دراسة لجريمة القتل والوضع القانوني للقتل لباعث شريف غسلا للعار والقتل في حال المفاجأة بالزنا

دراسة لجريمة القتل والوضع القانوني للقتل لباعث شريف غسلا للعار والقتل في حال المفاجأة بالزنا.

يراد بالباعث على ارتكاب الجريمة، السبب الذي يدفع الجاني إلى اقتراف الجريمة، كالانتقام أو الثأر أو الشفقة لإنهاء حياة مريض يتعذب من آلامه أو غسلاً للعار في جرائم القتل(1)، وأن كان لا يعتد بالباعث على ارتكاب الجريمة ما لم ينص القانون على خلاف ذلك (المادة /38) عقوبات عراقي.

ولكن المشرعين يعتدون به عند تحديد عقوبة جريمة القتل وفرقوا بين مرتكب جريمته بباعث شريف إذ تخفف عقوبته وبين قاتل اقترف جريمته بباعث دنئ إذ تشدد عقوبته (2) (المادة/406/1/ج) عقوبات عراقي. وتطبيقاً لذلك فقد قضت محكمة التمييز في العراق بأن (الباعث يلعب دوراً مهماً في قرار العقوبة تشديداً أو تخفيفاً تبعاً للأعذار القانونية والظروف القضائية المقررة في القانون)(3).

وقد نصت المادة (128/1) عقوبات عراقي بأنه (يعتبر عذراً مخففاً ارتكاب الجريمة لبواعث شريفة) ويلاحظ على هذا النص أنه ورد مطلقاً ولم يحدد جرائم معينة يتوفر فيها الباعث الشريف وأخرى لا يتوفر فيها، وبالتالي فأنه لا يقتصر على جرائم القتل غسلاً للعار،

وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بأن (الباعث الشريف الدافع للقتل لا يقتصر على جرائم القتل غسلاً للعار فقط لعدم وجود نص قانوني بذلك وأنما يشمل حالة قتل الشرطي للسجين الذي هرب أثناء مرافقته مخفوراً لإيصاله إلى السجن) (4). أن القتل غسلاً للعار هو قتل الإنسان زوجته أو إحدى محارمه أو اقاربه تطهيراً لكل ما يلحق به من السب أو العيب لارتكاب الزنى(5).

وقد عدت محكمة التمييز في العراق من البواعث الشريفة القتل الواقع غسلاً للعار، لذلك قضت بالمصادقة على حكم أصدرته محكمة جنايات البياع يقضي بأدانة متهم لقتله شقيقته غسلاً للعار ضرباً بالمكوار وفقاً للمادة (405) عقوبات وبدلالة المواد (128، 130) منه(6).

كما قضت بأن (الباعث لقتل امرأة زانية بسبب ممارستها الفحشاء يكون باعثاً شريفاً وهو ما تعارف عليه الناس بأنه غسل لعارها، لأن العار يبقى لاصقاً بأهلها وعشيرتها ما لم يغسل بدمها)(7). هذا وأن التمييز بين القتل حال المفاجأة بالزنى والقتل بباعث شريف يكون من وجوه عديدة أهمها:

اولاً: من حيث الطبيعة القانونية :

لقد عّد المشرع العراقي الباعث الشريف عذراً قانونياً مخففاً عاماً عندما نص على ذلك في المادة (128/1)(8)عقوبات ، وأن محكمة التمييز في العراق قد قضت بأنه (يعتبر القتل غسلاً للعار سبباً للتخفيف القانوني للعقوبة) (9). وبذلك يلتقي القتل غسلاً للعار مع القتل حال المفاجأة بالزنى في أن كلا منهما عذراً قانونياً مخففاً للعقاب عندما تتوفر شروطه، وأن كان الأول عذراً مخففاً عاما والثاني خاصاً للعقاب.

