توضيح لجريمة إفشاء خصوصية المعلومات والبيانات الشخصية

توضيح لجريمة إفشاء خصوصية المعلومات والبيانات الشخصية.

على الرغم من تعدد بنوك المعلومات وكثرة المعلومات او البيانات المخزنة ،غير ان تلك البيانات تحظى بحرمة وقدسية كباقي صور الخصوصية ،فقد تشمل اسرارهم الشخصية او اوضاعهم الذاتية في مختلف الاتجاهات ، والحفاظ عليها من العلن مهمة ذات طابع  انساني واخلاقي ،

وقد جسد المشرع الفرنسي هذه الحماية للبيانات ايا كان نوعـــها ( صور ، كتابات ، اصوات ) من الافشاء والنقل والنشر ، كما في المادة (43) من قانون المعالجة المعلوماتية والحريات لسنة 1978م ، كما اورد المشرع الفرنــسي في المـــادة (226/ 22) من قانون العقوبات الجديد ، تجريم كل فعل يرتكبه شخص من شانه الكشف عن بيانات شخصية ، بمناسبة تسجيل او فهرسة او نقل او أي شكل من اشكال معالجة البيانات الشخصية، التي يترتب على كشفها الاعتداء على الشخصية الاعتبارية لصاحب الشان او حرمة حياته الخاصة في هذه المعلومات دون تصريح بذلك من صاحب الشان للغير الذي لا توجد له أية صفة في تلقي هذه المعلومات ،

وعلى النهج ذاته سار المشرع النمساوي في عقاب كل من افشى عمدا او استخدم معلومات الية ، او مصرح له وحده ، بسبب طبيعة عمله في مجال المعالجة الالكترونية للمعلومات بالاطلاع عليها (1) .من خلال التحليل القانوني لهذه الجريمة يتضح ان موضوعها بيانات شخصية ( اسمية ) على النحو المذكور انفاً فيما تقدم من جرائم ، كما يتضح ان هذه الجريمة تقترب في حقيقتها من جريمة افشاء الاسرار التي يعاقب عليها قانون العقوبات المقارن (2)، فعلى الرغم من وجود اختلاف بينهما من حيث الاركان والموضوع (3) ، الا انهما تتفقان على العلة التشريعية وهي حماية البيانات او المعلومات الشخصية .

وعليه تقوم هذه الجريمة على ركنين هما :

أ – الركن المادي :

ويتخذ صورة السلوك بالقيام باحد الفعلين : هما فعل الحيازة للبيانات وفعل الافشـاء لها ، وفي الفعل الاول يستوي لدى القانون ان يكون حيازة البيانات بقصد تصنيفها او نقلها او لعلاجها تحت أي شكل من الاشكال ، اذ ان المشرع الفرنسي جرم اعمالا تعد ابتداءاً لعمل اخر ، بوصفها تهديدا للشرف او الاعتبار او الحياة الخاصة ، اما الفعل الثاني فهو فعل افشاء هذه البيانات للغير ، أي الى شخص اخر غير مختص او مخول بتلقي هذه المعلومات او البيانات وفقا للاحكام المنصوص عليها في القانون (4) ،

وفضلاً عما تقدم ينبغي لقيام الركن المادي تحقق النتيجة الاجرامية  ، وهي ان يترتب على فعل الافشاء اضرار للشخص او اعتداء على حرمة خصوصيته او شـرفه او اعتباره وان ترتبط هذه النتيجة بالفعل بعلاقة سببية ، بمعنى انه اذا لم يترتب على فعل الافشاء اعتداءاً على كرامة الشخص او اعتباره او حرمة خصوصيته فانه لا تتوافر عناصر الركن المادي ، ومن ثم لا تقوم هذه الجريمة . وعليه يتطلب لقيام الركن المادي في هذه الجريمة توافر الشروط الثلاثة الاتية (5) :

1 – ان يكون من طبيعة فعل الافشاء اعتداءاً على الشرف او الحياة الخاصة ، كما يستوي في نظر القانون ان تكون هذه البيانات صحيحة او مزورة ، طالما ان افشاءها يمثل اعتداءاً ، ولم يشترط القانون الفرنسي طريقة معينة في الحصول على هذه البيانات ، اذ ان العبرة في الحصول عليها ، او معالجتها عن طريق وسيلة معالجة الكترونية وهو الحاسوب الذي تخزن وتعالج فيه المعلومات (6) .

2 – يقتضي المشرع الفرنسي لتحقق الركن المادي انتفاء رضاء المجني عليه .

