حكم قضائي في بطلان اتفاقية ترسيم الحدود بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية

حكم قضائي في بطلان اتفاقية ترسيم الحدود بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية

بسم الله الرحمن الرحيم
بإسم الشعب
مجلس الدولـة
المحكمة الإدارية العليا
( الدائرة الأولى – فحص الطعون )

بالجلسة المنعقدة علناً .
برئاسة السيد الأستاذ المستشار / أحمد محمد صالح الشاذلى
نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة
وعضوية السادة الأساتذة المستشارين /
الدكتور / محمد أحمد عبد الوهاب خفاجى , محمود شعبان حسين رمضان , مبروك محمد على حجاج نواب رئيس مجلس الدولة
وبحضور السيد الأستاذ المستشار / محمد محمود اسماعيل رسلان
نائب رئيس مجلس الدولة ومفوض الدولة
وسكرتارية السيد / محمد فرح . أمين السر

فى الطعن رقم 74236 لسنة 62 قضائية عليا .

المقام من
• رئيس الجمهورية بصفته.
• رئيس مجلس الوزراء بصفته .
• رئيس مجلس النواب بصفته .
• وزير الدفاع بصفته .
• وزير الخارجية بصفته .
• وزير الداخلية بصفته .
وطالب التدخل انضمامياً إلى جانب جهة الادارة الطاعنة/ أحمد صادق القشيرى

