الوصف القانوني لإفادة المجني عليه تحت خشية الموت في القانون العراقي.

فيما يتعلق بقيمة إفادة المجني عليه تحت خشية الموت نجد بان قضاء محكمة التمييز غير مستقر في هذا الموضوع ، فتارة تذهب الى انه ليس من الصواب الاخذ بها مجردة من أي دليل اخر أو قرينة تدعمها ، وتذهب الى العكس من ذلك في تارة اخرى .الا انها بالرغم من ذلك مستقرة في قضائها على قبول الإفادة تحت خشية الموت كدليل كامل في الاثبات اذ قضت في قرارٍ لها ان إفادة المجني عليه تصلح لأن تكون دليلاً اساس لتأسيس الادانة على المتهم فيما يتعلق بالجريمة التي وقعت على المجني عليه وادت الى وفاته أو أي امر آخر يتعلق بها

كما استقرت هذه المحكمة على مبدأ خضوع هذه الإفادة الى السلطة التقديرية وعدم استثنائها من ذلك ، اذ قضت في احدى قراراتها (لدى التدقيق والمداولة وجد ان محكمة الاحداث حسمت الدعوى فيما يخص اعتداء الجانح (ف) على المجني عليه (ج) بالعصا الغليظة (التوثية) وضربه بها ضربة واحدة على كتفه وذلك بإدانته والحكم عليه وفق المادة (415) ق.ع دون ان تلاحظ بان الدليل في هذه القضية هو إفادة المجني عليه المذكور وهو تحت خشية الموت امام المحقق العدلي والتي تليت امام المحكمة لوفاته والتي ذكر فيها بان الجانح المذكور ووالدته قد حضرا الى محل الحادثة بعد ان طعنه المتهم(ج)عدة طعنات بالسكين وان المومأ اليه قد ضربه (بالتوثية) وشهادة المصاب (ف . ج) والتي ذكر فيها بانه شاهد الجانح يضرب والده المجني عليه بالعصا ضربة واحدة على كتفه.

ان ما جاء بهاتين الشهادتين لا يطمأن الى صحتهما لأنهما يناقضان ما جاء في التقرير الطبي التشريحي الخاص بالمجني عليه المذكور حيث لم يرد فيه الى ما يشير الى وجود أي أثر في جسمه يدل على اصابته بهذه العصا في كتفه مع ان الضرب بمثلها والتي وصفها الشاهد (ف.ج) بانها غليظة وفي راسها حديدة ان صح لابد ان يترك اثراً في جسم المصاب، وعليه ومما تقدم قرر نقض كافة القرارات الصادرة في الدعوى فيما يخص الجانح المذكور والغاء التهمة الموجهة اليه والافراج عنه)

وبذلك يتضح لنا بان المحكمة اهدرت إفادة المجني عليه بالرغم من انها تعززت بشهادة عيان اخرى لتناقضهما مع الدليل المادي العلمي المتمثل بالتقرير التشريحي الطبي ، مما يدل على خضوع الإفادة تحت خشية الموت الى سلطة المحكمة التقديرية . وقد أكدت ذلك في قرار آخر لها اشارت فيه الى ان للأخذ بالإفادة تحت خشية الموت في الاثبات يجب ان تكون غير مشوبة بأي مأخذ قانوني.

وينحصر بذلك امر عدم استقرار محكمة التمييز على اتجاه واضح فيما يخص إفادة المجني عليه تحت خشية الموت في قيمتها القانونية ، ومدى صلاحيتها سبباً للحكم بالإدانة على المتهم ، فقد دارت قراراتها في اتجاهين مختلفين، الاتجاه الاول حين قضت بأنه ليس من الصواب الاخذ بأقوال المجني عليه تحت خشية الموت منفردة لإدانة المتهم الذي انكر اقترافه الجريمة. وعليه فقد اعتمدتها سبباً للإدانة عندما تأييدت ببعض القرائن ،

