الغش و الخطأ الجسيم بين الإعفاء و رفضه في القانون المصري

الغش و الخطأ الجسيم بين الإعفاء و رفضه في القانون المصري

 

لقد تبنى المشرع المصري الاتجاه الذي يرفض اتفاقات الإعفاء في حالتي الغش والخطأ الجسيم، فقد جاء في المادة (217/2) مدني مصري:” وكذلك يجوز الاتفاق على إعفاء المدين من أية مسؤولية تترتب على عدم تنفيذ التزامه التعاقدي إلا ما ينش أ عن غشه أو عن خطئه الجسيم..” وهذا الموقف يتبناه المشروع أيضا(1) ويذهب الشراح إلى تبني هذا النهج، فهناك إجماع على عدم جواز الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية عن الخطأ العمد(الغش) والخطأ الجسيم(2) ويأخذ الخطأ الجسيم حكم الغش، رغم أن الأول خطأ غير عمدي، وذلك خوفا من تستر المدين وراء الخطأ الجسيم إخفاء لنيته الإضرار بالدائن، هذا من جهة، ومن جهة ثانية حتى يفرض على المدين حدا أدنى من العناية في المعاملات إعمالا لمبدأ حسن النية(3) وقد ذهب القضاء المصري إلى مساواة الخطأ الجسيم بالغش في أحكام عديدة، ورتبت على الخطأ الجسيم تغيير وصف المسؤولية، فإذا ثبت أن الخطأ العقدي كان جسيما، أصبح أساس مسؤولية المدين تبعا لذلك مسؤولية تقصيرية. حيث قضت محكمة النقض في أحد أحكامها:”… فإنه لا يخرج مسئولية المؤجر – في خصوص هذا الالتزام – عن طبيعتها و لا يحيلها إلى مسئولية تقصيرية و ذلك ما لم يثبت أن المؤجر إرتكب خطأ جسيما أو غشا أو فعلا يؤثمه القانون على النحو السالف بيانه”(4) كما قضت المحكمة ذاتها بأنه:” تطلبت المادة 47 من القانون رقم 92 لسنة 1959 لإمكان رجوع العامل على صاحب العمل بالتعويض فيما يتعلق بإصابات العمل أن يكون خطؤه جسيمًا، وقد وردت هذه العبارة في هذا النص بصيغة عامة مطلقة بما يجعلها شاملة لكل فعل خاطيء سواء أكان مكونًا لجريمة يعاقب عليها أم أنه لا يقع تحت طائلة العقاب طالما أنه خطأ جسيم. وإذ كان ما يقوله الطاعن بسبب النعي من أن الخطأ الجسيم لا يتوافر إلا أن يكون مكونًا لجريمة جنائية – ينطوي على تخصيص لعموم النص بغير مخصص و هو ما لا يجوز، وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه بالتعويض على أساس الخطأ الجسيم من جانب رب العمل و تابعه مستندًا في ذلك إلى قواعد المسئولية التقصيرية المقررة في القانون المدني فإنه لا يكون قد خالف القانون أو شابه القصور”(5) وأرى أن موقف المحكمة، جانب الصواب في إرساء مثل هذه القاعدة التي تنقل الخطأ الجسيم إلى مصاف الخطأ التقصيري، لأن الخطأ الجسيم متصور في إطار العلاقة العقدية، فلا مبرر في إضفاء هذا الوصف عليها (دائما). أما فيما يتعلق بالغش، فالغش في العقد، لا يشترط فيه نية الإضرار فيكفي فيه نية عدم التنفيذ، ويبدو أن محكمة النقض المصرية – وعلى نقيض قولي- تنظر إلىالغش بأنه (قصد الإضرار إلى جانب نية عدم التنفيذ)، ولذا فهي دائما تجعله في إطار المسؤولية التقصيرية. حيث قضت محكمة النقض المصرية بأنه:” إذ كان المقرر – و على ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أنه لا يجوز الأخذ بأحكام المسئولية التقصيرية في دعوى التعويض التي يرتبط فيها المضرور مع المسئول عنه بعلاقة عقدية سابقة كما يترتب على الأخذ بأحكام المسئولية التقصيرية في مقام العلاقة العقدية من إهدار لنصوص العقد المتعلقة بالمسئولية عند عدم تنفيذه بما يخل بالقوة الملزمة إلا أن ذلك رهين بعدم ثبوت أن الضرر الذي لحق بأحد العاقدين كان نتيجة فعل من العاقد الآخر يكون جريمة أو يعد غشًا أو خطأ جسيمًا مما تتحقق به في حقه أركان المسئولية التقصيرية تأسيسًا على أنه أخل بالتزام قانوني إذ يمتنع عليه أن يرتكب مثل هذا الفعل في جميع الحالات سواء كان متعاقدًا أو غير متعاقد و أن إستخلاص عناصر الغش و تقدير ما يثبت به من عدمه في حدود السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع بغير رقابة من محكمة النقض عليها في ذلك ما دامت الوقائع تسمح به”(6) .

______________
1- يقابلها نص المادة ( 238 /1 ) من المشروع التي جاء فيها من بين عبارات أخرى:” يجوز الاتفاق على إعفاء المدين من تعويض الضرر الناشئ عن عدم تنفيذ التزامه التعاقدي، كليا أو جزئيا أو بسبب تنفيذه تنفيذا معيب أو تأخر فيه، إلا ما يكون عن غش أو خطأ جسيم منه..”.
2- مرقس، سليمان: الوافي في شرح القانون المدني، ج 1، في الالتزامات، المجلد الأول، في الفعل الضار والمسؤولية المدنية، القسم الأول، في الأحكام العامة،ط5 1992 ، ص 640 . سلطان، أنور: مصادر الالتزام (دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي)، ط 3، دون مكان نشر، المكتب القانوني ، 2000 ، ص 406 . العمروسي، أنور: المسؤولية التقصيرية والمسؤولية العقدية في القانون المدني ، الإسكندرية، دار الفكرالجامعي، 2004 ،، ص 17 . السرحان، عدنان إبراهيم و خاطر، نوري حمد: شرح القانون المدني مصادر الحقوق الشخصية ” الالتزامات” دراسة مقارنة، ط 1، عمان، الدار العلمية للنشر والتوزيع ودار الثقافة للنشر والتوزيع، 2002 ، ص 334
3- الاهواني، حسام الدين: النظرية العامة للالتزام،ج 1، مصادر الالتزام ط 2 ، 1995ص 466
4- الفقرة الثانية من الطعن رقم 0280 لسنة 34 بتاريخ 16/4/1968 سنة المكتب الفني 19.
5- الفقرة الثالثة من الطعن رقم 486 لسنة 37 بتاريخ 29/12/1973 سنة المكتب الفني 24
6- الفقرة الرابعة من الطعن رقم 2384 لسنة 54/ بتاريخ 4/4/1990 سنة المكتب الفني 41

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *