جريمة إنتهاك حرمة المسكن بواسطة الموظف العام ووصفها القانوني

جريمة إنتهاك حرمة المسكن بواسطة الموظف العام ووصفها القانوني.

لا يختلف مفهوم الدخول أو البقاء عما سبق بيانه في السلوك الإجرامي لجريمة انتهاك حرمة المسكن التي يرتكبها أحد الأفراد ، ولكن الدخول أو البقاء في هذه الجريمة يجب أن يكون من خلال إساءة استعمال السلطات المتعلقة بالوظيفة ، إلا أن هناك تباينا في موقف القوانين المقارنة في صور التجريم(1) .

فالدخول في مسكن الغير يتمثل في عمل إيجابي من جانب الموظف العام اعتماداً على الوظيفة ، وفي غير الأحوال ودون مراعاة الإجراءات المقررة فيه ، أما البقاء فهو الامتناع عن الخروج بعد أداء الواجبات المتعلقة بممارسـة الوظيفة .

وتتفق التشريعات على أن الدخول أو البقاء يجب أن يكون غير مشروع بمعنى أن يكون الفعل واقعاً اعتماداً على الوظيفة في غير الأحوال المبينة في القانون أو دون مراعاة القواعد المقررة فيه(2) ، أما أن يكون العدوان واقعاً من الموظف اعتماداً على سلطة وظيفته فهذه مسألة قد تثير الجدل، ليس فقط لصعوبة تفسيرها ، وإنما لدقتها بوصفها شرطا لوصف عدوان الموظف موجهاً ضد الحرية الشخصية(3) ، وعليه يمكن أن يتحقق تجاوز أعمال السلطة إذا لم يراع ممثل السلطة الإجراءات الشكلية المنصوص عليها في القانون ،

كضرورة الحصول على إذن سلطة التحقيق لتفتيش المسكن حتى في حالة التلبس ، ولكن قد يحدث تجاوز الموظف لأعمال وظيفته بعمل أو بإجراء ليس قانونيا في ذاته ، أي حالة وقوع العدوان خارج حدود الوظيفة ، ولكي يعد هذا العدوان واقعا اعتمادا على سلطة الوظيفة يجب أن يكون قد وقع بالاستعانة بالإمكانيات الفعلية والواقعية التي تتيحها الوظيفة لمن يشغلها ،

أو بمعنى آخر يجب أن يتوافر بين الوظيفة وبين الدخول أو البقاء في منزل الغير رابطة السبب، وانقطاع هذه الرابطة  يترتب عليه تطبيق النص الآخر لانتهاك حرمة المسكن التي يرتكبها أحد الأفراد ، كما لا يتصور وقوع هذه الجريمة من قبل الموظف العام خلسة أو عن طريق الاحتيال لأن هذه الوسائل تدخل في مفهوم إساءة استعمال الوظيفة(4) .

ولكن قد يثار التساؤل عما إذا كان يشترط أن يحدث الدخول أو البقاء من جانب الموظف العام برغم إرادة صاحب المسكن أم لا ؟ أو بمعنى آخر هل دخول الموظف في غير الأحوال ودون مراعاة الإجراءات المقررة في القانون يؤدي الى عدم مشروعية الفعل أم أنه يشترط أن يحدث ذلك برغم إرادة صاحب الحق في المسكن ؟

في الواقع إن الرضا يجب أن يكون حراً وغير مشوب بإكراه أو تدليس ، وهو مما لا يتصور في حالة الدخول غير مشروع من قبل الموظف العام في مسكن الغير، لأن الرضا في غالب الأحيان يقع نتيجة إكراه معنوي ، بمعنى أن الإرادة غير حرة ، ومن ثم فالرضا في هذه الحالة يأخذ صفة الإذعان(5) ، وعليه يتبين أن الرضا في جريمة الموظف العام سبب من أسباب انتفاء عدم المشروعية عن الفعل(6) ،

فحرمة المسكن من الحقوق التي يجوز التصرف فيها . فكما يكون رضا صاحب الحق نوعا من الإذعان للسلطة ، خشية أو رهبة أو سوء فهم لسلطات الموظف ، يكون ذلك جائزا في حالة الاستغاثة من داخل أحد المنازل أو اذا شب فيه حريق في غياب أصحابه ، أو يكون بإذن من سلطة التحقيق ،

وعليه يتضح أن دخول الموظف أو بقاءه برغم إرادة صاحب الحق لا ضرورة له في قيام الجريمة. وباعتقادنا المتواضع أن المغايرة في المعاملة بالنسبة الى التجريم في نموذجي الجريمة الواحدة التي تحمي ذات المصلحة القانونية ، يشوبه النقص من ناحية التنظيم التشريعي ، إذ أنه من غير المنطقي المعاقبة على الدخول والبقاء إذا ارتكب الجريمة أحد الأفراد ، في حين يقصر العقاب على حالة الدخول إذا ارتكبها الموظف العام ، مما دفع بعضهم(7) إلى تسمية الجريمة ” بجريمة دخول مسكن دون رضاء صاحبه ودون ترخيص قانوني ” .