ولكن القتل حال التلبس بالزنى يقع عند المفاجأة بهذا التلبس نتيجة الاستفزاز وثورة الغضب من مشهد الخيانة إذ يكون الجاني غير عالم مسبق بهذا الانحراف ومفترض العفه والطهارة في سلوك المجنى عليها، بينما القتل غسلاً للعار ليس كذلك وأنما يقع بعد مدة زمنية لاحقة للواقعة الشائنة المرتكبة من المجنى عليها وفي غير حالة المفاجأة،

وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بأنه (يكون الباعث إذا وقع القتل لسوء سلوك المجني عليها شريفاً ولو تـأخر الجاني في ارتكاب جريمته ما دام ذلك  قد حصل بأمل عودة المجنى عليها إلى الطريق المستقيم والابتعاد عن الرذيلة)(10). وقد يكون الجاني عالما بسوء سلوك المجنى عليها من مدة طويلة ومع ذلك فأن هذا العلم لا يؤثر في توفر غسل العار وقد يؤثر في العقوبة المفروضة بحق الجاني، وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بأنه (لا تخفف عقوبة القتل غسلاً للعار لدرجة كبيرة ما دام المدان  يعلم بسوء سلوك أمه قبل قتلها بمدة طويلة)(11).

لذلك يمكن القول “أن الباعث الشريف نقيض الاستفزاز ودليل سبق الاصرار، فالباعث الشريف لا يتميز بالمفاجأة كما هو الحال في الاستفزاز ويقتضي التفكير الهادئ”(12).  وتجدر الإشارة إلى أن العقوبة المفروضة على الجاني في جريمة القتل غسلاً للعار بعد إدانته وفق المادة (405) عقوبات عراقي أو المادة (406) منه حسب الأحوال، تفرض العقوبة استدلالاً بالمادة (130)(13). عقوبات دون أن يغير ذلك من نوع الجريمة (المادة /24)(14) منه، بينما في جريمة القتل المرتكبة حال المفاجأة بالزنى فأن الجاني يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في المادة (409) عقوبات نفسها دون الاستدلال بمادة أخرى.

ثانيا: من حيث نطاق العذر :

أن العار يتأتى غالباً من فعل شائن يصدر من شخص آخر له صلة القربى أو الرحم أو النسب لشخص القاتل(15). لذلك يمكن القول أن العذر المخفف في الباعث الشريف عند القتل غسلاً للعار يتوسع نطاقه ليشمل الاقارب من النساء فضلاً عن الزوجة والمحارم، كبنت العم والعمة الخال والخالة، وحسب ما استقر عليه القضاء العراقي.

وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بالمصادقة على حكم بإدانة متهم لقتله شقيقته غسلاً للعار إذ وجدت مزالة البكارة وحاملاً بالشهر الثالث يوم زفافها(16)، كما قضت بالمصادقة على حكم بإدانة متهم وفق المادة (405) عقوبات وبدلالة المادتين (128، 130) منه لقيامه بقتل أبنة عمه المجنى عليها غسلاً للعار(17).

وفي قرار آخر لم تعّد محكمة التمييز قتل المتهم لزوجة أخيه قد وقع غسلاً للعار لأنها لا تمت بصلة ما بالمتهم ولا يلحقه ما يصيبها من عار أو سوء سلوك فلا تطبق المحكمة بحق المتهم أحكام المادة (130) عقوبات وإنما لها أن تستدل بأحكام المادة (132) منه(18). أما في حالة المفاجأة بالزنى فأن نص المادة (409) عقوبات يقتصر انطباقه على قتل الزوجة أو إحدى المحارم فقط ولا يمتد ليشمل الأقارب من الدرجات الأخرى.

ثالثاً: من حيث توفر العذر المخفف:

في الجريمة المرتكبة بباعث شريف يجب إثبات سوء سلوك المجني عليها بدليل قاطع حتى يحكم بتوفر العذر المخفف بهذه الجريمة، وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بأنه (إذا ثبت أن المجني عليها سيئة السلوك فيكون الباعث على قتلها شريفاً وتخفف العقوبة بموجب المادة (130) عقوبات) (19)،

كما قضت بأنه (يُعّد قتل الأب لأبنته بباعث شريف إذا وقع بعد دخولها ليلاً وبصورة مريبة في دار أحد الأشخاص وإخراج الحارس الليلي لها وإخبار الشرطة عنها مما سبب فضيحة لوالدها دفعته لقتلها)(20). أما إذا لم يثبت سوء سلوك المجني عليها بدليل قاطع فلا يمكن القول بأن جريمة القتل قد ارتكبت بباعث شريف وبالتالي لا يتوفر العذر المخفف فيها،

وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بأنه (وأن تكرر هرب المجنى عليها من الدار لا يُعّد عذراً مخففاً لعقوبة جريمة القتل ما دام لم يثبت سوء سلوكها بدليل قاطع) (21)، كما قضت بأنه (ليس لمحكمة الجنايات أن تستدل بالمادة (130) عقوبات عند فرض العقوبة بحجة توفر الباعث الشريف لجريمة القتل غسلاً للعار من خلال الاستنتاج  المعزول عن الوقائع الثابتة المادية والمعنوية التي يستدل منها يقينا على توفر الباعث الشريف.

بل يجب أن تبحث بصورة وافية عما إذا كانت المجني عليها سيئة السلوك من عدمه كي يكون قرار الاستدلال بالمادة المذكورة صحيحاً)(22). وقضت ايضاً بأنه (إذا لم يتأيد سوء سلوك الزوجة فلا يستدل بالمادة (130) عقوبات)(23). ينما في جريمة القتل المرتكبة حال المفاجأة بالزنى، فأن العذر المخفف فيها يتوفر عندما ترتكب الجريمة حال المفاجأة بتلبس المجني عليها بالزنى أو وجودها في فراش واحد مع شريكها.

فالتلبس يمكن أن يتوافر حتى وأن لم ير الجاني المشهد الجنسي متى ما وجدت قرائن قوية تحمله على الاعتقاد بوقوع فعل الزنى أو بقرب وقوعه، فظرف الزنى يُعّد متوفراً حتى وأن لم يلمح الزوج بعينه منظر الصلة الفاحشة أو العابثة.

ولا يقصد بالفراش الواحد، السرير الواحد فقط، بل كل خلوة مريبة مع العشيق في أي مكان كان(24). وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بالمصادقة على حكم بإدانة متهم وفق المادة (409) عقوبات لقتله شقيقته واصابة عشيقها حال وجودهما في غرفة نوم المجني عليها ليلاً(25).

رابعاً: من حيث أحكام الظروف المشددة:

أن جريمة القتل المرتكبة حال المفاجأة بالزنى لا تطبق فيها ضد الجاني الذي يستفيد من العذر المخفف الظروف المشددة، وذلك لصراحة نص المادة (409) عقوبات إذ جاء فيها (ولا تطبق ضده أحكام الظروف المشددة).

أما في حالة الجريمة المرتكبة بباعث شريف غسلاً للعار فيمكن أن تتوفر فيها الظروف المشددة، كظرف سبق الاصرار(26) وقتل الأصول والاقتران في جرائم القتل العمد. وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بأنه (إذا امهل المتهم عمته وعشيقها لعقد قرانهما خلال مدة محددة مهدداً بقتلهما أن لم يقوما بذلك، ثم نفذ تهديده فقتلهما بعد انتهاء المدة دون حصول نزاع أو كلام بينه وبينهما فيعد فعله قتلاً عمدياً محملاً بظرف سبق الاصرار ينطبق والمادة (406/1/أ) عقوبات بدلالة المادتين (128، 130) منه)(27).

ويعد ظرف سبق الاصرار متوفراً إذا صمم الجاني على جريمة القتل بباعث شريف غسلاً للعار قبل يوم واحد من تنفيذها. وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بأنه (يكون القتل واقعاً بسبق اصرار إذا صمم القاتل على تنفيذه قبل يوم واحد من وقوعه ويستدل عند تطبيق المادة (406/1/أ) عقوبات بالمادة (130) منه إذا وقع القتل غسلاً للعار)(28). وقد يتوفر في الجريمة القتل بباعث شريف ظرف مشدد آخر هو قتل الأصول،

وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بالمصادقة على حكم بإدانة متهم بموجب المادة (406/1/آ و د) عقوبات وبدلالة المادة (130) منه كونه قتل والدته لسوء سلوكها(29)، باحتساب أن الجريمة ارتكبت بباعث شريف غسلاً للعار. كما يمكن ان يتوفر الاقتران بجرائم القتل المرتكبة بباعث شريف غسلاً للعار، وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بالمصادقة على حكم بإدانة متهم وفق أحكام المادة (406/1/ز) عقوبات وبدلالة المادة (130) منه لقتله ابنته واقتران ذلك بقتل عشيقها بإطلاق النار عليهما كون القتل قد تم بباعث شريف غسلاً للعار(30).

