دراسة حول الدعوى العمومية – قراءة قانونية متعمقة

 

مقدمة
ينشا عن كل جريمة سواء كانت جناية أو جنحة أو مخالفة دعوى تسمى الدعوى العمومية غايتها توقيع العقاب على مرتكب الجريمة سواء ارتكبت في حق المجتمع أو في حق الفرد المجني عليه الذي تعرض إلى الاعتداء على حياته أو ماله أو شرفه .وقد تلحق المتضرر من تلك الجريمة أضرار مادية فيتولد عنها دعوى تسمى الدعوى المدنية وهي تهدف إلى تعويض الأضرار التي لحقت بالمتضرر. فالدعوى العمومية هي دعوى دعوة ذات مصلحة عامة وهي من النظام العام على خلاف الدعوى المدنية التي هي ذات مصلحة خاصة و شخصية للفرد.ومن هنا نطرح الإشكال التالي ما المقصود بالدعوى العمومية وكيف تتكون الدعوى المدنية التبعية لها ؟

المطلب الأول: مفهوم الدعوى العمومية و تحديد أطرافها
تعتبر الدعوى بصفة عامة في القانون هي تلك الوسيلة القانونية التي تمكن من اللجوء إلى السلطة القضائية لاستيفاء الحقوق . و هذا عند إحداث ضرر ما . أما إذا كان الضرر عاما هنا نكون بصدد دعوى عمومية

الفرع الأول: مفهوم الدعوى العمومية
هي حق ينشأ للمجتمع في المطالبة بتوقيع العقاب على مرتكب الجريمة . نتيجة ما سبب هذا الأخير من ضرر عام . و ينوب عن المجتمع النيابة العامة كأساس .
-ومنه الدعوى العمومية هي تلك الوسيلة القانونية التي تملكها النيابة العامة للمطالبة بتوقيع العقاب على مرتكب الجريمة أمام القضاء الجنائي و تتميز هذه الدعوى العمومية ب:
أولا : خاصية العمومية : أي أنها ملك للمجتمع تحركها و تباشرها النيابة العامة باسم هذا الأخير .
ثانيا: خاصية الملائمة : بما أن النيابة العامة هي من تحركها و تمارسها باسم المجتمع فهي لتي تتمتع بسلطة الملائمة هذا نلاحظه من المادة36 الفقرة5 من ق إ ج .
ثالثا : خاصية التلقائية : أي بمجرد وصول نبا وقوع الجريمة إلى علم النيابة العامة تقوم النيابة العامة بتحريك الدعوى العمومية تلقائيا . ما لم تكن الجريمة من الجرائم التي يشترط فيها القانون تقديم شكوى أو طلب أو إذن .

الفرع الثاني: أطرافها
بما أن هناك دعوى فان هناك مدعي و مدعى عليه . و بما أن تلك الدعوى هي عمومية فيخصص المدعي على انه يمثل المجتمع .
ومنه فأطراف الدعوى العمومية هما :
أولا : الجهة التابعة : و هي عن طريق طرح هذا الإشكال : من تمارس الدعوى العمومية ؟ .
فالأصل أنها تمارس من طرف النيابة العامة و هذا ما أكدته المادة 29 من ق إ ج
لكن اخذ القانون كاستثناء أنه كل من له الحق في تحركها يكون طرف فيها . فيمكن أن يكون المضرور طرف فيها و هذا ما أكدته المادة 72 من ق إ ج المادة 377 مكرر من ق إ ج .
ثانيا : مرتكب الجريمة : و نفهمه أكثر بطرحنا الإشكال : على من تمارس الدعوى العمومية ؟
فلا تحرك الدعوى العمومية أو ترفع إلا ضد الشخص مرتكب الجريمة . سواء كان فاعلا أصليا أو شريكا في ارتكابها . و إذا كان يجوز تحريك الدعوى العمومية ضد مجهول في مرحلة التحقيق بقصد الوصول إلى معرفة الفاعل فإنه يجوز إحالة شخص غير معلوم للمحاكمة . كما لا يجوز تحريك الدعوى العمومية ضد الورثة بعد وفاة الفاعل اعتبار لكون واقع الوفاة سببا من أسباب انقضاء الدعوى العمومية طبقا لنص المادة 6من ق إ ج . و يترتب على المسؤولية الجزائية للشخص شخصية العقوبة و بالتالي لا تمارس الدعوى العمومية ضد المسؤول المدني للحادث .