ضد
• على أيوب
ومحمد قدرى فريد الخصم المتدخل انضمامياً معه
• خالد على عمر

الخصوم المتدخلون معهم وهم
1- مالك مصطفى عدلى 2- علاء أحمد سيف 3- عمرو إبراهيم على مبارك 4- أحمد سعد دومة 5- صابر محمد محمد بركات 6- منى معين مينا غبرى7 – عادل توفيق واسيلى 8- أسماء على محمد زكى 9- ليلى مصطفى سويف10- منى أحمد سيف الاسلام 11- منى سليم حسن منصور 12- علاء الدين عبد التواب عبد المعطى 13- محمد عادل سليمان 14- كارم يحيى سيد إسماعيـل 15- رجاء حامد السيد هلال 16- ناجى رشاد عبد السلام 17- أحمد همام غنام 18- سحر إبراهيم عبد الجواد 19- سحر مسعد إبراهيم 20- سلوى مسعد إبراهيم 21- محمد فتحى محمد عنبر 22- هانى شعبان السيد 23- هشام حسن محمد 24- مروة خير الله حسين 25- علاء الدين أحمد سعد 26- مها جعفر صولت 27- محمد عبد الوهاب محمد 28- سعاد محمد سليمان 29- رشاد رمزى صالح 30- مريم جلال محمد 31- هالة محمود مختار 32- عوف محمد عوف 33- منى حسن العوضى 34- أحمد محمد احمد العنانى 35- مصطفى أحمد عبد الفتاح 36- محمود احمد شعبان 37- وليد محسن محمد على 38- محمدى محمد على 39- محمد مجدى أحمد 40- أحمد عمرو محمود 41- جيهان محمود محمد 42- نيرمين فاروق أحمد 43- محمد عبد الحليم محمد 44- نوجهان حسام الدين عبد العال 45- رانيه محمود محمد فهمى 46- الهام إبراهيم محمد سيف 47- ياسر جابر على 48- حسام مؤنس محمـد 49- ياسر المرزوقى رزق 50- محمد الطيبى التونسى 51- عمرو عصام الدين محمد 52- هالة السيد محمد 53- رضوى ماجد حسن 54- عمر عبد الله على القاضى 55- مختار محمد مختار 56- نادين محمد ناصر 57- سالى السيد منير 58- أسماء رمضان السيد 59 – محمود أحمد عبد العظيم 60- مريان فاضل كريوس 61- شيرين عماد عبد الرحمن 62- مى عماد عبد الرحمن 63- أحمد بهاء الدين عبد الفتاح 64- نجلاء عمر عبد العزيز 65- سميه محمود عبد الحميد 66- ميرفت محمود عبد الحميد 67- دنيا رمزى حسن 68- هدى حمدى عبد المجيد 69- هبة الله حمدى70 – حمدى عبد المجيد محمد 71- عبد الفتاح حسن عبد الفتاح 72- أحمد اسامه عبد الرحمن 73- محمد محى الدين محمد 74- تامر مجدى عبد العزيز 75- إبراهيم السيد الحسينى 76- أحمد بهاء الدين عبد الفتاح 77- أحمد حسين إبراهيم الاهوانى 78- احمد سمير عبد الحى 79- أحمد عادل إبراهيم 80- أحمد محمد احمد خليل 81- أحمد محمـد على البلاسى 82- أحمد محمد هشام وطنى 83- أسماء جمال الدين محمود 84- الحمزة عبد الواحد محمد 85- السيد طه السيد 86- الشيماء فاروق جمعه 87- الهام عيداروس احمد 88- إنجى عبد الوهاب محمد 89- أهداف مصطفى إسماعيل 90- بافلى عاطف مقارى 91- بسنت عادل عبد العظيم 92- بكينام يسرى بدر الدين عثمان 93- بلال عبد الرازق عبد المقصود 94- جميل مصطفى شندى إسماعيل 