ويلاحظ أن الاقتران في جرائم القتل العمد يتوفر في حالة ارتكاب المتهم لجرائم القتل العمد الآني أو الشروع فيه، ولا يتوفر هذا الاقتران في جرائم القتل العمد أو الشروع فيه المصحوبة بظرف سبق الاصرار والترصد(31). وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بأنه (لا يمكن الجمع عند تطبيق المادة (406) عقوبات بين فقرتيها (أ) و (ز) إذ أن الفقرة (أ) تطبق في حالة القتل العمد مع سبق الاصرار أو الترصد، بينما الفقرة (ز) تطبق في حالة القتل العمد الآني واقترانه بقتل آخر أو الشروع فيه)(32)،

خامساً: من حيث سلطة محكمة الموضوع:

لم تقرر قوانين العقوبات العربية ومنها قانون العقوبات العراقي النافذ، نصوصاً خاصة لحكم حالة قتل المرأة غسلاً للعار كما فعلت بالنسبة لعذر مفاجأة الزوجة أو إحدى المحارم حالة تلبسها بالزنى او وجودها في فراش واحد مع الشريك(33).

لذلك فأن القتل بباعث شريف غسلاً للعار ترك أمر تقدير توفره من عدمه إلى محكمة الموضوع تستخلصه من وقائع القضية المطروحة أمامها عند الفصل فيها(34)، أي أن المحكمة تتبينه من الجريمة التي تعرض أمامهــا كأن يكون دفاعـاً عن عرض أو شرف(35)،

وهو بذلك يخضع للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع. أما جريمة القتل المرتكبة حال المفاجأة بالزنى، فأن المحكمة المختصة ملزمة بالأخذ به عند توفر شروطه لأنه عذر قانوني مخفف ملحق بجريمة محددة ولا يخضع للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع.

سادساً: من حيث قتل الشريك :

لما كان القتل بباعث شريف غسلاً للعار يُعّد عذراً مخففاً عاما للعقوبة، فهل يمكن القول أن هذا العذر يشمل جريمة قتل المجنى عليها وشريكها أم أنه يشمل بالتخفيف الجريمة المرتكبة ضد أحدهما دون الآخر؟

للإجابة على ذلك نقول: أن القضاء العراقي قد استقر على أن قتل الرجل شريك المرأة في الرذيلة لا يّعد من قبيل الباعث الشريف، انما الانتقام للشرف الذي يصلح أن يكون ظرفاً قضائياً مخففاً للعقوبة. وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بأن (قتل الزاني-الشريك- يخضع للتخفيف القضائي دون التخفيف القانوني بالنسبة للقتل غسلاً للعار، لأن جرائم غسل العار تنحصر بقتل الزانية ولا يصح سريانها إلى حالة قتل الزاني)(36).

كما قضت بأنه (وجد أن المحكمة أخطأت في تطبيق القانون وذلك لأن الثابت من اوراق الدعوى بأن المتهم قد شاهد حسبما ورد في اعترافه المفصل بدور التحقيق اعتداء المجنى عليه على عفاف شقيقته، الا أنه ظل ساكتاً دون أن يقدم على عمل شيء، ولم يسجل اخباراً بالحادث. وأن شقيقته قد تزوجت من شخص آخر ثم اعيدت بعد مدة مزالة البكارة، لذا فأن اقدام المتهم بعد هذه المدة الطويلة على قتل المجنى عليه كان بدافع الانتقام، عليه فلا حضور لأحكام المادتين (128، 130) عقوبات لتخفيف العقوبة، لذا قرر إعادة أوراق الدعوى إلى محكمتها لإعادة النظر بالعقوبة بغية فرضها استدلالاً بالمادة (132) عقوبات) (37).

