مبدأ الأمانة المرتجعة.

يتناول هذا المبدأ القانوني – الشرعي الحالات التي يثور فيها نزاع بين أفراد الأسرة الواحدة حينما يسجل أحد أفرادها عقاره أو العقار الخاص بكل أفراد الأسرة في اسم فرد من أفرادها دون أن يقصد من تسجيل العقار التنازل من ملكيته أو وهبه لمن سجل في اسمه ..

مبدأ الأمانة الراجعة Resulting Trust كمبدأ من مبادئ الإنصاف والعدالة التي وضعتها المحاكم الإنجليزية منذ قرون غابرة ..

طبعاً يثور سؤال هل يحق لمن سجل في اسمه العقار الاحتجاج بحجية السجل المطلقة أم ينظر إلى نية وقصد المالك الأصلي؟

الحقيقة بأن المحاكم اختلفت في الإجابة على هذا السؤال ..

لكن الرأي الذي تذهب إليه غالب المحاكم في الدراسة هو أن هذه الحالة تخرج عن نطاق قوة السجل المطلقة فيما بين الطرفين إذا ثبت هذا الرأي لصاحب العقار الأصلي أمانة في عنق من سجلت الأرض في اسمه يستردها منه حال مطالبته بها ..

ولكن هذه الأمانة المرتجعة لا يمتد أثرها إلى الغير .. أي لو تصرف من سجلت الأرض في اسمه فيها فلا يحق لصاحب الأمانة الراجعة أن يستردها من الشخص الثالث الذي آلت إليه وسجلت في اسمه .. وبذلك يوفق الرأي الراجح قضاءً بين مبدأ حجية السجل المطلقة وإنصاف صاحب العقار الأصلي الذي لم يتقاعس حتى يتصرف من سجلت الأرض في اسمه فيها وقبل أن تنشأ فيها حقوق الآخرين.

في واحدة من أبرز القضايا التي أخذت بالرأي الراجح .. انا شترى الأب منزلاً وسجله في اسم ابنه المدعى عليه لظروف خاصة وقد أثبت أمام المحكمة أنه لم يقصد بتسجيل العقار باسم ابنه وهبه له بدليل أنه ظل يمارس كل حقوق المالك في العقار ..

لكن الابن احتج بأن العقار قد سجل في اسمه وبإجراء التسجيل تكتمل إجراءات نقل الملكية ولا سبيل لاستردادها لما للسجل من قوة

المحكمة قالت كلمتها الفصل بأن:

( من سلطاتها الإنصافية منع الغش والإثراء بلا سبب .. وقد خلصت من الوقائع إلى أن نية الأب لم تكن وهب العقار لابنه كي يستبعد مبدأ الأمانة المرتجعة ) ..

وفي قضية هامة أخرى ردت محكمة الاستئناف العليا الطعن الذي تقدم به الأب الطاعن في حكم المحكمة الابتدائية والذي أمرت بمقتضاه بتغيير سجل العقار الذي منحته الحكومة للأسرة للسكن فيه من اسم الأب إلى أسماء أفراد الأسرة ..

حينما حاول الأب التصرف في المنزل بالبيع وذلك تأسيساً على مبدأ الأمانة المرتجعة حيث لم يكن القصد من تسجيل قطعة الأرض في اسم الأب تمليكه لها وحده.

ان تطبيق مبدأ الأمانة المرتجعة في السودان تم بصورة أصيلة ومبتكرة راعت فيها المحاكم ظروف المجتمع وطبيعة الأسرة الممتدة وغلبت فيه دواعي العدالة والانصاف على مبدأ حجية السجل المطلقة .. وهي حالات تواجهها المحاكم كثيراً ..!