95- حازم حسن إدريس أحمد 96- حازم محمد صلاح الدين 97- خالد السيد إسماعيل 98- خالد محمد زكى البلشى 99- خلود عبد الكريم محمد 100- راجين محمد شوقى 101- راندا حسن سيد محمد 102- راندا محمد أنور عبد السلام 103- رانيا حسين على أحمد 104- رشا مبروك محمود 105- رشا محمد جوهر احمد 106- ريهام محمد حسنى 107- سامح أحمد عادل 108- سامية محمد حسن 109- سعد زغلول على حسن 110- سلمى محمد منيب 111- سمر محمد حسنى 112- سمية إبراهيم زكى 113- سوزان محمود محمد نـدا 114- طارق أحمد عبد الحميد 115- طارق حسين على 116- عادل رمضان محمد 117- عايـدة عبد الرحمن احمد 118- عبد الله يحى خليفه 119- عبد الرحمن محسن صلاح 120- عبد المنعم على بدوى 121- عزيزة حسين فتحى 122- عصام محمد عبد الرحيم 123- عماد نان شوقى 124- عمر محمد هاشم وطنى 125- عمرو أحمد فهمى 126- عمرو عصام الدين محمد 127- عمرو كمال عطيـه 128- فاتن محمد على 129- فادى رمزى عزت 130- فاطمة هشام محمود مراد 131- نيفيان ظريف لمعى 132- كريم أحمد محمد 133- مترى مهاب فائق 134- مجدى محمد على 135- محسن صبرى إبراهيم 136- محمد حسنين محمد 137- محمد حمدى محمود 138- محمد سمير محمد 139- محمد عبد الرحيم عبده 140- محمد عبد الله على 141- محمد عبد الله محمد 142- محمد محمد لطفى 143- محمود محمد محمد العيسوى 144- مديحة اميل توفيق 145- مرفت فوزى محمد 146- مصطفى محمد فرحـات 147- مصطفى محمود عبد العال 148- معاذ حسين سعيد سليمان 149- معتصم بالله طارق عبد العزيز 150- مها أحمد محمد صادق 151- مها حسن رياض 152- مها عبد العزيز على 153- مهند صابر احمد 154- ميادة خلف سيد 155- نانسى كمال عبد الحميد 156- نجلاء محمد عبد الجواد 157- نجلاء ناصر حسين 158- هالة محمد رضا 159- هبة الله فرحات محمد 160- هبة الله نور الدين 161- هبه عادل سيد 162- هدير هانى فؤاد 163- هيام برعى حمزة 164- وسام عبد العزيز حنفى 165- يحيى محمود محمد 166- يوسف شريف ساويرس 167- أحمد فوزى احمد 168- ياسمين حسام الديـن عبد الحميد 169- انس سيد صالح 170 – محمد عزب أحمد 171- عبد الله يحيى خليفه 172- سامح سمير عبد الحميد 173- طارق حسين على 174- نوال محمد عبد الفتاح 175- ليلى مصطفى إسماعيل 176- عبد الرحيم القناوى عبد الله 177- محمد السعيد طوسون 178- محمـود حسن أبو العينين 179- طارق علوى شومان180- أحمد عادل محمود 181- مصطفى إبراهيم 182- محمد قدرى فريـد
وطالبى التدخل انضمامياً إلى المطعون ضدهم وهم
1- محمد أبو سعدة 2- طارق ابراهيم 3- عثمان عبد الرحمن ابراهيم
4- طارق إمام محمد مصطفى 5- عبد الله الأشعل
فى الحكم الصادر من محكمة القضاء الادارى الدائرة الأولى بالقاهرة
فى الدعويين رقمى43709 ,43866 لسنة 70 قضائية بجلسة21/ 6/ 2016

