هل يعتبر حكم القاضي بفك الرابطة الزوجية كاشف أم منشئ للطلاق ؟

هل يعتبر حكم القاضي بفك الرابطة الزوجية كاشف أم منشئ للطلاق ؟.

مقدمة:

إن فك الرابطة الزوجية و انحلال عقد الزواج، و إن كان من أصعب قرارات الحياة و أبغض الحلال إلى الله، إلا أنه قد يكون شرا لا بد منه يتقي به المرء شرا أكبر، خاصة في حالة استحالة العشرة بين الزوجين.

و تختلف صور فك الرابطة الزوجية باختلاف أسباب ذلك، و باختلاف دور إرادة طرفي عقد الزواج في ذلك. فقد تتم الفرقة بإرادة الزوج المنفردة، و قد يكون ذلك باتفاق الزوجين معا، و ربما قد لا يكون للزوج إرادة في الفرقة، حيث تطلب الزوجة من القاضي تطليقها زوجها أو أن تعرض مخالعته مقابل مال تدفعه.

و القاضي في كل هذه الصور يصدر حكما بعد عرض الأمر عليه من صاحب المصلحة، فيحكم بفك الرابطة الزوجية على اختلاف صورها، و هنا يتداخل دور القاضي مع إرادة الأطراف، هل دوره يقتصر على الكشف عن واقعة الطلاق، أم أنه منشئ له، أي هل يكون حكمه كاشفا أم منشئا للطلاق؟.

و للإجابة على هذا السؤال ينبغي علينا أن نتعرف أولا صور فك رابطة الزوجية و كيفية حدوثها، ثم نرى دور حكم القاضي في هذه الصور المختلفة و هل هو كاشف أم منشئ، فنميز أولا بين الحكم الكاشف و الحكم المنشئ، ثم نبين موقع حكم القاضي بفك الرابطة الزوجين بين هذين النوعين من الأحكام.

صور فك الرابطة الزوجية.

لقد عدد المشرع الجزائري في قانون الأسرة عدة صور لفك الرابطة الزوجية، منها ما يكون بإرادة الزوج المنفردة و هو ما يسمى بالطلاق بإرادة الزوج المنفردة و نجد كذلك الطلاق بالتراضي و كلا هاتين الصورتين يجمع بينهما كون للزوج إرادة فيهما، و هناك صورتان أخريان لا يكون للزوج إرادة فيهما و هما التطليق و الخلع.

أولا: الطلاق بإرادة الزوج:

للزوج أن يطلق زوجته دون معقب عليه و هو المقصود من إطلاق لفظ الطلاق و هو فك الرابطة الزوجية بالإرادة المنفردة للزوج بكل لفظ يفيد الطلاق شرعا،و يشترط فيه أن يكون بلفظ واحد في طهر لم يمسها فيه. و الأصل أنه لا يترتب على الطلاق أية تعويض لأنه حق للزوج إلا إذا تبين للقاضي تعسفه. و على القاضي أن يحكم بالطلاق بعد عقد جلسات للصلح لا تتجاوز ثلاثة أشهر.

ثانيا: الطلاق بالتراضي:

و يكون باتفاق كلا الزوجين على إنهاء الرابطة الزوجية بينهما بناء على رضا منهما و تشاور، فيكون عبارة عن اتفاق، و يتقدمان بذلك إلى محكمة مقر الزوجية بعريضة مشتركة تتضمن مجموعة من البيانات الأساسية كاسم و عنوان مقر المحكمة و اسمي الزوجين و عنوانهما و عنوان مسكن الزوجية و كذا الوظيفة، و تتضمن بالإضافة إلى ذلك عرضا لأسباب الطلاق و كذا الأمور المتفق عليها بينهما و التي تم التوافق على الطلاق بالتراضي على أساسها. و يقدمان هذه العريضة لكتابة ضبط المحكمة المختصة، و ما على القاضي إلا أن يقضي بينهما بالطلاق بعد عقد جلسات الصلح بينهما و التي لا تتجاوز مدتها ثلاثة أشهر.

التطليق و الخلع.

و تم الجمع بينهما لاتحادهما في علة واحدة و هي أنهما يتمان بإرادة الزوجة دون الزوج.

أولا: التطليق:

و هو ما نص عليه المشرع في نص المادة 53 من قانون الأسرة حيث عدد للزوجة 10 أسباب تستطيع الزوجة في حالة توافر أحدها أو بعضها معا أن تطلب التطليق من القاضي. و هذه الأحوال هي عشرة أهمها التطليق لعدم الانفاق بشرط عدم علمها بإعساره وقت العقد،و التطليق للعيوب التي تحول دون تحقيق الغرض من الزواج، و الطلاق للغياب،

و الطلاق للهجر في المضجع فوق 4 أشهر،و الطلاق لصدور حكم بعوبة نافذة في حق الزوج في جريمة تمس بشرف الأسرة، و مخالفة الشروط المتفق عليها في العقد، و مخالفة أحكام المادة 8 المتعلقة بتعدد الزوجات و المادة 37 المتعلقة بالأموال المشتركة بينهما، و الشقاق المستمر بين الزوجين، و كل ضرر معتبر شرعا.

