موانع المسؤلية الجزائية بشأن المفاجأة بجريمة الزنا

موانع المسؤلية الجزائية بشأن المفاجأة بجريمة الزنا.

إن قانون العقوبات العراقي قد منح العذر القانوني المخفف في المادة (409) عقوبات للزوج او المحرم عند ارتكابه للجريمة حال مفاجأته بتلبس زوجته أو احدى محارمه بالزنى برضاها أو رغبة منها، ولكن قد ينعدم الرضا(1)، وتكره المرأة على ارتكاب فعل الزنى من قبل شخص آخر دون رغبة او رضا، فيفاجأ بها الزوج او المحرم وقد يقدم على ارتكاب فعل القتل او الايذاء في الحال ضد المرأة ومن اكرهها أو ضد احدهما، فهل يمكن القول بتوفر العذر المخفف عند ارتكاب الجريمة التي تمت بفعل الاكراه الذي يعد من موانع المسؤولية الجزائية؟

للإجابة على ذلك نقول، اتفق فقهاء الشريعة الاسلامية على إن المزنى بها تحت ضغط الاكراه لا تُسأل جنائياً ، ولا يجب الحد على المرأة إذا اكرهت على التمكين من الزنى لقول النبي الكريم(e) (إن الله تجاوز عن أمتي ثلاثة الخطأ والنسيان وما أستكرهوا عليه)(2)، ولأنها مسلوبة الارادة فلم يجب عليها الحد كالنائمة(3)، فالاكراه  يعد شبهه والحدود تدرأ بالشبهات(4).

وفي رواية للترمذي قال: استكرهت امرأة على عهد رسول الله (e) فدرأ عنها الحد وأقامه على الذي اصابها(5). يتوفر القصد الجنائي قِبل الزوجة او احدى المحارم إذا ارتكبت فعل الوطء مع شريكها عن ارداة واختيار، وبخلاف ذلك تمتنع مسؤوليتها الجزائية وهذا ما نصت عليه المادة (62) عقوبات بعبارة (لا يسأل جزائيا من اكرهته على ارتكاب الجريمة قوة مادية او معنوية لم يستطع دفعها).

وبناءاً عليه فلا عقاب على الزوجة او احدى المحارم إذا ما اثبتت إن شريكها قد اغتصبها(6) بالقوة لأن الفعل المادي هنا وقع بغير رضاها وأنما يعاقب الفاعل بجريمة الاغتصاب، وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بالمصادقة على حكم بإدانة متهم وفق المادة (393/1 و2) عقوبات وبدلالة المادة (132/آ) منه لممارسته الفعل الجنسي مع المجنى عليها بالقوة وازالة بكارتها وأدى ذلك إلى حملها سفاحاً(7).

كما قضت محكمة النقض المصرية بأنه (إذا كان الطاعن قد امسك بالمجنى عليها من ذراعيها وأدخلها زراعة القطن عنوة فقاومته الا أنه تمكن بقوته العضلية من التغلب عليها وطرحها ارضاً وهددها بمطواة كان يحملها ثم ضربها برأسه في جبهتها عند مقاومتها له فأن في ذلك ما يفيد توفر الاكراه وعدم الرضا من جانب المجنى عليها)(8). وتأسيساً على ما تقدم، إذا فوجئ الزوج أو المحرم بزوجته او احدى محارمه مع شخص يحاول اكراهها على المواقعة، ففي هذه الحال نعتقد إن الزوج او المحرم من حقه ان يقتل هذا الشخص استعمالاً لحق الدفاع الشرعي ويعد فعله مباحاً بموجب المادة (43/2) عقوبات،

فحق الدفاع الشرعي عن النفس يبيح القتل عمداً إذا اريد به دفع أمر هو مواقعة امرأة او اللواطة بها أو بذكر كرهاً. وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز في العراق بأنه (إذا ظهر من وقائع القضية بأن المتهم قتل المجنى عليه عندما استيقظ من النوم ورآه يأتي زوجته كرهاً وذلك بناءاً على استنجادها به لتخليصها منه، وحيث إن المادة (50) عقوبات بغدادي-المقابلة للمادة (43/2) عقوبات عراقي- تبيح القتل قصدا في مثل هذه الحـالة كما هو صريح في فقرتهـا الثانية فيعد المتهم والحالة هذه غير مسؤول عن قتل المجنى عليه)(9).