أما من الناحية العملية فإنه كما يمكن أن يحدث الدخول غير المشروع بإساءة استعمال الوظيفة، يمكن أن يتحقق البقاء غير المشروع بإساءة استعمال الوظيفة أيضاً ، كمثال الموظف الذي يبقى عمدا في مسكن الغير دون مسوغ مشروع بعد دخوله القانوني لأداء أحد واجبات وظيفته ،

ومن ثم فإن العقاب على الدخول فقط يترتب عليه إهمال العقاب على صورة قد تكون أشد جسامة من الأولى(8). فبعد الإشارة إلى عنصر السلوك الذي يقع من قبل الفرد والموظف بوصفه احد عناصر الركن المادي في جريمة انتهاك حرمة المسكن ، لا بد من الإشارة إلى النتيجة الإجرامية باعتبار أن النشاط لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق النتيجة(9) ،

ويقصد بالنتيجة الآثار المادية أو الطبيعية التي تحدث في المجال الخارجي وترتبط مع السلوك برابطة السببية وقد تكون حدثاً طبيعياً أو حدثاً جسمانياً أو حدثاً نفسياً(10) . إن عناصر الجريمة ينص عليها المشرع في النموذج القانوني للجريمة، ومعنى ذلك أن بيان الركن المادي لكل جريمة هو مدى اعتداد المشرع بالنتائج المترتبة على السلوك(11) ،

والنتيجة شرط في كل جريمة تامة ويقصد بها الأثر المترتب على السلوك و النتيجة في جريمة حرمة المسكن قد تصل إلى حد الضرر الفعلي بالمصلحة المحمية ، وقد تقف عند مجرد تعريضها للحظر ، وعليه لا يشترط في التغيير الذي يحدثه النشاط الإجرامي في العالم الخارجي أن يصل إلى حد تدمير المصلحة المحمية أو إنقاصها وهو ما يسمى بالضرر وإنما يقتصر على التهديد به أي الخطر(12) .

فالنتيجة تكون ضرراً عندما ينطوي على اعتداء على المال أو المصلحة محل حماية القانون ، وهذا الضرر قد يكون مادياً ، وقد يكون معنوياً ، وقد تكون الأضرار المعنوية أشد جسامة من الأضرار المادية وفي الواقع أن ما يلحق حق الإنسان في ممارسة حريته في منزله الخاص هو ضرر معنوي، ينتج من الأثر النفسي الذي يصيب الشخص بصدمة عصبية وتوتر قد يستمر لوقت طويل فيكون تأثيره أكبر من التأثير الذي تحدثه ضربة بجسده قد تسبب له ألما لبعض الوقت ينتهي فيما بعد .

——————————————————————————————

1- تنص المادة(326) من قانون العقوبات العراقي على أنه : ” يعاقب بالحبس و بالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين: كل موظف أو مكلف بخدمة عامة دخل اعتمادا على وظيفته منزل أحد الأشخاص أو أحد ملحقاته بغير رضا صاحب الشأن أو حمل غيره على الدخول وذلك في غير الأحوال التي يجيز فيها القانون ذلك أو دون مراعاة الإجراءات المقررة فيه، ويعاقب العقوبة ذاتها كل موظف أو مكلف بخدمة عامة أجرى تفتيش شخص أو منزل أو محل بغير رضا صاحب الشأن أو حمل غيره على التفتيش وذلك    في الأحوال غير التي يجيز فيها القانون ذلك أو دون مراعاة الإجراءات المقررة فيه” . و تقابلها المادة    (128) من قانون العقوبات المصري التي تنص على أن ” إذا دخل أحد الموظفين أو المستخدمين العموميين أو أي شخص مكلف بخدمة عمومية اعتمادا على وظيفته منزل شخص من آحاد الناس بغير رضائه فيما عدا الأحوال المبينة في القانون، أو بدون مراعاة القواعد المقررة فيه يعاقب بالحبس أو بغرامة لا تزيد على مائتي جنيه مصري ” . وقد رفع الحد الأقصى الغرامة في المادة السابقة بالقانون المرقم (29) لسنة 1982م المشار إليه. وكذلك تنص المادة (181/فقرة 1) من قانون العقوبات الأردني على أن ” كل موظف يدخل بصفة كونه موظفا مسكن أحد الناس أو ملحقات مسكنه في غير الأحوال التي يجيزها القانون، يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنين وبغرامة من عشرين ديناراً إلى مائة دينار” . وتنص الفقرة (3) من المادة ذاتها على أنه ” وإذا ارتكب الموظف الفعل السابق ذكره دون أن يراعي الأصول التي يفرضها القانون يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وبغرامة من خمسة دنانير إلى عشرين دينارا، وكل موظف يدخل بصفة كونه موظفا محلا من المحال الخصوصية كبيوت التجارة المختصة بآحاد الناس ومحال إدارتهم في غير الحالات التي يجيزها القانون أو دون أن يراعي الأصول التي يفرضها القانون يعاقب بالحبس حتى ستة أشهر أو بغرامة لاتزيد على خمسين دينارا ” .

