بشهادتهم “[4].

وقال الشيرازي الشافعي: ” ويقع البيان بالقول، ومفهوم القول، والفعل، والاقرار، والاشارة والكتابة، والقياس “[5].

وقال ابن القيم: ” البينة في كلام الله، ورسوله، وكلام الصحابة اسم لكل ما يبين الحق، فهي أعم من البينة في اصطلاح الفقهاء حيث خصوها بالشاهدين، أو الشاهد واليمين، ولا حجر في الاصطلاح ما لم يتضمن حمل كلام الله، ورسوله عليه، فيقع بذلك الغلط في فهم النصوص، وحملها على غير مراد المتكلم منها “[6].

حجية السجل والتوقيع الإلكتروني:[7]

تبين لنا دقة وصحة ما ذهب إليه المحققون من الفقهاء، كابن تيمية، وابن فرحون، وابن القيم، أن البينة تشمل كل ما يثبت الحق ويبينه؛ وهذا أمر مؤصل في أدلة كثيرة من القرآن والسنة نص عليها هذا الفريق في كتبهم المتخصصة في القضاء، والسياسة الشرعية، وبناء على ذلك نستطيع القول إن الفقه الإسلامي يستوعب كل ما يتوصل إليه علماء العصر من تقنية في مجال إثبات الحقوق، ومنع الجرائم ما دامت قاطعة في الحقوق التي لا تثبت إلا بأدلة قطعية، أو ظنية في الحقوق التي تثبت بأدلة ظنية، أما الأدلة التي تفيد الشك والوهم والتردد شرعا وعقلا وواقعا، فلا يبنى عليها حكم أو قرار.

إذا ثبت هذا: فإن المحرر الإلكتروني، والتوقيع الإلكتروني، يأخذ حكم البينات الخطية بنوعيها الرسمي، والعادي، كل وفق موضوعه وجهة اختصاصه، ويعطي الفقه الإسلامي السلطة التقديرية المقيدة بالمصلحة والعدل إلى القضاء، وفيما يلي بيان ذلك:[8]

أ- الكتابة دليل من أدلة الإثبات، سواء أكانت عادية، أم الكترونية، رسمية، أم عرفية.

ب- السندات الرسمية هي التي ينظمها الموظفون الذين من اختصاصهم تنظيمها طبقاً للأوضاع القانونية، ويحكم بها دون أن يكلف مبرزها إثبات ما نص عليه فيها، ويعمل بها ما لم يثبت تزويرها، أي حجة قاطعة فيما نظمت لأجله، ولا تقبل الطعن إلا بالتزوير، وهذا يشمل الوثائق التي تصدر عن الحكومات الإلكترونية.

ج- السند العادي: هو الذي يشتمل على توقيع من صدر عنه، أو على خاتمه، أو بصمة إصبعه، وليست له صفة السند الرسمي، ومن احتج عليه بسند عادي وكان لا يريد أن يعترف به وجب عليه أن ينكر صراحة ما هو منسوب اليه من خط، أو توقيع، أو خاتم، أو بصمة إصبع وإلا فهو حجة عليه بما فيه.

د- تكون للرسائل قوة الإسناد العادية من حيث الإثبات، ما لم يثبت موقعها أنه لم يرسلها ولم يكلف أحداً بإرسالها، وتكون للبرقيات هذه القوة أيضاً إذا كان أصلها المودع في دائرة البريد موقعاً عليه من مرسلها، وتكون لرسائل الفاكس، والتلكس، والبريد الإلكتروني قوة السندات العادية في الاثبات، وتكون رسائل التلكس بالرقم السري المتفق عليه بين المرسل والمرسل اليه حجة على كل منهما، وتكون لمخرجات الحاسوب المصدقة، أو الموقعة قوة الإسناد العادية من حيث الإثبات، ما لم يثبت من نسبت إليه أنه لم يستخرجها أو لم يكلف أحداً باستخراجها.

ويشترط في الطلاق الإلكتروني؛ ليأخذ الأحكام السابقة ما يلي:[9]

1– إمكانية القراءة، أي أن تكون الرسالة معبرة عن محتواها.

2– القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات؛ لإمكان الرجوع إليها عند الحاجة.

3– عدم القابلية للتعديل، أي عدم قابلية المحرر الإلكتروني للتعديل والتغيير، ويهدف هذا الشرط إلى إضفاء عنصر الثقة والأمان على المحرر الإلكتروني حتى يمكن الاعتماد عليه ومنحه الحجة الشرعية والقضائية.

وإذا استوفت المستندات الإلكترونية الشروط السابقة أصبحت حجة، كالدليل الكتابي الذي يتمتع بالحجية في الإثبات.

[1] انظر: حاشية ابن عابدين ج 5 ص 354، والفروق ج 4 ص 83، وبداية المجتهد ج 2 ص 462، والطرق الحكمية ص 83.

[2] الأشباه والنظائر ص 247.

[3] بداية المجتهد ج 2 ص 462.

[4] تبصرة الحكام ج 1 ص 240.

[5] اللمع ج 1 ص 53.

[6] إعلام الموقعين ج 1 ص 90.

[7] العقود الإلكترونية، ص 2147، مجلة بحوث المعاملات المصرفية، المجلد الخامس، كلية الشريعة والقانون، الإمارات، 2003م.

[8] انظر: قانون البينات الأردني رقم (30) لسنة 1952م، والمعدل بالقانون رقم (37) لسنة 2001م، والمنشور في الجريدة الرسمية، العدد (4501) بتاريخ 16 / 8/ 2001م، ص 3330.

[9] انظر: توثيق التعاملات الإلكترونية، ص 1860، مجلة بحوث المعاملات المصرفية، المجلد الخامس، كلية الشريعة والقانون، الإمارات، 2003م.

اترك تعليقاً