وبذلك يمكن القول أنه لا يكفي لأغراض تطبيق المادة (409) عقوبات وجود الزوجة او احدى المحارم مع آخر بغير ارادة منها أو رغبة في ذلك، إذ أن هذا الآخر لا يعد عشيقاً لها وبالتالي نعتقد أن اقدام الزوج أو المحرم على قتلها او الاعتداء عليها لا يجعل للعذر المخفف حضوراً ولا يستفيد منه، لأن المرأة في هذه الحالة تواجه جريمة اغتصاب وليس جريمة زنى. والجريمتان تختلفان في توفر الرضا، فعندما يتخلف الرضا فالواقعة اغتصاب وعند توفره تكون زنى(10). وبذلك فالزوجة لا تعد مسؤولة عن جريمة زنى إذا اكرهت على تسليم نفسها لأجنبي فأغتصبها بالقوة أو التهديد، إذ متى اثبت الشخص انما حدث منه كان ناشئاً عن إكراه فلا مسؤولية قبله (11).

——————————————————————————————

1- انعدام الرضا بشكل عام يقصد به أن يتم الوقاع او اللواط وارادة المجنى عليه او عليها مكرهه او معيبة. والارادة المكرهه تعني استسلام المجنى عليه أو عليها للوقاع او اللواط تحت اكره مادي او معنوي. والاكراه المادي هو استخدام قوة مادية للقضاء على مقاومة المجنى عليه. أما الاكراه المعنوي فيعني ان يستخدم الجاني وسائل التهديد او الوعيد بالمجنى عليه أو بذويه قتلاً او ايذاءاً أو التهديد بكشف سر يؤدي إلى فضيحة للمجنى عليه او عليها . ينظر د. ضاري خليل محمود، اثر رضا المجنى عليه في المسؤولية الجزائية، ط1، دار القادسية للطباعة، بغداد 1982، ص103.

2- ينظر سليمان بن احمد بن ايوب ابو القاسم الطبراني، المعجم الكبير،ج2، ط2، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، العراق، 1904هـ- 1983م، ص97.

3- ينظر د. مصطفى ابراهيم الزلمي، موانع المسؤولية الجنائية في الشريعة الاسلامية والتشريعات الجزائية العربية، الدار الجامعية للطباعة والنشر والترجمة، بغداد، 2002، ص136.

4- ينظر د. عبد العظيم شرف الدين، مرجع سابق، ص30.

5- ينظر احمد فتحي بهنسي، السياسة الجنائية في الشريعة الاسلامية، مرجع سابق، ص136.

6- لم يعرف قانون العقوبات العراقي الاغتصاب. وقد نصت المادة (393/1) منه على انه (يعاقب كل من واقع أنثى بغير رضاها أو لاط بذكر أو أنثى بغير رضاه او رضاها). وقد عرف قانون العقوبات المصري الاغتصاب في المادة (267) منه بأنه مواقعة أنثى بغير رضاها. كما عرفه الفقه بأنه إتيان امرأة بغير رضاها وممارسة العملية الجنسية الطبيعية ممارسة كاملة. وتعرف المواقعة غير المشروعة بأنها كل مواقعة تجعل منها الظروف المحيطة بها جريمة أغتصاب أنثى بكراً كانت أم ثيباً بأنتفاء رضاها. ويتم ذلك بإيلاج الذكر في فرج الأنثى المجنى عليها كلا أو جزءاً دونما اشتراط لحصول الأنزال. ينظر د. محمد صبحي نجم،  شرح قانون العقوبات الجزائري، القسم الخاص، ط1، دار المطبوعات الجامعية، مصر، بلا سنة طبع، ص74. يعقوب يوسف الجدوع ومحمد جابر الدوري، الجرائم المخلة بالاخلاق والآداب العامة، في التشريع الجنائي العراقي، مطبعة النعمان، النجف الاشرف، 1972، ص16.

7- القرار رقم 1828/جزاء ثانية /99 في 16/8/1999. مجلة القضاء، نقابة المحامين في العراق، ع1 و2 ، س55، شركة الأنعام للطباعة المحدودة، بغداد، 2001، ص94.

8- نقض مصري في 19/يناير/1959. طعن رقم 1983 سنة 28 ق. مجموعة الأحكام الصادرة من الدائرة الجنائية- محكمة النقض، ع1، س10، مطبعة دار القضاء العالي، القاهرة، 1959، ص47.

9- القرار رقم 423/جنايات/46 موصل. اشار إليه سلمان بيات، مرجع سابق، ج1، ص72. وتجدر الاشارة إلى أن المشرع العراقي قد نص في القرار رقم 49 لعام 2001 في الفقرة أولاً-1 منه على أنه( لا جريمة إذا قام شخص بقتل أو شرع بقتل من أغتصب او واقع بالاكراه احدى محارم القاتل)  نشر القرار في الوقائع العراقية العدد 3967 في 26/2/2001.

10- ينظر محمد عزت عجوه، جرائم العرض وأفساد الاخلاق، دار المطبوعات الجامعية، القاهرة 1972، ص281.

11- ينظر د. محمد مصطفى القللي، في المسؤولية الجنائية، مطبعة جامعة فؤاد الأول، القاهرة، 1948، ص403.

اترك تعليقاً