ومن المعلوم أن التخفيف القضائي بالنسبة لقتل الشريك في جريمة القتل بباعث شريف غسلاً للعار يكون بالاستدلال بالمادة (132)(38) عقوبات. أما التخفيف القانوني بالنسبة لقتل المرأة الزانية فيكون بالاستدلال بالمادة (130) عقوبات. لذلك يمكن القول أن جريمة القتل بباعث شريف تنشأ عنها جريمتان، احدهما عن قتل المرأة الزانية والأخرى عن قتل شريكها، وتفرض على الجاني عقوبة عن كل جريمة على حدة ما لم يحصل الاقتران في جرائم القتل العمد- ويجري تنفيذها على الجاني بالتعاقب.

وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بأنه (أن قتل المتهم للمجنى عليه عمداً مع سبق الاصرار اثناء وجوده في دار عمه، لارتكابه الفعل الشنيع مع شقيقته وازالة بكارتها ثم قتله شقيقته عمداً مع سبق الاصرار لسوء سلوكها يُعّد جريمتين تكيف كل واحدة منهما وفق المادة (406/1/أ) عقوبات الا أن العقوبة تفرض بالاستدلال بالمادة (132/1) عقوبات بالنسبة للأولى والمادتين (128 و 130) منه بالنسبة للثانية لارتكاب الجريمتين بباعث شريف هو غسل العار)(39). وقد يحصل ان يطلق الجاني اطلاقة واحدة تؤدي إلى قتل الزانية وشريكها معاً،

أي ان يقصد الجاني قتل شخصين فأكثر بفعل واحد فتم له ذلك، في هذه الحالة تنشأ جريمة واحدة يحكم على الجاني فيها بموجب المادة (406/1/و)(40) عقوبات وبدلالة المادة (130) منه لتوفر الباعث الشريف غسلاً للعار. أما إذا قصد الجاني قتل الزانية أو شريكها أي قتل شخص واحد- فأدى فعله إلى قتلهما أو اكثر، ففي هذه الحال تنشأ جريمة واحدة ايضاً يحكم على الجاني فيها بموجب المادة (406/2/أ)(41) عقوبات.

وفي هذا السياق قضت محكمة التمييز في العراق بأنه (يكون فعل المتهم منطبقاً وأحكام المادة (406/2/أ) عقوبات إذا قتل المجنى عليها زوجته- وحفيدته وأصاب ولديه اللذين حالت الاسعافات الطبية دون وفاتهما وذلك بسكب النفط عليهم وأشعال النار)(42). ويستدل بالمادة (130) عند ارتكاب جريمة القتل بباعث شريف غسلاً للعار. أما بالنسبة لجريمة قتل الشريك المرتكبة حال المفاجأة بالزنى،

فأن العذر المخفف بموجب المادة (409) عقوبات يستفيد منه الجاني سواء ارتكب جريمة القتل بحق الزانية وشريكها معاً أو بحق أحدهما دون الآخر. أي ان الجاني يستفيد من العذر ولو ارتكب جريمته ضد الشريك فقط. وتنشأ عن قتل الزانية وشريكها في حالة المفاجأة بالزنى جريمة واحدة وليس جريمتان.

سابعاً: من حيث صفة الجاني والمجني عليه :

أن المادة (409) عقوبات اشترطت ان يكون الجاني رجلاً لنصها على (من فاجأ زوجته أو أحدى محارمه) وبذلك لا بد ان يكون الجاني في جريمة القتل المرتكبة حال المفاجأة بالزنى هو الزوج أو احد محارم المجني عليها كالأب أو الأخ أو العم.  أما في جريمة القتل بباعث شريف غسلاً للعار فلا يشترط أن يكون الجاني رجلاً، إذ يمكن ان يكون رجلاً او امرأة لورود النص مطلقاً في المادة (128/1) عقوبات.

وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بأنه (إذا لاحظت الأم المتهمة وفق المادة (405) عقوبات لقتل ابنتها، أن المجنى عليها كانت تتأخر في العودة إلى الدار ليلاً فأرادت تأديبها خشية سماع والدها بالأمر فمنعتها من الخروج، فهذه الحالة لا تجعل الباعث لارتكاب الجريمة شريفاً وغسلاً للعار لأن الأنحراف عن السلوك يجب أن تشهد على تحققه وقائع ثابتة وبعكسه فرض العقوبة دون الاستدلال بالمادة (130) عقوبات بل الاستدلال بالمادة (132) منه)(43).