3 – كما يجب ان يكون الافشاء لشخص او اشخاص ليس له او لهم حق الاطلاع على هذه البيانات (7) لذا اشترط القانون الفرنسي الخاص بالمعالجة المعلوماتية والحريات ، ضرورة اخطار لجنة المراقبة باسماء الاشخاص او الجهات التي يتم ارسال البيانات اليها اذ يجب ان يكونوا مختصين ، او لديهم اهلية تلقي هذه البيانات ، تحديداً للمسؤولية (8) ،

فضلاً عن ان فكرة الشخص المختص ليست بغريبة او جديدة في القانون الجنائي الفرنسي ، فلقد حدد المشرع الفرنسي الشخص المختص بقوله (9) ” ان الشخص يعد مختصا عندما تقتضي ممارسته لمهنته او وظيفته علمه بهذه المعلومات ، ام الشخص غير المختص فهو الذي لا يكون هناك سبب مشروع او مهني او وظيفي ييسر له العلم بهذه المعلومات ” .

ب- الركن المعنوي :

يختلف الركن المعنوي لهذه الجريمة عنه في الجرائم السابقة ، اذ يتخذ احدى الصورتين اما العمد او الخطا ، فالصورة الاولى القصد الجنائي او العمد وتتمثل بعنصري العلم والارادة ، أي علم الجاني بأن البيانات التي يعالجها هي بيانات شخصية ، يمثل افشاؤها اعتداءاً على الشرف او الاعتبار او حرمة الحياة الخاصة ، مع علمه انه يفشي هذه البيانات الى شخص غير جائز له قانونا الاطلاع عليها ،

وزيادة على ذلك تتجه ارادته الى ارتكاب فعل الافشاء ايا كانت صورته او وسيلته (10) ، اما الصورة الثانية أي الخطا فمستفاده مما اشار اليه المشرع الفرنسي من العقاب على الافشاء اذا وقع نتيجة اهمال او رعونة او ترك للبيانات الشخصية (11) .

عقوبة الجريمة :

من خلال استقراء نصوص احكام القانون الفرنسي المتعلقة بهذا الشان يتضح ان المشرع الفرنسي فرق في عقاب هذه الجريمة ، على اساس الركن المعنوي سواء في قانون المعالجة الالكترونية والحريات ام في قانون العقوبات الفرنسي الجديد .

اذ جعل المشرع الفرنسي عقوبة هذه الجريمة في حالة ارتكابها عن عمد عقوبة الحبس من شهرين الى ستة اشهر والغرامة من ( ألفين الى عشرين ألف فرنك ) ، او احدى هاتين العقوبتين ، اما اذا وقعت الجريمة ذاتها عن خطا نتيجة رعونة او اهمال او ترك للبيانات الشخصية ، فان العقوبة تقتصر على الغرامة السابقة دون الحبس(12) ،

وكذا فعل المشرع الفرنسي في قانون العقوبات اذ جعل عقوبة الجريمة عن عمد هي الحبس مدة سنة وغرامة مائة ألف فرنك ، اما اذا وقعت الجريمة ذاتها نتيجة اهمال او عدم احتياط أي بصورة غير عمدية ، فان العقوبة تكون الغرامة فقط ومقدارها خمسون ألف فرنك (13) وفي المانيا شرع برلمان ولاية هيس قانونا يمنع اساءة استخدام المعلومات (14) اذ جعل عقوبة الحبس مدة سنة او الغرامة لاي شخص او اشخاص يتبادلون على مسـتخرج من بنـك المعلومـات دون موافقته ، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تتجاوز سنتين او الغرامة ، لأي شخص يعد معلومات على نحو غير لائق او يوصل معلومات شخصية سواء بقصد منفعة ام بقصد الاضرار بشخص اخر(15) .

وفي الولايات المتحدة الاميركية حدد قانون الخصوصية لسنة 1974م عقوبة لكل موظف او مستخدم رسمي في الهيئة الرسمية له بموجب سلطات وظيفته او مركزه حق الاطلاع على سجلات الهيئة ، واذا كانت تحوي معلومات شخصية ، فان من أفشى هذه المعلومات يكون مرتكبا لجريمة جنحة ، وتفرض عليه غرامة لا تزيد عن خمسة الاف دولار(16) .

___________________________________________________________

1-  ينظر : المادة ( 48/ فق1) من القانون النمساوي الخاص بحماية المعلومات سنة 1978م .

2-  ينظر : المادة ( 378 ) من قانون العقوبات الفرنسي والمواد من ( 355-357 ) من قانون العقوبات الاردني والمواد من (437 ، 438) من قانون العقوبات العراقي ، والمادة ( 310 ) من قانون العقوبات المصري .