فترفع الزوجة أمرها للقاضي و الذي يحكم لها بالطلاق إذا تأكد من توافر الشروط المنصوص عليها في القانون.

ثانيا: الخلع:

و هو حق أقره الشرع للمرأة موازاة لحق الرجل في الطلاق، و ذلك لييسر لها التخلص من زوج لا تريد العيش معه، خاصة إذا لم تستطع أن تثبت أية ضرر يمكنها من طلب التطليق. و قد نص المشرع الجزائري على الخلع في المادة 54 من قانون الأسرة، و الذي بموجبها يحق للمرأة أن تخالع الرجل مقابل مال تدفعه له،

و لهذا عرفه الفقهاء بأنه الطلاق مقابل مال أو الطلاق بعوض، و لا تلزم فيه موافقة الزوج بعد تعديل قانون الأسرة بالأمر05-02 سنة 2005، حيث أصبح يكفي أن تطلب المرأة الخلع و تعرض العوض الذي ستدفعه.

دور حكم القاضي في فك الرابطة الزوجية

و هنا ينبغي علينا أن نميز أولا بين الحكم الكاشف و الحكم المنشئ لنتمكن من وضع حكم القاضي بفك الرابطة الزوجية في موقعه المناسب بين الحكمين.

التمييز بين الحكم الكاشف و الحكم المنشئ.

الحكم المنشئ يقصد به الحكم الذي يظهر إلى الوجود القانوني مركزا أو التزاما لم يكن قبل الحكم موجودا، بحيث يعتبر هذا الحق أو المركز أو الوضع القانوني قد ولد مع الحكم لا قبله، و تسري آثاره من تاريخ الحكم إلا ان ينص القانون على خلاف ذلك.

أما الحكم الكاشف فهو الحكم الذي يظهر للوجود القانوني حقا أو مركزا قانونيا كان مختفيا أو غير ظاخر فكشف عنه أو غير مستقر فأكده و أقره. و لهذا يمسى الحكم الكاشف بالحكم المقرر.

 موقع حكم القاضي بين الحكمين.

لو نظرنا إلى صور فك الرابطة الزوجية المعروضة في المبحث الأول و أسقطنا عليها معنى كل من الحكم الكاشف و المنشئ يتبين لنا متى يكون حكم القاضي بفك الرابطة الزوجية كاشفا و متى يكون منشئا.

فبالنسبة للطلاق بإرادة الزوج فرفع الدعوى عادة ما يكون بعد تلفظ الزوج بالطلاق ثم يقوم برفع الدعوى لتثبيت الحكم له بالطلاق، أو ترفع الزوجة دعوى بسبب الطلاق للحصول على تعويض.فيكون حكم القاضي هنا كاشفا لإرادة الزوج.

و في حالة الطلاق بالتراضي يظهر بوضوح أن حكم القاضي ما هو إلا كشف عن إرادة الزوجين في الطلاق كما أنه يغلب أن يكون الزوج أيضا قد تلفظ بالطلاق و من ثم تقدم و طليقته إلى القاضي ليكشف عن واقعة الطلاق.

أما التطليق و الخلع فيظهر بجلاء أن حكم القاضي فيهما منشئ للطلاق لأن له سلطة فيه لا سيما في التطليق حيث أنه يحل محل الزوج و يحكم بتطليق زوجته منه و لهذا سمي بطلاق القاضي، أما الخلع و إن قيل إن القاضي كشف عن إرادة الزوجة إلا أنه يرد على ذلك بأنه لا يمكن أن تتم المخالعة إلا أمام القاضي بعد أن يحكم بها و بالتالي فحكمه هو المنشئ للخلع.

الخاتمة:

نصل في الختام إلى أن فك الرابطة الزوجية مهما اختلفت صوره و تعددت، من طلاق بإرادة الزوج منفردا أو بإرادة كلاا الزوجين عن رضا منهما و توافق، أو كان بطلب من الزوجة المتضررة من زوجها بواسطة التطليق، أو بإرادة الزوجة النافرة من زوجها عن طريق الخلع لعجزها عن إثبات ضرر معتبر شرعا.

كل هذا لا بد من أن يمر على القاضي، على أن أن دوره يختلف في كل من هاته الصور، ما بين أن يكون مقررا لإرادة الأطراف كاشفا عن وجود الطلاق كما يظهر بوضوح في الطلاق بإرادة الزوج و الطلاق بالتراضي، و بين ان يكون حكمه منشئا لهذا الطلاق لسلطته فيه في حالتي التطليق و الخلع.

اترك تعليقاً