أما بالنسبة للمجني عليه، ففي جريمة القتل حال التلبس بالزنى اشترطت المادة (409) عقوبات أن تكون المجني عليه هي زوجة الشخص أو إحدى محارمه كأمه أو ابنته، أي لابد أن تكون المجني عليه امرأة. بينما في جريمة القتل بباعث شريف غسلاً للعار فلا يشترط ان يكون المجنى عليه امرأة، بل يمكن ان يكون رجلاً.

وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بأن (اقدام المتهم على قتل شقيقه عند مشاهدته أشخاصاً يلوطون به يكون مشمولاً بالعذر القانوني المخفف لأن العار سيان أن كان قد ارتكبته امرأة أو رجل، إذ أن العبرة بوجوده وليس بمن كان مصدره)(44)، كما قضت أيضاً بأنه (يعد قتل الوالد لولده بسبب سوء سلوكه وممارسته اللواطة قد تم بباعث شريف مما يصح معه الاستدلال بالمادتين (128 و130) عقوبات عند فرض العقوبة)(45).

وتجدر الإشارة إلى أنه في جريمة القتل بباعث شريف غسلاً للعار، قد تقع جريمة القتل على شخص آخر فضلا عن المجني عليها الزانية، ففي هذه الحالة لا يستفيد الجاني من التخفيف عن الجريمة المرتكبة ضد الشخص الآخر.

وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بأن (قتل والد الزانية لأبنها المولود سفاحاً لا ينطبق عليه العذر القانوني المخفف وإنما يمكن عده ظرف قضائي مخفف)(46). كما قضت ايضاً بأنه (إذا كان المتهم قد اقدم على قتل أم زوجته انتقاماً منها بسبب اجبارها ابنتها التي هي زوجته على تعاطي البغاء فلا يعد هذا السبب عذراً قانونياً موجباً لتخفيف العقوبة حسب المادة (130) عقوبات)(47).

——————————————————————————————

1- ينظر د. علي حسين الخلف و د. سلطان الشاوي، المبادئ العامة في قانون العقوبات، مطبعة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بغداد، 1982، ص342.

2- ينظر محمد معروف عبد الله، الباعث في قانون العقوبات، دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، كلية القانون، جامعة بغداد، 1975، ص221.

3- القرار رقم 3 /هيئة عامة /94 في 20/3/1996. أشار إليه علي محمد إبراهيم الكرباسي، الموسوعة العدلية، مرجع سابق، ع39، 1997، ص7.

4- القرار رقم 531/533/هيئة عامة /78 في 30/12/1978. مجموعة الأحكام العدلية. ع4، س9، 1978، ص175.

5- ينظر شبلي احمد عيسى، القتل غسلاً للعار، دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، رسالة ماجستير، كلية العلوم الإسلامية، جامعة بغداد، 1999، ص62.

6- القرار رقم 2218/ جنايات/94 في 21/4/1994. وبنفس المعنى القرار رقم 1897/ جنايات/94 في 30/3/1994. (القرارات غير منشورة).

7- القرار 128/ هيئة عامة ثانية/75 في 27/9/1975. مجلة القضاء، نقابة المحامين في العراق، ع3، س31، مطبعة الشعب، بغداد، 1976، ص257.

8- أن بعض القوانين تخلو من مثل هذا النص كقانون العقوبات المصري. ينظر د. أكرم نشأت ابراهيم، القواعد العامة في قانون العقوبات المقارن، ط1، مطبعة الفتيان، بغداد، 1998، ص348.

9- القرار رقم 3818/جنايات/72 في 23/7/1973. النشرة القضائية، ع3، س4، 1975، ص347.

10- القرار رقم 1488/ جنايات/76 في 29/11/1976. مجموعة الأحكام العدلية، ع4، س7، 1976، ص313.

11- القرار رقم 8 /هيئة عامة ثانية/ 76 في 10/4/1976. مجموعة الأحكام العدلية، ع2، س7، 1976، ص341.

12- ينظر د. فخري عبد الرزاق الحديثي، شرح قانون العقوبات، القسم العام، مرجع سابق، ص458، هامش رقم /1.

