مسألة تصرف الوارث في أموال التركة التي لم يتم تصفيتها

مسألة تصرف الوارث في أموال التركة التي لم يتم تصفيتها

 

حقوق الدائنين تتعلق بأعيان التركة أشبه ما تكون بحق الرهن ، وأنه لا بد من شهر هذا الحق ليكون نافذاً في حق
من تصرف له الوارث ، ويكون الشهر بتأشير الدائن بدينه في خلال سنة من شهر حق الإرث ، ويجري التأشير أمام اسم المورث في سجل عام تدون فيه أسماء المورثين بحسب الأوضاع المقررة للفهارس الأبجدية .

فإذا تم التأشير على هذا النحو ، استطاع الدائن أن ينفذ بحقه على عقارات التركة ولو كان الورثة قد تصرفوا فيها ، فيتتبعها في يد من وقع التصرف لهم .

تصرف الوارث في أعيان التركة المدينة التي لم تخضع لنظام التصفية:
ونخصص القول هنا في حكم تصرف الوارث في أعيان التركة المدينة قبل سداد الدين إذا كانت هذه التركة لم تخضع لنظام التصفية . وقد قدمنا أن حقوق الدائنين تتعلق بأعيان التركة أشبه ما تكون بحق الرهن ، وأنه لا بد من شهر هذا الحق ليكون نافذاً في حق من تصرف له الوارث ، ويكون الشهر بتأشير الدائن بدينه في خلال سنة من شهر حق الإرث ، ويجري التأشير أمام اسم المورث في سجل عام تدون فيه أسماء المورثين بحسب الأوضاع المقررة للفهارس الأبجدية .

فإذا تم التأشير على هذا النحو ، استطاع الدائن أن ينفذ بحقه على عقارات التركة ولو كان الورثة قد تصرفوا فيها ، فيتتبعها في يد من وقع التصرف لهم .
وقد ورد ها الحكم في المادة 914 مدني ، إذ تنص على ما يأتي ، ” إذا لم تكن التركة قد صفيت وفقاً لأحكام النصوص السابقة : جاز لدائني التركة العاديين أن ينفذوا بحقوقهم أو بما أوصى به لهم على عقارات التركة التي حصل التصرف فيها أو التي رتبت عليها حقوق عينية لصالح الغير ، إذا أشروا بديونهم وفقاً لأحكام القانون ([1]) ” .
وأحكام القانون هنا تبينها المادة 14 من قانون تنظيم الشهر العقاري ، وتجري على الوجه الآتي : ” يجب التأشير بالمحررات المثبتة لدين من الديون العادية على المورث في هامش تسجيل الإشهادات أو الأحكام أو السندات وقوائم الجرد المتعلقة بها ويحتج بها التأشير من تاريخ حصوله ، ومع ذلك إذا تم التأشير خلال سنة من تاريخ التسجيل المشار إليه فللدائن أن يحتج بحقه على كل من تلقى من الوارث حقاً عينياً عقارياً وقام بشهره قبل هذا التأشير ([2]) ” .

وتطبيقاً لما قدمناه نفرض أن الوارث قد باع عقاراً في التركة قبل أن يسدد ديونها . فإذا كان الدائن قد أشر بدينه على النحو الذي أسلفناه في خلال سنة من تاريخ شهر حق الإرث ، ولم يستوف حقه من الوارث أو من أي طريق آخر ، كان له أن يتتبع العقار تحت يد المشتري ، كما كان يتتبعه لو أنه كان دائناً مرتهناً ، فيستوفي حقه منه ، حتى لو كان البيع مسجلاً قبل تأشير الدائن بدينه ما دام التأشير قد تم في خلال سنة من تاريخ شهر حق الإرث كما سبق القول . ونرى من ذلك أن من يتعامل مع الوارث فيشتري منه عقارات للتركة ، يجب عليه أن يتحوط فلا يقدم على الشراء قبل انقضاء سنة من تاريخ شهر حق الإرث ([3]) . وعند ذلك يستطيع أن يتبين ما إذا كان هناك دائن للتركة أشر بدينه حتى يتعامل مع الوارث على هذا الأساس . فأما أن يحتجز من الثمن مقدار الدين ليقوم هو بسداده للدائن ، وإما أن يجعل الوارث يفي بالدين ، فإن لم يفعل لا هذا ولا ذاك عرض نفسه لإجراءات التتبع التي يقوم بها دائن التركة ([4]) .