اذ قضت ( وقد تأييدت هذه الإفادة – ويقصد بذلك الإفادة تحت خشية الموت- بقرائن قاطعة، منها انطباق الاصابات على ما بيّنه المجني عليه وهروب المتهم وهجره قريته مدة طويلة والعداء الثابت بين الطرفين وعجز المتهم عن تعيين مكان وجوده وقت ارتكاب الجريمة، وعليه تكون هذه الادلة كافية للإدانة…) لا يجب ان يفهم من هذا بإن اتجاه محكمة التمييز الموقرة هو عدم الاعتراف بإفادة المجني عليه تحت خشية الموت (دليلاً كاملاً في الاثبات) اذ انها تعتبرها من عناصر الاثبات كما اسلفنا ،

وما يؤكد ذلك انها قضت في احدى قراراتها بترجيح إفادة المجني عليه تحت خشية الموت على شهادة اخرى في نفي التهمة عن احد المتهمين ولكنها بذلك تذهب الى عدم استثنائها من احكام المادة (213/ب) الاصولية ، وبالتالي وفي قراراتها الاخيرة تلك ترى بإن إفادة المجني عليه تحت خشية الموت لا تكفي وحدها سبباً للحكم ما لم تؤيد بقرينة أو ادلة اخرى مقنعة. شأنها في ذلك شأن الشهادة مكتملة الشروط. وعلى خطى محكمة التمييز هذه ،

واتجاهها الاول هذا في اشتراط ان تؤيد الافادة تحت خشية الموت بأدلة وقرائن اخرى لصلاحيتها سبباً في الحكم قضت المحكمة الجنائية المركزية الهيئة العاشرة في البصرة ( اما بشأن التهمة المسندة الى المتهم المذكور (ع) وفق المادة 406/1/ا و ج وبدلالة مواد الاشتراك 47 ، 48 ، 49 من قانون العقوبات ، فان المحكمة رأت بان الادلة ضد المتهم كافية ومقنعة بالإدانة ،

وذلك لاعترافه امام القائم بالتحقيق وقاضي التحقيق وتعزز هذا الاعتراف بضبط السكين المستعملة بالحادث ومحاولة هرب المتهم بعد الحادث وقبض عليه من قبل الاهالي واقوال المجني عليه (ص) تحت خشية الموت المدونة من قبل القائم بالتحقيق بعد الحادث مباشرة اضافة الى محضر الكشف والمخطط على محل الحادث واقوال اخي المجني عليه المشار اليها آنفاً ، زائداً اقوال المدعين بالحق الشخصي من ذوي المجني عليه، الذين ايدوا معرفتهم بالمتهم وانه من سكنة منطقتهم.

وعليه قررت المحكمة تجريم المتهم (ع) بهذه التهمة وتحديد عقوبته بمقتضاها وصدر القرار بالاتفاق استناداً لاحكام المادة (182/أ) من قانون اصول المحاكمات الجزائية حكماً وجاهياً قابلاً للتمييز وافهم علناً بتاريخ 25 ذي القعدة 1428هـ الموافق 5/12/2007م)

والملاحظ ان قرار المحكمة الجنائية المركزية في البصرة هذا قد جاء مطابقاً للاتجاه الاول لمحكمة التمييز والقاضي بعدم كفاية الإفادة تحت خشية الموت المنفردة سبباً للحكم ، وصلاحيتها لذلك اذا تأييدت بادله أو قرائن مقنعة.

اما الاتجاه الثاني لمحكمة التمييز الموقرة فهو ان إفادة المجني عليه تحت خشية الموت كافية لوحدها دليلاً للأثبات وهو ما تبنته محكمة التمييز في قرارها ذي الرقم 215/ هيئة عامة ثانية /976 تاريخ القرار 25/12/1976 والذي جاء فيه (قررت محكمة جزاء البصرة بتاريخ 20/12/1975 وبعدد الاضبارة المرقمة 339/75 الافراج عن المتهم (ذ) والغاء الكفالة المأخوذة منه وفق الفقرة ج من المادة 182 من الاصول وذلك عن التهمة المسندة اليه وفق الفقرة الاولى من المادة 411 عقوبات بحجة عدم كفاية الادلة لدهسه المجني عليها (م) وتسببه في وفاتها.