المطلب الثاني: أصحاب الحق في تحريك الدعوى العمومية
إن الهدف من إقامة الدعوى العمومية أمام القضاء الجنائي هو المطالبة بتوقيع العقاب على مرتكب الجريمة .
و باعتبار أن النيابة العامة هي التي تمثل المجتمع فهي صاحبة الحق الأصلي في تحريكها .
و استثناءا أجاز القانون للمضرور من الجريمة تحريك الدعوى العمومية و هذا للمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقته من الجريمة . كما أجاز القانون لرؤساء الجلسات على مستوى المحاكم و المجالس القضائية تحريك الدعوى العمومية في حالة وقوع جرائم تخل بنظام الجلسة .

الفرع الأول: حق النيابة العامة في تحريك الدعوى العمومية
و هنا تتمتع النيابة العامة باختصاص سلطة اتهام و تقوم باتخاذ أول إجراء لعرض الدعوى العمومية على قضاء التحقيق أو قضاء الحكم .
فالإجراء الأول يختلف باختلاف نوع الجريمة . و إذا كنا بصدد جناية أو جنحة يشترط فيها القانون إجراء تحقيقا ابتدائيا فيها . فهنا تحرك الدعوى العمومية بناء على طلب افتتاحي يقدمه وكيل الجمهورية لقاضي التحقيق يطلب منه فتح تحقيق في الوقائع ضد شخص معلوم أو مجهول .
أما إذا كنا بصدد جنحة فلا يشترط القانون إجراء تحقيق ابتدائي أو مخالفة . ففي هذه الحالة ترفع الدعوى العمومية أمام محكمة الجنح و المخالفات مباشرة .

الفرع الثاني: حق المضرور في تحريك الدعوى العمومية
حسب ما تنص المادة 1 الفقرة 2 من ق إ ج .فللطرف المضرور الحق في تحريك الدعوى العمومية و هذا طبقا لشروط القانون و في سبيل ذلك يجوز للمضرور سلك إحدى الطريقين :
أولا : الإدعاء المدني : و هنا حسب المادة 72 من ق إ ج . فإن الإدعاء المدني جائز في الجنايات و الجنح دون المخالفات . يجب على الشخص إثبات أن هناك ضرر لحقهم جراء الجريمة . و لقبول الإدعاء المدني يجب توفر الشروط التالية(1) .
1-أن يدفع المدعي المدني مبلغا من المال يحدده عادة قاضي التحقيق لدى كتابة الضبط المحكمة ما لم يحصل على مساعدة قضائية و هذا ما نصت عليه المادة 76 من ق إ ج .
2-أن يختار المضرور موطنا بدائرة اختصاص للمحكمة التابع لها قاضي التحقيق المادة 76 ق إ ج .
ثانيا : الإدعاء المباشر : الذي كون أمام وكيل الجمهورية غير أن هذا الحق مقيد في بعض الجرائم و التي نصت عليها المادة 337 مكرر من ق ٌ إ ج .

الفرع الثالث: حق رؤساء الجلسات و على مستوى المحاكم و المجالس في تحريك الدعوى العمومية
و هنا إذا وقعت جريمة أثناء جلسة المحاكمة . جاز لرئيس الجلسة تحريك الدعوى العمومية في الحال . و هذا ما نستخلصه من المادة 295 ق إ ج تنص ” إذا حدث في الجلسة أن أخل أحد الحاضرين بالنظام بأي طريقة كانت فللرئيس إبعاده من قاعة الجلسة . وإذا حدث خلال تنفيذ الأمر أن لم يمثل له أو أحدث شغبا صدر في الحال أمر بإيداعه في السجن و حوكم و عوقب من شهرين إلى سنتين ”
-وفي هذا الصدد يجب أن نميز بين 3حالات :
1)-وقوع جنحة أو مخالفة أثناء جلسة من جلسات محكمة الجنح و المخالفات فتطبق عليها المادة 569 ق إ ج .حيث يأمر رئيس الجلسة بتحرير محضر و يقضي فيها مباشرة بعد سماع أقوال المتهم و الشهود و النيابة العامة .
2)- إذا وقعت جنحة أو مخالفة في جلسة محكمة الجنايات فتطبق عليها المادة 569و المادة 570 من ق إ ج
3)- إذا وقعت جناية أثناء جلسة محكمة أو مجلس قضائي . في هذه الحالة يتم تحرير محضر و يستجوب المتهم و يساق مباشرة إلى وكيل الجمهورية الذي يقدم طلبا افتتاحيا مكتوبا إلى قاضي التحقيق للتحقيق في القضية المادة 571 ق إ ج