فإذا لم يقم الدائن بالتأشير بدينه في خلال سنة من تاريخ شهر حق الإرث ، لم يعد حقه نافذاً في مواجهة المشتري إذا سجل المشتري البيع بقبل أن يقوم الدائن بالتأشير بعد انقضاء السنة . فإذا أشر الدائن بدينه بعد انقضاء سنتين مثلاً ، فإن كان المشتري قد سجل البيع قبل هذا التأشير لم يستطع الدائن تتبع العقار في يده ، ما لم يكن المشتري سيء النية متواطئاً مع الوارث بحيث يجوز للدائن أن يطعن في البيع بالدعوى البولصية .

وإن كان المشتري قد سجل البيع بعد تأشير الدائن ، كان للدائن أن يتتبع العقار في يد المشتري وأن يستوفى منه حقه ([5]) . وفي جميع الأحوال يجوز للدائن ، إذا لم يستطع أو لم يرد تتبع العقار ، أن يستوفى حقه من أموال التركة الأخرى التي لا تزال باقية في يد الوارث ، كما له أن يرجع بالتعويض على الوارث في ماله الشخصي إذا كان هذا قد باع العقار غشاً وإضراراً بحقوق الدائن ولو لم تتوافر شروط الدعوى البولصية .

أما إذا كانت العين التي باعها الوارث قبل سداد الدين منقولاً ، فلا تأثير لتأشير الدائن بدينه في هذا البيع وينظر في هذه الحالة إلى المشتري ، فإن كان سيء النية ، أي يعلم أن المنقول الذي يشتريه هو من أموال تركة لم تسدد ديونها ، جاز للدائن أن يتتبع هذا المنقول في يد المشتري وأن يستوفي حقه منه .

أما إذا كان المشتري حسن النية ، فقد ملك المنقول بالحيازة ، ولا يستطيع الدائن أن يتتبعه في يده ، وليس له إلا الرجوع بحقه على بقية أموال التركة التي لا تزال في يد الوارث . فإن لم يجد شيئاً يستوفي منه حقه ، رجع بثمن المنقول على الوارث إذا كان حسن النية ، أو رجع عليه بالتعويض إذا كان سيء النية أي يعلم قبل أن يبيع المنقول أن على التركة ديناً لم يسدد .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ^ أنظر في عهد التقنين المدني السابق : استئناف مختلط 24 أبريل سنة 1928 م 40 ص 317 .