وبناءاً على تمييز زوجها (ن) اصدرت محكمة التمييز قراراً بالعدد 53/ تمييزيه/ 976 يقضي بنقض كافة القرارات الصادرة بالقضية واعادة الاوراق الى محكمتها لاجراء المحاكمة مجدداً بغية ادانته وفق الفقرة الثانية من المادة 411 من قانون العقوبات والحكم عليه وفق ما تقدم واصدار امر القبض على المتهم المذكور على ان يترك للمحكمة امر توقيفه أو اطلاق سراحه بكفالة عند القبض عليه

وذلك بحجة ان الادلة كافية لقيام المتهم بدهس المجني عليها المذكورة ونكوله عن مساعدتها بعد دهسه اياها. واتباعاً لقرار محكمة التمييز اصدرت محكمة الجزاء قراراً بعدد 339/975 بتاريخ 6/9/1976 يقضي بإدانة المتهم المذكور (ذ) وفق المادة الثانية من المادة 411 ق.ع وحكمت عليه بالحبس الشديد لمدة سنة واحدة مع احتساب مدة موقوفيته. ولعدم قناعة المدان المذكور بالحكم اعلاه فقد طلب وكيله المحامي (ع) تدقيقه تمييزياً ونقضه للأسباب المبينة في لائحته المؤرخة في 15/9/1976.

القرار: لدى التدقيق والمداولة من قبل الهيئة العامة لمحكمة التمييز وجد ان محكمة جزاء البصرة اتباعاً لقرار النقض الصادر من الهيئة الخاصة لمحكمة التمييز المرقم 53/تمييزية/976 والمؤرخ في 28/1/1976 أجرت المحاكمة مجدداً وحسمت الدعوى بالإدانة والحكم بحبس المادة (ذ) شديداً لمدة سنة واحدة الى آخر ما جاء في القرار المذكور وحيث ان الادلة المتحصلة في الدعوى وهي شهادة المجني عليها (م) امام المفوض الخفر في 24/7/975 وهي تحت خشية الموت وامام المحقق العدلي في 26/7/975 والتقارير الطبية المؤيدة لإصابة المجني عليها بالإضرار البدنية التي ادت الى وفاتها من جراء الحادثة،

ومحضر الكشف على محل الحادثة ومخططه المنظم من قبل مأمور المركز بعد الحادثة مباشرة ومحضر الكشف على الدراجة البخارية التي كان يركبها المدان ساعة الحادثة اثبتت ان المدان المذكور كان ساعة الحادثة يقود دراجته البخارية بإهمال وعدم تبصر فدعس المجني عليها التي كانت تروم عبور الشارع وادى ذلك الى اصابتها بالأضرار البدنية المذكورة في التقارير الطبية الخاصة بها

والتي سببت وفاتها بعد نقلها الى المستشفى وان المومأ اليه هرب بعد الحادثة وترك المجني عليها ملقاة على ارض الشارع العام وعليه فان فعله ينطبق على الفقرة (2) من المادة (411) ق.ع وحيث ان محكمة الجزاء ادانته وفق المادة المذكورة لذا قرر تصديق قرار الادانة وقرار فرض العقوبة وقرار فرض التعويض والقرارات الاخرى الصادرة في الدعوى لموافقتها للقانون ورد الاعتراضات التمييزية وصدر القرار بالاتفاق في 25/12/976 )

من تحليل هذا القرار نجد بأن محكمة التمييز الموقرة في قراريها اعلاه قد اسست حكمها بالإدانة على إفادة المجني عليها تحت خشية الموت بالرغم من عدم تأييدها باي دليل أو قرينة اخرى ، اما فيما يتعلق بالتقارير الطبية ومحضر الكشف فهي تنبثق من افادتها أصلاً. وبالتالي فان محكمة التمييز في قرارها هذا تتجه خلافاً الى ما اتجهت اليه بقرارها المرقم 90/ موسعة ثانية /86/1987- الذي اشرنا اليه سابقاً – والذي قضت فيه بعدم كفاية هذه الإفادة منفردة سبباً للإدانة.

من كل ما تقدم نخلص الى ان موقف القضاء العراقي من القيمة القانونية لإفادة المجني عليه تحت خشية الموت يتلخص في انه من حيث المبدأ يعترف بانها دليل كامل وعنصراً من عناصر الاثبات ، وهو مستقر في موقفه هذا ، ولكنه يتذبذب في مدى كفاية هذا الدليل لوحده سبباً في ادانة المتهم بالحكم القضائي.