13- نصت المادة (130) عقوبات عراقي على أنه (إذا توفر عذر مخفف في جناية عقوبتها الإعدام نزلت العقوبة إلى السجن المؤبد أو المؤقت أو الحبس الذي لا تقل مدته عن السنة. فأن كانت عقوبتها السجن المؤبد أو المؤقت نزلت إلى عقوبة الحبس الذي لا تقل مدته عن ستة أشهر. كل ذلك ما لم ينص القانون على خلافه).

14- نصت المادة (24) عقوبات عراقي على أنه (لا يتغير نوع الجريمة إذا استبدلت المحكمة بالعقوبة المقررة لها عقوبة من نوع أخف سواء كان ذلك لعذر مخفف أم لظرف قضائي مخفف ما لم ينص القانون على غير ذلك).

15- ينظر علي السماك، الموسوعة الجنائية في القضاء الجنائي العراقي، ج3، ط1، مطبعة الارشاد، بغداد، 1966، ص77.

16- القرار رقم 3965/الهيئة الجزائية /93 في 30/10/1993.   (غير منشور).

17- القرار رقم 3673/ الهيئة الجزائية/93 في 3/10/1993.    (غير منشور).

18- القرار رقم 3100/ الهيئة الجزائية/88 في 24/1/1989     (غير منشور).

19- القرار رقم 2077/ جنايات /73 في 4/12/1973. النشرة القضائية، ع4، س4، بلا سنة طبع، ص381.

20- القرار رقم 671/ جنايات/ 76 في 21/12/1976. مجموعة الأحكام العدلية، ع4، س7، 1976، ص313.

21- القرار رقم 154/تمييزية أولى/80 في 27/1/1980. أشار إليه فؤاد زكي عبد الكريم، مجموعة لأهم المبادئ والقرارات لمحكمة التمييز، مطبعة سرمد، بغداد، 1982، ص71.

22- القرار رقم 2222/الهيئة الجزائية للجنايات/88 في 23/8/1988. مجموعة الأحكام العدلية، ع3، 1988، ص119.

23- القرار رقم 29/موسعة ثانية/91 في 30/7/1991. مجلة القضاء، نقابة المحامين في العراق، ع1 و2 و3 و4، س51، بغداد، 1996، ص48.

24- ينظر د. حميد السعدي، شرح قانون العقوبات الجديد، ج3، جرائم الاعتداء على الأشخاص، مطبعة المعارف، بغداد، 1976-1977، ص228.

25- القرار رقم 2993/الهيئة الجزائية /92 في 11/10/1992.   (غير منشور).

26- سبق الاصرار من الاشياء المعنوية التي لا تعرف الا بمظاهرها الخارجية، وهي الأفعال المادية التي تصدر من الجاني وتدل على ما يضمره في نفسه من نية القتل. وقد عرفت المادة (33/3) عقوبات سبق الاصرار بأنه التفكير المصمم عليه في ارتكاب الجريمة قبل تنفيذها بعيداً عن ثورة الغضب الآني أو الهياج النفسي. وتطبيقاً لذلك ينظر قرار محكمة التمييز في العراق رقم 20/هيئة عامة/ 92 في 29/2/1992. أشار إليه ابراهيم المشاهدي، المختار من قضاء محكمة التمييز، القسم الجنائي، ج2، مطبعة الزمان، بغداد، 1997 ، ص93.

27- القرار رقم 691/جزاء ثانية/2001 في 18/3/2001. مجلة العدالة، وزارة العدل في العراق، ع3، دار الكتب للطباعة والنشر، بغداد، 2001، ص70.

28- القرار رقم 3822/جنايات/72 في 7/6/1973. النشرة القضائية، ع2، س4، 1975، ص434.

29- القرار رقم 2269/جنايات/71 في 11/10/1971. النشرة القضائية، ع4، س2، ايلول 1973، ص164.

30- القرار رقم 1320/هيئة الجزاء الثانية/98 في 15/7/1998. (غير منشور) .