2- وسنشير الى الحالات التي يجوز فيها قانونا دخول المسكن في الفصل الثالث من هذه الأطروحة إن شاء الله.

3- ينظر : د. محمد زكي أبو عامر، الحماية الجنائية للحريات الشخصية، موسوعة القضاء والفقه للدول العربية، ج (27)، القسم الثالث، ص28 .  إذ أنه لايوجد صعوبة في تحديد أن العدوان الذي يقع من الموظف في أثناء ممارسة وظيفته يعد واقعاً اعتماداً على سلطة وظيفته، فعلى سبيل المثال: إذا قام أحد ضباط الشرطة في أثناء إجرائه استدلالات في جريمة بدخول منزل شخص دون إذن أو في غير الحالات المقررة قانوناً فإن الفعل الذي يقع من الموظف يكون داخل حدود الوظيفة ولكن فيما يجاوز سلطاتها، لذلك     فإن هناك أعمالا قد يقوم الموظف بها وقد تكون صحيحة في ذاتها، ولكن تتحقق الجريمة لاتخاذ العمل في
 ذاته وسيلة لها. من ذلك ان يتخذ العمل المسموح به في القانون لتحقيق هدف مختلف، أو بوسائل غير مسموح بها، أو في وقت غير مقرر قانوناً.

4- ينظر : د. محمد زكي أبو عامر،الحماية الجنائية للحرية الشخصية ، مصدر سابق ، ص29 ومبعدها وينظر كذلك : أبو اليزيد علي المتيت، النظم السياسية والحريات العامة، ط(3)، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1982م، ص204.

5- ينظر : محمد علي سالم عياد الحلبي، الحرية الشخصية أثناء التحري والاستدلال، رسالة دكتوراه، مقدمة إلى كلية الحقوق في جامعة القاهرة، 1980م، ص12.

6- ينظر : د. محمود محمود مصطفى ، شرح قانون العقوبات/ القسم العام ، ط(9) ، مطبعة جامعة القاهرة، القاهرة ، 1974م ، ص191. وينظر كذلك : جندي عبدالملك، الموسوعة الجنائية، ج(1)، ص171.

7- ينظر : د. رمسيس بهنام، الجرائم المضرة بالمصلحة العمومية، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1986م، ص287.

8- ينظر : د. حامد راشد، الحماية الجنائية للحق في حرمة المسكن ، دراسة مقارنة ، رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق ، جامعة القاهرة، 1987م ، ص218.

9- ينظر : د. فخري عبدالرزاق الحديثي، شرح قانون العقوبات/ القسم العام، مطبعة أوفسيت الزمان، بغداد، 1992م ، ص 188.

10-  ينظر : د. مأمون محمد سلامة ، قانون العقوبات/ القسم العام ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، 1979م ، ص 125 ومابعدها. فالنتيجة الإجرامية في مفهومها لمادي يمكن أن تنقص بصدد الجرائم ذات السلوك المجرد، وعليه فهي ليست عنصراً أساسياً للركن  المادي في جميع الجرائم ولكنها تعد عنصراً أساسياً خاصاً بالنسبة الى الجرائم التي يتطلب فيه المشرع  تحقق نتيجة مادية معينة لاكتمال الجريمة في ركنها المادي.

وينظر : بصدد التفرقة بين جرائم الضرر وجرائم الخطر، د. محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقوبات / القسم العام ، ط(4) ، دار النهضة  العربية ،القاهرة ، 1977م ، ص309. وينظر كذلك : د. عبود السراج ، قانون العقوبات/ القسم العام، ط  (5) بدون مكان وسنة نشر، ص194.

11- ينظر : د. مأمون محمد سلامة، قانون العقوبات/ القسم العام، مصدر سابق، ص 129، مضيفا أن الصلة وثيقة بين المدلول القانوني والمنطق التحليلي لعناصر الركن المادي وأن التسليم بأحدهما لا يعني إنكار الآخر، غير أن الاتجاه الذي نرجحه هو أن المفهوم المادي للنتيجة هو المفهوم الصحيح والوحيد للعنصرالثاني من عناصر الركن المادي، أما المفهوم القانوني للنتيجة فمجاله عدم مشروعية السلوك ذاته.

12- ينظر : د. أحمد فتحي سرور، أصول قانون العقوبات/ القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة، 1979م ، ص 351.

اترك تعليقاً