حق المعاق ذهنيا في الزواج والإنجاب و مدى صحته

 

“من حق المعاق عقليا -المسؤول عن نوعه- أن يتزوج ما دامت أركان الزواج متوافرة، فإن كانت الشريعة قد أباحت زواج المجنون وأباحت الزواج من المجنونة، فالمعاق إعاقة عقلية بسيطة زواجه جائز من باب أولى، ولا حرج فيه، ما دام محاطا بالحرص على مصلحته محفوفا برعاية منافعه، وكتب الفقه تعقد مسائل وفصولا تتحدث فيها -في كل المذاهب- على زواج المجنون وولاية الإجبار عليه -كالولاية على الصغير-، ويختلفون في جعلها خاصة بالوالد والجد فقط أو تعديتها لبقية الأولياء، أو حتى للحاكم -أي القاضي-، كل هذا لما فيه من مصلحة هذا الإنسان المركب فيه الشهوة والعاطفة، والمحتاج إلى سكن ونفقة ورعاية وعناية، شأنه شأن بقية بني جنسه، مع زيادته عليهم باحتياج في بعض النواحي التي مرجعها حالته الخاصة، فنرى مثلا في فقه الحنابلة في كتاب كشاف القناع: “أما المجنونة فلجميع الأولياء تزويجها إذا ظهر منها الميل للرجال؛ لأن لها حاجة إلى النكاح؛ لدفع ضرر الشهوة عنها وصيانتها من الفجور وتحصيل المهر والنفقة والعفاف وصيانة العرض، فأبيح تزويجها … ويعرف ميلها إلى الرجال من كلامها وتتبع الرجال وميلها إليهم ونحوه من قرائن الأحوال، وكذا إن قال ثقة من أهل الطب -إن تعذر غيره- وإلا فاثنان: إن علتها تزول بتزويجها، فلكل ولي تزويجها؛ لأن ذلك من أعظم مصالحها، كالمداواة، ولو لم يكن للمجنونة ذات الشهوة ونحوها ولي إلا الحاكم زوجها”. اهـ.

ومع الفارق بين المجنون وبين المعاق عقليا إلا أن هناك جامعا بينهما مؤثرا في قضية الزواج، وهو الحياة من إنسان قابل للوطء منه أو فيه، مجبول على الحياة الاجتماعية، ومحتاج إلى الرعاية والكفالة والنفقة، وغني عن البيان أن المقصود من هيمنة الأولياء والأوصياء والكفلاء هو محض المصلحة للمولى عليه والموصى عليه والمكفول، لا أن يتحول الأمر إلى تجارة للرقيق الأبيض في صورة استخدام هؤلاء المعاقين استخداما غير آدمي وغير أخلاقي.

وعليه: فلا يمنع المعاق من الزواج؛ لأن الزواج شيء والإنجاب شيء آخر؛ فالزواج فيه أنس ورحمة ومودة وتعاون وإنفاق ومصاهرة ومعان سامية كثيرة بالإضافة إلى الإنجاب، ولو كان الإنجاب ضروريا لازما مرتبطا كليا بالزواج لما صح زواج الكبار الآيسين، أو العقماء، أو الصغار، والتالي باطل، فانتفى المقدم وثبت نقيضه، وهو عدم اللزوم ولا الضرورة بين الزواج والإنجاب، وتمكن السيطرة بشكل أو بآخر -وهذا موضوع يدلي فيه الخبراء وأهل الاختصاص بدلوهم- على عدم الإنجاب أو تأخيره أو تحديده بحسب المصلحة لكل حالة على حدتها.

والأصل أن القيم والوالدين أو أحدهما تكون تصرفاته تجاه المعاق مقيدة بالمصلحة، دائرة معها؛ فإن كان في مصلحته من الناحية النفسية أو الصحية أو حتى المادية الزواج فلا يجوز له الحيلولة بينه وبين ذلك، بل قد يمكن التأليف بين الحالات المتشابهة أو القريبة التشابه لإحداث الزواج بينها من خلال الجمعيات والروابط التي تنتظم أمثال هؤلاء المعاقين ذهنيا، ويكون تأخير القائمين على هؤلاء في جلب مصلحة لهم -حيث توفرت مقدماتها- فيه تقصير وإثم بقدر تحقق تخلفهم عن توصيل هذا الخير الذي يغلب على الظن حصوله للمعاقين.

المبادئ
1- أباحت الشريعة زواج المجنون والزواج من المجنونة.
2- الأصل أن القيم والوالدين أو أحدهما تكون تصرفاته تجاه المعاق مقيدة بالمصلحة، دائرة معها؛ فإن كان في مصلحته الزواج فلا يجوز له الحيلولة بينه وبين ذلك.