31- الترصد: لم يعرف قانون العقوبات العراقي الترصد، لكن اعتبره من الظروف المشددة لجريمة القتل العمد (المادة /406/1/أ) منه. وقد عرفه قانون العقوبات المصري في المادة (232) منه بأنه تربص الإنسان في جهة أو جهات كثيرة مدة من الزمن طويلة كانت أو قصيرة ليتوصل إلى قتل ذلك الشخص أو إيذائه بالضرب ونحوه.

32- القرار رقم 79/هيئة عامة/97 في 19/4/1998. أشار إليه علي محمد ابراهيم الكرباسي، مرجع سابق، ع53، 1999، ص7.

33- ينظر د. ضاري خليل محمود، تفاوت الحماية الجنائية، مرجع سابق، ص56.

(34) ينظر علي السماك، الباعث الشريف في قانون العقوبات، مجلة القضاء ، نقابة المحامين في العراق، ع1 و2، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1979، ص85، المحامي محسن ناجي، الأحكام العامة في قانون العقوبات، ط1، مطبعة العاني، بغداد، 1974، ص493.

(35) ينظر د. عباس الحسني، شرح قانون العقوبات العراقي الجديد، القسم العام، مطبعة الازهر، بغداد، 1969-1970، ص313.

(36) القرار رقم 1726/جنايات/65 في 12/1/1966. أشار إليه د. عباس الحسني، وكامل السامرائي، الفقه الجنائي في قرارات محكمة التمييز، المجلد الأول، مطبعة الارشاد، بغداد، 1968، ص221.

(37) القرار رقم 3215/جزاء ثانية /98 في 5/12/1998. أشار إليه علي محمد إبراهيم الكرباسي، مرجع سابق، ع59، 1999، ص6.

(38) نصت الماد (132) عقوبات على أنه (إذا رأت المحكمة في جناية أن ظروف الجريمة أو المجرم تستدعي الرأفة جاز لها أن تبدل العقوبة المقررة للجريمة على الوجه الآتي:-

1-عقوبة الإعدام بعقوبة السجن المؤبد أو المؤقت مدة لا تقل عن خمس عشرة سنة.

2- عقوبة السجن المؤبد بعقوبة السجن المؤقت.

3-عقوبة السجن المؤقت بعقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر). 

(39) القرار رقم 47/موسعة ثانية/89 في 15/5/1989. مجلة القضاء، نقابة المحامين في العراق، ع2، س45، مطبعة الشعب، بغداد، 1990، ص201. وبنفس المعنى القرار رقم 2006/جنايات/84-85 في 4/6/1985. أشار إليه إبراهيم المشاهدي، المبادئ القانونية في قضاء محكمة التمييز، القسم الجنائي، مطبعة الجاحظ، بغداد، 1990، ص223.

(40) نصت المادة (406/1/و) عقوبات على أنه (يعاقب بالإعدام من قتل نفساً عمداً في احدى الحالات التالية …و- إذا قصد الجاني قتل شخصين فأكثر فتم ذلك بفعل واحد.. . ).

(41) نصت المادة (406/2/أ) عقوبات على أنه (وتكون العقوبة الإعدام أو السجن المؤبد في الأحوال التالية.. . أ-إذا قصد الجاني قتل شخص واحد فأدى فعله إلى قتل شخصين فأكثر.. .).

(42) القرار رقم 85/هيئة عامة/92 في 30/11/1992. أشار إليه إبراهيم المشاهدي، مرجع سابق، ج2، ص150.

(43) القرار رقم 273/موسعة ثانية/88 في 17/10/1988. مجلة القضاء، نقابة المحامين في العراق، ع3 و4، س44، مطبعة الشعب، بغداد، 1989، ص393.

(44) القرار رقم 1618/ جنايات أولى /85-86 في 26/6/1986. مجموعة الأحكام العدلية، ع1 و2 ، لسنة 1986، ص159.

(45) القرار رقم 897/جنايات أولى /74 في 30/3/1974. النشرة القضائية ، ع1، س5، 1976، ص386.

(46 ) القرار رقم 211/هيئة عامة ثانية/75 في 7/2/1976. أشار إليه فؤاد زكي عبد الكريم، مرجع سابق، ص69.

(47) القرار رقم  2176/جزاء أولى/ جنايات/81 في 26/12/1981. مجموعة الأحكام العدلية، ع4، س12، 1981، ص105.

اترك تعليقاً