المطلب الثالث: القيود الواردة على حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى العمومية
لقد أورد القانون بعض القيود على حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى العمومية في بعض الجرائم اعتبارا لطبيعة الجريمة و اوجب بشأنها تقديم شكوى من المجني عليه كجرائم السرقة المرتكبة بين الأقارب و الحواشي و الأصهار حتى الدرجة الرابعة أو اعتبارا لصفة الفاعل واوجب بشأنها الحصول على إذن أو طلب كما لو كان الفاعل يتمتع بالحصانة النيابية.

الفرع الأول: تقديم الشكوى
إن بعض الجرائم بخاصية أنها تقع في الأسرة و تكون أحيانا أخلاقية و أحيانا مالية و نظرا لاعتبارات متعلقة بحماية الأسرة و المحافظة على سمعة أفرادها ترك المشرع أمر ملائمة تحريك الدعوى العمومية بالنسبة لها إلى الطرف المتضرر نفسه في أن يطالب بالسير للمطالبة بمعاقبة الفاعل ا وان يتنازل عنها وهناك جرائم أخرى وردة في نصوص خاصة من غير قانون العقوبات قيد المتابعة فيها بضرورة تقديم شكوى لخصوصيتها.
*جنحة الزنا : وهي الجريمة المنصوص عليها في المادة 933 من قانون العقوبات وقد قيد المشرع تحريك الدعوى العمومية بشأنها بضرورة تقديم شكوى من الزوج المضرور مراعاة في ذلك لمصلحة الأسرة باعتبارها نواة المجتمع و عماده وان تنازل عن الشكوى بعد تحريك الدعوى العمومية يضع حد للمتابعة.
* السرقة بين الأقارب و الحواشي و الأصهار حتى الدرجة الرابعة : إن المادة 369 من قانون العقوبات قد نصة على انه لا يجوز اتخاذ الإجراءات الجزائية بشأنها إلا بناء على شكوى الشخص المتضرر و التنازل عن شكوى يضع حد لهذه الإجراءات.
* جنحة هجر العائلة : وهو الفعل المنصوص عليه في المادة 330 من قانون العقوبات و الذي قيد المشرع تحريك الدعوى العمومية بالنسبة لها أيضا بضرورة تقديم شكوى من الزوج الذي بقي في مقر الأسرة و أن تنازل عن الشكوى يكون مقبولا بالنسبة لهذه الجريمة ما لم يصدر حكم نهائي فانه في هذه الحالة لا يوقف التنازل تنفيذ الحكم النهائي.
* جريمة خطف القاصر و إبعادها : حسب نص المادة 326 من قانون العقوبات فان زواج الخاطف من المخطوفة هو باطل وعلى النيابة أن تحرك الدعوى بمجرد أن تحصل على شكوى من من له صفة إبطال عقد الزواج ولا يجوز الحكم على الخاطف إلا بعد القضاء بأبطال الزواج.
* الجنح المرتكبة من الجزائريين في الخارج : حسب المادة 582 من قانون الإجراءات الجزائية الفقرة 2 منها على انه لا تقوم النيابة العامة من تحريك الدعوى إلا بطلب من المتضرر أو سلطات البلد الذي ارتكبه فيه الجريمة (1)

الفرع الثاني: تقديم الطلب
وهو بلاغ مكتوب يقدمه موظف يمثل هيئة معينة لكي للنيابة العامة كي تحرك الدعوى العمومية ضد شخص ارتكب جريمة يشترط القانون فيها تقديم طلب منه لتحريك الدعوى ويجب أن يكون الهدف من الطلب هو محاكمة الجاني و معاقبته
الفرع الثالث : تقديم الإذن
هو رخصة مكتوبة صادرة عن هيئة محددة قانونا تتضمن الموافقة أو الأمر باتخاذ إجراءات المتابعة في مواجهة شخص ينتمي إليها ويتمتع بحصانة قانونية بوجه عام و الملاح ضان مجال الإذن يقتصر على بعض الجرائم التي تقع من أشخاص يشغلون مناصب و مراكز خاصة أو يتمتعون بصفة نيابية أو برلمانية مما يضفي عليهم حصانة دستورية و قانونية.طبقا لنص المادة 110و المادة 111 من الدستور. (1)

