الفروق بين عقد المقاوله وعقد العمل في القانون المصري

تمييز المقاولة عن عقد العمل:

ومن المهم التمييز بين عقد المقاولة وعقد العمل. فإنه إذا كان كل من العقدين يرد على العمل إلا أن القواعد التي يخضع لها أحد العقدين تختلف اختلافًا جوهريًا عن القواعد التي يخضع لها العقد الآخر ، وبخاصة في تحمل التبعة حيث يتحملها المقاول على التفصيل الذي سنبينه ولا يتحملها العامل ، وفي الخضوع لتشريعات العمل المختلفة ومنها سنبينه ولا يتحملها العامل ، وفي الخضوع لتشريعات العمل المختلفة ومنها التشريعات المتعلقة بساعات العمل والإجازات وتقدير الأجر وضماناته وإصابات العمل والفصل التعسفي وما إلى ذلك مما هو مذكور في عقد العمل الفردي ، وهذه التشريعات تسرى على العامل دون المقاول([1]).

وقد ذهب رأي قديم ([2]) إلى أن معيار التفرقة بين المقاولة وعقد العمل هو الطرقة اتي يقدر الأجر على أساسها؛ فإن قدر الأجر بحسب الوقت – كل يوم أو كل أبوع أو كل شهر أو بحب اية وحدة أخرى من الزمن – كان العقد عقد عمل . وإن قدر الأجر لا بحب الوقت بل بحسب كمية الإنتاج كان العقد مقاولة. فيكون مقاولة العقد الذي يبرم مع الصانع على أن يأخذ أجره بحب ما ينتجه من العمل ، نجارًا كان الصانع أو حداداً أو نقاشًا أو سباكًا أو غير ذلك . ويكون مقاولة العقد الذي يبرم مع مقاول البناء على أن يأخذ أجره مقدرًا إجمالاً أو مقدرًا بمقتضى مقايسة على اساس الوحدة . فيكون الأجر في المقاولة بحسب أهمية العمل الذي أنتجه المقاول لا بحسب مقدار الوقت الذي أنفقه في الإنتاج .

وبهذا المعيار أخذ تقنين الموجبات والعقود اللبناني ، حيث ينص في المادة624 /2 منه على أن “عقد المقاولة أو إجارة الصناعة هو عقد يلتزم المرء بمقتضاه إتمام عمل معين لشخص آخر مقابل بدل مناسب لأهمية العمل”([3]).
ويعيب هذا الرأي أنه يجعل معيار التمييز بين المقاولة وعقد العمل يقوم على أمر غير جوهري ، فليس هناك فرق أساسي بين عامل يأخذ أجره بحسب الوقت ( salaire proportionnel au temps ) وآخر يأخذه بحسب القطعة ( salaire auxpièces, salaire a la tâche ) ، فكلاهما أجير عند رب العمل يخضع لإدارته وإشرافه ، ويأخذ المقابل لعمله بمقدار ما يبذل من جهد ، وإن كان لإدارته وإشرافه ، ويأخذ المقابل لعمله بمقدار ما يبذل من جهد ، وإن كان هذا الجهد يقاس في الحالة الأولى بمقياس مقدار الوقت وفي الحالة الثانية بمقياس كمية الإنتاج . والفرق بين المقياسين لا يرجع إلى خلاف في طبيعة المقياس ، وإنما أراد رب العمل في جعله الأجر بحسب كمية الإنتاج أن يأمن تكاسل العامل وتراخيه في العمل ، فهو عندما يأجره بحسب القطعة إنما يأجره في الواقع من الأمر بحب الوقت الذي يقضيه العالم العادي في إنتاج هذه القطعة ، فإن تراخي العامل المأجور فعيه مغبة تراخيه وإن نشط أفاد من نشاطه([4]).