3-  فالمادة ( 43 ) من قانون المعالجة المعلوماتية اوسع نطاقا من نصوص المواد المتعلقة بافشاء الاسرار ، اذ ان البيانات الشخصية لا تكون ذات طبيعة سرية وفقاً لنصوص المواد المتعلقة بافشاء الاسرار التي لا تعاقب الجاني الا اذا كان الشخص على علم باسرار الغير بسبب مهنته او وظيفته ، وربط القانون بين بعض المهن والوظائف التي تفترض الثقة الضرورية للسرية ( كمهنة الطب والصيدلة والقضاء الخ ، اما من حيث الاركان فسنبين فيما بعد الشروط الواجب توافرها لقيام جريمة افشاء البيانات والتي لا تتطلبها نصوص المواد المتعلقة بافشاء الاسرار . ينظر : د. اسامة عبد الله قايد ، الحماية الجنائية للحياة الخاصة وبنوك المعلومات ، دراسة
مقارنة ، ط(3) دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1994م ، ص96، وكذلك د. مدحت عبد الحليم رمضان ، الحماية الجنائية للتجارة الالكترونية ، دراسة مقارنة ،  دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2001م  ، ص104 وما بعدها .

4-  لقد اوردت المادة (43) من قانون المعالجة المعلوماتية والحريات الفرنسي عقاب ” كل من حاز بمناسبة تسجيله او تصنيفه او نقله او لاي شكل للعلاج الالكتروني بيانات اسمية يشكل افشاؤها اعتداءاً على الشرف او الاعتبار او حرمة الحياة الخاصة ، دون تصريح من صاحب الشان ، او ينقل عمدا الى علم شخص غير مختص بتلقي هذه البيانات وفقاً للاحكام المنصوص عليها في القانون ” .

5-  ينظر : د. اسامة عبد الله قايد ، مصدر سابق ، ص93 .

6-  ينظر : احمد كيلان عبد الله صكر ، الجرائم الناشئة عن اساءة استخدام الحاسوب ، رسالة ماجستير مقدمة الى كلية القانون في جامعة بغداد ، 2002م ، ص109 . وينظر : د. محمد عبد المحسن المقاطع ، حماية الحياة الخاصة للأفراد وضماناتها في مواجهة الحاسوب الآلي ، ذات السلاسل للطباعة والنشر ، الكويت ، 1992م ص102 .

7- واذا كان من غير المتصور تحديد من له هذه الصفة من الناحية النظرية ، الا ان ذلك يتصور من الناحية العملية اذ ان طلب الترخيص بمعالجة البيانات ينطوي عادة على بيان الاشخاص الذين تعد البيانات لمصلحتهم . ينظر : د. مدحت عبد الحليم رمضان ، مصدر سابق ، ص105 .

8-  ينظر : المواد ( 19-20 ) من قانون المعالجة الالكترونية والحريات الفرنسي لسنة 1978م .وقد اوضح مجلس الدولة الفرنسي هذا الشرط بقوله ” ان المعلومات التي يجمعها البوليس عن الاشخاص من اجل حماية الامن العام ، وبقاء هذه المعلومات تحت سلطة هؤلاء الموظفين بسبب وظيفتهم في حماية الامن العام ، وهي اساس علمهم بهذه البيانات ، ومن ثم يجب منع غيرهم من الوصول اليها ممن ليس لهم نفس الاختصاص ” .

9-  ينظر : المواد (76 ، 78) من قانون المعالجة الالكترونية والحريات الفرنسي . نقلا عن د. اسامة عبد الله قايد ، مصدر سابق ، ص94 .

10-  ينظر : د.اسامة عبد الله قايد ، المصدر السابق ، ص94 وكذلك احمد كيلان عبد الله صكر ، مصدر سابق، ص110 .

11- ينظر : الفقرة الثانية من المادة ( 43 ) من قانون المعالجة الالكترونية والحريات الفرنسي .

12-  ينظر : المادة ( 43 ) من القانون نفسه .

13-  ينظر : المادة ( 226/22 ) من قانون العقوبات الفرنسي .

14-  قانون حماية المعلومات الصادر في 7/اكتوبر 1970م .

15-  ينظر : المادة ( 32فق/1 ، 2) من القانون السابق .

16-  ينظر : الفقرة الاولى من الفصل الخاص بالعقوبات الجنائية الوارد في قانون الخصوصية الامريكة لسنة1974م .وقد اشار اليها كذلك د. مبدر الويس ، اثر التطور التكنولوجي على الحريات العامة ، منشاة المعارف ،
الإسكندرية، 1983م

اترك تعليقاً