[2] ^ وقد جاء في المذكرة الإيضاحية لقانون تنظيم الشهر العقاري في هذا الصدد : ” ومؤدى هذا النص أن تأشير الدائن بدينه في الميعاد المشار إليه يحفظ له حق مطلقاً قبل الغير ، حتى لو كان هذا الحق قد تلقاه صاحبه وشهره قبل هذا التأشير . أما بعد هذا الميعاد ، فالعبرة بأسبقية الشهر بين الدائن وبين من تلقى الحق من الوارث . ولا يبدأ ميعاد السنة بالنسبة إل الدائن إلا من تاريخ شهر الإرث . أما إذا لم يشهر حق الإرث ، فللدائن أن ينفذ على أعيان التركة استيفاء لحقه ، والمفروض أنها تكون باقية على ملك الوارث إذ لا يجوز شهر أي تصرف صادر منه قبل شهر حق الإرث ذاته . وللدائن في جميع الأحوال ، ولو أغفل التأشير بدينه بعد استطاعته ذلك – أي بعد شهر حق الإرث – أي ينفذ على أعيان التركة التي تكون باقية على ملك الوارث . بمعنى أنه إذا باع الوارث بعض عقارات التركة وسجل عقد البيع ( بعد تسجيل حق الإرث ) ، ولم يؤشر الدائن بدينه ، كان لهذا الأخير الرجوع على عقارات التركة التي لم يتعلق بها حق الغير . وإذا رهن الوارث بعض عقارات التركة وقيد الرهن ، فللدائن الذي لم يؤشر بدينه أن يرجع على هذا العقار المرهون ، ولكن يكون للدائن المرتهن أن يحتج قبله بحق الرهن . ومما تقدم يرى أن المادة 14 مكملة للمادة 13 التي أوجبت شهر الإرث حتى يستطيع الوارث التصرف في عقارات التركة . وقد أخضت المادة 14 ديون الغرماء لنظام التأشير الهامشي ، ولم توجب شهرها استقلالاً بطريق التسجيل . فإذا أهمل الوارث شهر حقه ، لم يلتزم دائن التركة بشهر دينه ، مع بقائه محمياً بقاعدة لا تركة إلا بعد وفاء الديون ، فتظل ديون التركة رغم خفائها عالقة بأعيانها كما لو كانت مرهونة بها ” . وانظر الأستاذ محمد كامل مرسي في الحقوق العينية الأصلية جزء 5 فقرة 159 ص 196 – والأستاذ محمد علي عرفة في الاتجاهات الحديثة في الميراث وتصفية التركة في مجلة القانون والاقتصاد 18 ص 223 .
وقد نصت الفقرة الأولى من المادة 18 من قانون تنظيم الشهر العقاري على أن ” لكل ذي شأن أن يطلب إلى قاضي الأمور المستعجلة محو التأشير المشار إليه في المادة الرابعة عشرة ، فيأمر به القاضي إذا كان سند الدين مطعوناً فيه طعناً جدياً ” . فيجوز إذن أن يطلب المحو الوارث أو دائن آخر للتركة أو دائن شخصي للوارث أو مشتر من الوارث يضره التأشير فيطلب محوه .
والأفضلية المترتبة على أسبقية الشهر لا تكون فيما بين دائني التركة ” فلا يتقدم أحدهم على الآخر لمجرد أنه أشر بحقه قبله . ولكن الدائن الذي أشر في خلال السنة له أن يتتبع العقار في يد الغير ، ولا يستطيع هذا التتبع الدائن الذي لم يؤشر في خلال هذه المدة ( الأستاذ محمد كامل مرسي في الحقوق العينية الأصلية جزء 5 فقرة 162 – الأستاذ محمد علي عرفة المقال المشار إليه في مجلة القانون والاقتصاد 18 ص 227 ) .

[3] ^ أما قبل شهر حق الإرث ، فإن القانون لا يمكن الوارث من التصرف في عقارات التركة ، إذ يمنع شهر أي تصرف يصدر منه قبل أن يشهر حق أرثه . وتقول المادة 13 من قانون تنظيم الشهر العقاري في هذا الصدد : ” يجب شهر حق الإرث بتسجيل إشهادات الوراثة الشرعية أو الأحكام النهائية أو غيرها من السندات المثبتة لحق الإرث ، مع قوائم جرد التركة إذا اشتملت على حقوق عينية عقارية ، وذلك بدون رسم . وإلى أن يتم هذا التسجيل لا يجوز شهر أي تصرف يصدر من الوارث في حق من هذه الحقوق ” .

[4] ^ ويبدو أن المشتري من الوارث لا يستطيع تطهير العقار ، كما كان يستطيع لو أن العقار كان مرهوناً رهناً رسمياً ، فإن التطهير إجراء استثنائي لا يمتد من الرهن الرسمي إلى غيره من الحقوق المماثلة إلا بنص في القانون . ولذلك جاز التطهير في حق الاختصاص لوجود هذا النص ( م 1095 مدني ، ولم يجز في الرهن الحيازي لانعدامه ) .

[5] ^ الأستاذ محمد علي إمام فقرة 176 ص 95 – الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 199 ص 296 – وإذا باع المورث عقاراً ولم يسجل المشتري البيع قبل موت المورث ، ثم باع الوارث العقار ذاته ، فإن المشتري من المورث يفضل على المشتري من الوارث إذا سجل عقده في خلال السنة التي تلي شهر حق الإرث أو أشر بدينه باعتباره دائناً للتركة في خلال هذه المدة ، حتى لو سجل المشتري من الوارث عقده قبل ذلك . أما إذا سجل المشتري من المورث البيع أو أشر بالدين بعد انقضاء السنة ، فالعبرة في المفاضلة بينه وبين المشتري من الوارث بالأسبقية في التسجيل أو التأشير . وسنعود إلى هذه المسألة بتفصيل أو فيما يلي ( أنظر فقرة 270 ) .

اترك تعليقاً