المطلب الرابع: انقضاء الدعوى العمومية
إن الدعوى العمومية أثناء السير فيها قد تعترضها أسباب تؤدي لانقضائها قبل صدور الحكم النهائي فيها وهذه الأسباب قد تكون عامة أي تسري على جميع أنواع الجرائم .وقد تكون الأسباب خاصة تشمل بعض الجرائم فقط .

الفرع الأول: الأسباب العامة لانقضاء الدعوى العمومية 
وقد نص عليها المشرع في المادة 06 من قانون الإجراءات الجزائية
*صدور حكم حائز لقوة الشيء المقضي فيه : أي أن يكون الحكم نهائيا غير جائز الطعن فيه ويمنع إعادة المتابعة و المحاكمة لشخص استفاد من البراءة تحت تكييف أخر وان هذا السبب من النظام العام على المحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها ولو لم يشره المتهم على انه من جهة أخرى فان هذا المبدأ لا يمنع من إجازة إعادة النظر في القضية في حالات خاصة نص عليها المشرع في المادة 531 من قانون الإجراءات الجزائية وما يليها.
* التقادم :وهو مضي مدة زمنية معينة من تاريخ وقوع الجريمة أو من يوم انقطاع المدة وقد نص عليه المشرع في المواد 07/08/09 من قانون إجراءات الجزائية وان مدة التقادم تختلف بحسب جسامة الجريمة فهي 10 سنوات في الجنايات و 03 سنوات في الجنح وسنتين في المخالفات .غير أن الجنايات و الجنح الموصوفة بأفعال إرهابية أو تخريبية وتلك المتعلقة بالجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية و الرشوة غير قابلة للتقادم
* وفاة المتهم : إن وفاة المتهم تنهي الدعوى العمومية و تسقطها تطبيقا لأحكام المادة 06 من قانون الإجراءات الجزائية واعتبارا لمبدأ الشخصية فإذا حدث وفاة المتهم بعد تحريك الدعوى العمومية و قبل صدور حكم فيها فلا يمكن السير فيها و تصدر الجهة المعروض عليها القضية امرأ بالا وجه للمتابعة أو بانقضاء الدعوى العمومية إذا كانت خلال مرحلة المحاكمة إما إذا حدثت الوفاة بعد صدور الحكم فان الحكم يسقط و تسقط معه العقوبة.
* العفو الشامل : ويتميز هذا العفو عن العفو الخاص الذي هو من اختصاص رئيس الجمهورية .و العفو العام يمكن أن يصدر في أي مرحلة من مراحل الدعوى العمومية كما يمكن أن يكون لاحقا على المحاكمة.
* إلغاء القانون الجنائي : قد يرى المشرع الجزائري في بعض الأحيان إن الأفعال المرمة قد أصبحت غير متناسبة مع ظروف و واقع المجتمع الذي وجدت فنية فينزع عنها وصف الجريمة ويضعها في مصاف الأفعال المباحة غير المعاقب عليها.

الفرع الثاني: الأسباب الخاصة لانقضاء الدعوى العمومية
وهي الجرائم المتعلقة بجرائم معينة نصت عليها المادة 06 الفقرة 03/04 من قانون الإجراءات الجزائية
* سحب الشكوى : وهي تعني الجرائم التي يعلق فيها المشرع تحريك الدعوى العمومية على ضرورة تقديم شكوى من طرف المتضرر
*المصالحة : وتعتبر سبب من أسباب انقضاء الدعوى العمومية في الحالات التي يجيز فيها القانون ذلك كما في الحالات التي يسمح فيها لبعض الإدارات العمومية إجراء المصالحة مع المخالفين في مجال للمخالفات المتعلقة بأنظمتها كالجرائم الجمركية المنظمة بقانون الجمارك المادة 265 من قانون الجمارك والمخالفات المتعلقة بتشريع العمل المادة 155 من القانون رقم 90/11 المتعلق بعلاقات العمل الفردية (1)