إذن المعيار القائم على اساس مقدار الوقت أو كمية الإنتاج لا يصلح أن يكون معيارًا دقيقًا للتمييز بين المقاولة وعقد العمل . والرأي الحديث([5])، الذي يجرى عليه أكثر القضاء الفرنسي([6])ويناصره طائفة كبيرة من الفقهاء ([7])، يأخذ بمعيار آخر هو خضوع العامل لإدارة رب العمل وإشرافه . فالذي يميز المقاولة عن عقد العمل هو أن المقاول لا يخضع لإدارة رب العمل وإشرافه ([8])، بل يعمل مستقلا طبقًا لشروط العقد المبرم بينهما، ومن ثم لا يعتبر المقاول تابعًا لرب العمل ولا يكون هذا الأخير مسئولاً عن المقاول مسئولية المتبوع عن التابع. أما في عقد العمل فالعامل يخضع لإدارة رب العمل وإشرافه، سواء كان يؤجر بمقياس مقدار الوقت أو بمقياس كمية الإنتاج، ولا يعمل مستقلا عن رب العم بل يلتقي تعليماته وعليه أن ينفذها في حدود العقد المبرم بينهما، ومن ثم يعتبر العامل تابعًا لرب العمل ويكون هذا الأخير مسئولا عنه مسئولية المتبوع عن التابع . ومن هذا نرى أن المقاول يدفع ثمن استقلاله عن رب العمل، اذ لا يتمتع بالمزايا الكثيرة التي يمنحها القانون للعامل والتي هي نتيجة تبعية العامل لرب العمل ([9]).
وتطبيقًا لهذا المعيار الأخير يكون كل من النقاش والنجار والحداد والسباك ومن إليهم مقاولاً ، غذا هو تعاقد مع صاحب العمل على صنع شيء معين يقوم بصنعه مستقلاً عن رب العمل ، لا يخضع لإشرافه ولا يتلقى منه تعليمات غير ما هو مذكور في العقد ، وذلك سواء كان يؤجر بحب كمية الإنتاج كما هو الغالب أو بحسب مقدار الوقت . ويكون كل من هؤلاء عاملاً لا مقاولاً ، إذا قام بعمله بإشراف رب العمل وتحت إدارته ، يتلقى منه التعليمات ويقوم بتنفيذها ، وذلك سواء كان يؤجر بحسب مقدار الوقت كما هو الغالب أو بحب كمية الإنتاج . ويكون العقد المبرم بين صاحب الملعب والفنانين الذين يتعاقدون معه عقد عمل لا عقد مقاولة ، لأن الفنانين مهما كان الأمر في استقلالهم الفني يتلقون تعليمات صاحب الملعب في عملهم وعليهم أن ينفذوها ، وهم يعملون بوجه عام تحت إدارته وإشرافه([10]). وكذلك العقد المبرم بين صاحب الجريدة واصحفي الذي يعمل فيها هو عقد عمل ، مادام الصحفي يعمل تحت إدارة صاحب الجريدة وإشرافه . أما إذا تعاقد شخص مع صاحب الجريدة على أن يكتب له مقالا في موضوع معين لقاء أجر معلوم ، فالعقد مقاولة ، لأن الكاتب لا يعمل تحت إدارة صاحب الجريدة وإشرافه ، حتى لو تعود الكاتب أن يوالى الجريدة بالمقالات في مواعيد منتظمة مادام لا يعمل تحت إدارة صاحب الجريدة . والطوافون والممثلون التجاريون والجوالون ومندوبو شركات التأمين ومن يسمون بالمنتجين في هذه الشركات وغيرهم من الوسطاء يرتبطون مع رب العمل بعقد عمل لا بعقد مقاولة ، ولو كانوا مأجورين بطريق العمالة أو كانوا يعملون لحساب جملة من أرباب الأعمال مادام هؤلاء الوسطاء تابعين لرب العمل وخاضعين لرقابته .

وقد أخذ التقنين المدني الحالي بهذا المعيار الأخير. فهو في تعريفه لعقد المقاولة ( م 646مدني ) لا يذكر شيئًا عن الطريقة التي يؤجر بها المقاول ، بل يقتصر على القول بأن المقاول يعمل “لقاء أجر بتعهد به المتعاقد الآخر” .
فإذا انتقل بعد ذلك إلى عقد العمل ، يعرفه في المادة 674 مدنى على الوجه الآتي : “عقد العمل هو الذي يتعهد فيه أحد المتعاقدين بأن يمل في خدمة المتعاقد الآخر ، وتحت إدارته أو إشرافه ، مقابل أجر يتعهد به المتعاقد الآخر”.

فهو لا يذكر هنا أيضًا شيئًا عن الطريقة التي يؤجر بها العامل غذ لا اثر لها في تكييف العقد ، وإنما يذكر في صراحة أن العامل يعمل تحت إدارة رب العمل أو إشرافه . فمعيار الخضوع لإدارة رب العمل وإشرافه هو إذن المعيار الذي اخذ به التقنين المدني الجديد في التمييز ما بين المقاولة وعقد العمل . وقد طبق هذا المعيار تطبيقا واضحاً في الفقرة الأولى من المادة 676 مدني ، إذ يقول : “ترى أحكام عقد العمل على العلاقة ما بين أرباب الأعمال وبين الطوافين والممثلين التجاريين والجوابين ومندوبي التأمين وغيرهم من الوسطاء ، ولو كانوا مأجورين بطريق العمالة أو كانوا يعملون لحساب جملة من أرباب الأعمال ، مادام هؤلاء الأشخاص تابعين لأرباب العمل وخاضعين لرقابتهم”([11]).