حالات الجريمة المقترنة بالعذر المخفف

حالات الجريمة المقترنة بالعذر المخفف.

 الشروع جريمة مستقلة بذاتها(1). ويفترض الشروع توفر كل عناصر الجريمة التامة فيما عدا النتيجة(2). إن الشروع في ذاته كجريمة يتخذ صورتين(3)، فهو اما ان يكون شروعاً تاما واما أن يكون شروعا ناقصاً.

ويكون الشروع تاما إذا قام الفاعل بنشاطه الاجرامي كاملا ولكن نتيجة هذا النشاط لم تتحقق لسبب لا دخل لارادته فيه، فالشروع هنا تام والجريمة فيه (جريمة خائبة)(4)، كأن يطلق الفاعل على المجنى عليه عياراً نارياً فيخطئه فلا يصيبه سوء أو يصيبه بأصابة غير قاتلة لا تفضي إلى انهاء حياته ثم يشفى منها بالعلاج(5).

ويتحقق ذلك فيما لو فوجئ الزوج او المحرم بتلبس زوجته او احدى محارمه بالزنى مع عشيقها واطلق عليهما من مسدسه عدة عيارات نارية بقصد قتلهما او احدهما ولكن الرصاص اخطأهما فلم يصبهما، أو اصابهما وسقطا على الارض واعتقد الزوج أنهما قد قتلا، ولكن الاسعافات الطبية حالت دون وفاتهما.

ففعل الزوج او المحرم في هذا الفرض يعد شروعا في القتل(6) خاب اثره بسبب خارج عن ارادته. وتجدر الاشارة إلى ان الزوج او المحرم الذي يعدل عن ارتكاب الجريمة باختياره لا يعد شارعاً فيها، وتطبيقا لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بأنه (لا يعد المتهم شارعاً في الجريمة إذا عدل عنها من تلقاء نفسه دون ان يحول بينه وبينها حائل)(7).

أما إذا اطلق الزوج او المحرم الرصاص ولكنه لم يصب المجنى عليها وعشيقها او احدهما بسبب خارج عن ارادته، ففي هذه الحالة يعد شارعاً في جريمة القتل العمد ولو لم يطلق رصاصات اخرى مع تمكنه من ذلك لأن الشروع قد تم بخيبة أثر الرصاصات الأولى ولا يجديه نفعاً عدوله باختياره عن تكرار الفعل .

أما الشروع الناقص والذي يعبر عنه ايضاً بالجريمة الموقوفة ، فهو أن الفاعل إذ يباشر بارتكاب الافعال التنفيذية المكونة للجريمة بغية تحقيق نتيجتها التي قصدها، فلأنه ولأسباب خارجة عن ارادته يوقف الاستمرار بأفعاله، كمن تمسك يده التي يحمل بها سكيناً وهو يهوي بها على جسم المجنى عليه قبل ان يتم الفتك به(8)، أو كمن فوجئ بتلبس زوجته او احدى محارمه بالزنى مع عشيقها فيشهر مسدساً ويصوب نحوهما بقصد قتلهما او احدهما الا ان شخصا اخر يضربه على يده فيسقط منها المسدس ويحول دون اطلاق النار.

ففعل الزوج او المحرم يعد شروعاً في القتل الا أنه اوقف لسبب خارج عن ارادته. أما بالنسبة لجريمة الاعتداء المفضي إلى موت إو إلى عاهة مستديمة فالأمر يختلف. فالشروع لا يتصور في اعتداء افضى إلى موت لأنه اما ان يفضي الاعتداء إلى موت فتكون الجريمة تامة وأما ان ينجو المجنى عليه من الموت فتعتبر الجريمة ايذاء(9)، فطبيعة الجريمة لا تتفق مع الشروع فالعقوبة المقررة لها تتوقف على نتيجة الفعل(10).

وكذلك الحال في جريمة الاعتداء المفضي إلى عاهة مستديمة إذ أن الجاني يقصد مجرد الاعتداء على المجنى عليه فيترتب على فعله حصول العاهة المستديمة.

وعليه يمكن القول أنه لا يمكن تصور ان شخصاً ارتكب جريمة الشروع في الاعتداء المفضي إلى موت أو إلى عاهة مستديمة عندما يفاجأ بتلبس زوجته أو احدى محارمه بالزنى مع عشيقها.

وتجدر الإشارة إلى أنه في جريمة الاعتداء بقصد احداث عاهة مستديمة (المادة/412/1) عقوبات، نجد إن قصد الجاني يتميز بأنه عمدي وبأنه محدد وهما خصيصتا الشروع الأمر الذي يمكن تصور ان يقع الشروع فيها(11)، إذ توفر القصد المتجه إلى النتيجة (12).

___________________________________________________________

1- ينظر قرار محكمة التمييز في العراق رقم 2247/جنايات /70 في 23/12/1970. النشرة القضائية، ع4، س1، كانون الأول 1971، ص439.

2- ينظر د. عباس الحسني، شرح قانون العقوبات العراقي الجديد- القسم العام، مرجع سابق، ص77.

3- ينظر د. ضاري خليل محمود، الشروع في الجريمة، مرجع سابق، ص22.

4- ينظر د. ضاري خليل محمود، البسيط في شرح قانون العقوبات، مرجع سابق، ص87.

5- ينظر د. محمود محمود مصطفى، شرح قانون العقوبات-القسم العام ، ط10، دار النهضة العربية، القاهرة، 1983، ص314.

6- قضت محكمة التمييز الاردنية بأن (قيام المتهم بالافعال اللازمة لحصول القتل وذلك باطلاق النار على كل واحد من المجنى عليهما واصابة كل منهما في مواقع خطيرة وقاتلة من جسمه وحيلولة اسباب لا دخل لارداته فيه دون تحقق النتيجة التي ارادها وهي وفاتهما تشكل من جانبه جناية الشروع بالقتل قصداً…). تمييز جزاء رقم 561/99 لسنة 2000، اشار إليه المحامي جمال مدغمش، مرجع سابق، ص73.

7- القرار رقم 527/ تمييزية/77 في 24/12/1977. مجموعة الأحكام العدلية، ع3 و 4، س 8، 1977، ص254.

8- ينظر د. ضاري خليل محمود، الشروع في الجريمة، مرجع سابق، ص23.

9- ينظر د. محمد صبحي نجم، قانون العقوبات- القسم العام، النظرية العامة للجريمة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن-عمان، 2000، ص235.

10- ينظر جندي عبد الملك، مرجع سابق، ج5، ص795.

11- ينظر د. ضاري خليل محمود، مرجع سابق، ص59.

12- ينظر د. فخري عبد الرزاق الحديثي، شرح قانون العقوبات-القسم العام، مرجع سابق، ص219.

اترك تعليقاً