المحكمة
بعد الإطلاع على الأوراق ، وسماع الإيضاحات ، وعلى تقرير هيئة مفوضى الدولة والمذكرات والمستندات المقدمة من أطراف الخصومة ، وبعد إتمام المداولة قانوناً .
ومن حيث إن عناصر المنازعة تخلص – حسبما يبين من أوراق الطعن – فى أن المطعون ضدهم – خصوماً أصليين ومتدخلين – كانوا قد أقاموا الدعويين رقمى 43709 , 43866 لسنة 70 قضائية أمام محكمة القضاء الإدارى مستهدفين بها الحكم بوقف تنفيذ ثم إلغاء توقيع ممثل الحكومة المصرية على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية الموقعة فى شهر أبريل سنة 2016 المتضمنة التنازل عن جزيرتى تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية , وما يترتب على ذلك من اَثار .
وبجلسة 21 / 6/ 2016 أصدرت محكمة القضاء الإدارى – الدائرة الأولى – حكمها الطعين الذى قضى : ” أولاً : برفض الدفع بعدم اختصاصها ولائياً بنظر الدعويين وباختصاصها بنظرهما.
ثانياً: بقبول الدعويين شكلا وببطلان توقيع ممثل الحكومة المصرية على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية الموقعة فى أبريل سنة 2016 المتضمنة التنازل عن جزيرتى تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية مع ما يترتب على ذلك من آثار أخصها استمرار هاتين الجزيرتين ضمن الإقليم البرى المصرى وضمن حدود الدولة المصرية واستمرار السيادة المصرية عليهما وحظر تغيير وصفهما بأى شكل لصالح أية دولة أخرى وذلك على النحو المبين بالأسباب وألزمت جهة الإدارة المصاريف .
وشيدت قضاءها , بما يقوم به جوهر حكمها , على أن العمل المنوه عنه يتضمن التنازل عن جزيرتى تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية حال كون هاتين الجزيرتين ضمن الإقليم المصرى خاضعتان للسيادة المصرية الكاملة وهو أمر مخالف ومصادم لنص المادة (151) من دستور جمهورية مصر العربية الصادر فى 18 يناير 2014 والذى حظر إبرام أى اتفاق يتضمن التنازل عن أى جزء من الإقليم المصرى .
من حيث إن الطاعنين بصفاتهم – حسبما ورد بتقرير الطعن والمذكرة المقدمة بجلسة 22/ 10/ 2016 – يطلبون الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه ثم إحالة الطعن إلى دائرة الموضوع بالمحكمة الإدارية العليا لتقضي بقبول الطعن شكلاً ، وفى الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضي به منطوقه ، والقضاء مجدداً ، أصلياً: بعد اختصاص المحكمة ولائياً بنظر الدعوى ، واحتياطياً : بعدم قبول الدعوى لإنتفاء القرار الإدارى ، ومن باب الاحتياط الكلي : برفض الدعوى ، مع إلزام المطعون ضدهم المصروفات عن درجتى التقاضى .
وقد سطر الطاعنون أسباب الطعن بتقرير الطعن ومذكرات الدفاع المشار إليها ، ومجمل الأسباب المشار إليها تنصرف إلى أن الحكم المطعون فيه قد صدر مشوباً بالخطأ فى تطبيق القانون فيما يتعلق بنفى صفة الخصومة عن الطاعن الثالث – بصفته – ( رئيس مجلس النواب ) ، ومخالفة الحكم للقانون فيما قضي به من رفض الدفع بعدم اختصاص المحكمة – والقضاء عموماً – ولائياً بنظر الدعويين على سند حاصله أن المشرع أخرج الأعمال التى تتصل بسيادة الدولة سواء الداخلية أو الخارجية من ولاية المحاكم عموماً ، وأن قضاء المحكمة – المطعون فيه – قد خالف المستقر عليه من قضاء المحكمة الدستورية العليا والمحكمة ذاتها فى منازعات مماثلة ، خاصة وأن طلبات المدعين فى الدعوى تتمخض عن استدعاء ولاية القضاء واستنهاض رقابته بشأن أمر يتعلق باختصاص أصيل محجوز دستورياً لمجلس النواب ويمثل تدخلاً وإهداراً لمبدأ الفصل بين السلطات ، بحسبان المجلس هو الجهة الوحيدة القائمة على شئون التشريع وسن وإصدار القوانين ، والمنوط به الموافقة على ما يبرمه رئيس الجمهورية من معاهدات مع الدول الأخرى ، وإن ما قامت به الحكومة فى النزاع المطروح باشرته بوصفها سلطة حكم بخصوص ترسيم الحدود بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية ، وإنه أصبح محلاً للدراسة من قبل لجان مجلس النواب المختصة ( وفقاً لكتاب هيئة قضايا الدولة الذى ورد بعد حجز الطعن للحكم والمتضمن إحالتها إلى مجلس النواب.)
وسترجئ المحكمة ما اُشير إليه بتقرير الطعن بشأن اختصام رئيس مجلس النواب إلى موضع اَخر فى أسباب الحكم .
ومن حيث إنه عن طلب التدخل إنضمامياً سواء للمطعون ضدهم أو لجهة الادارة الطاعنة فإن قانون مجلس الدولة قد خلا من أى نص يتعلق بالتدخل فى الدعوى ، ومن ثم يسرى بشأنه ما ورد بقانون المرافعات المدنية والتجارية .ولما كان المشرع أجاز التدخل فى الدعوى بالإجراءات المعتادة لرفعها قبل يوم الجلسة أو بطلب يقدم شفاهة فى الجلسة فى حضورهم ويثبت فى محضرها على أن يقدم الطلب قبل اقفال باب المرافعة ، و ينقسم التدخل لنوعين : أولهما :التدخل الإنضمامى وفيه يبدى المتدخل ما يراه من أوجه دفاع لتأييد طلب الخصم الذي تدخل إلى جانبه ، دون أن يطلب القضاء لنفسه بحق ما فالمتدخل يبغى من تدخله المحافظة على حقوقه عن طريق الانضمام ويقصد به تأييد أحد الخصوم دفاعاً عن حقوقه فى الدعوى، ويجوز طلبه ولو لأول مرة أمام محكمة الاستئناف ، عملاً بنص الفقرة الثانية من المادة (236) من قانون المرافعات . وثانيهما : التدخل الهجومى أو الخصامى ويقصد به المتدخل المطالبة بحق ذاتي يدعيه لنفسه فى مواجهة طرفى الخصومة ويشترط لقبوله شرطان : (1)- أن يدعى طالب التدخل لنفسه حقاً، ومن ثم يشترط فيه المصلحة التى تبرر قبول التدخل فى هذه الحالة كل الشروط اللازمة لقبول الدعوى وهى أن تكون المصلحة قانونية حالة وقائمة، شخصية ومباشرة. (2) قيام الارتباط بين الطلب الأصلي الذى يسعى المتدخل للحكم لنفسه به وبين الدعوى الأصلية ووجود هذا الارتباط هو الذى يبرر تقديم هذا الطلب .ولذا فإن التدخل الهجومى يجيز للمتدخل أن يطلب الحكم لنفسه بحق ذاتى يدعيه في مواجهة طرفي الخصومة سواء تعلق طلبه بذات الحق المتنازع عليه أو بجزء منه أو بطلب آخر يتميز عن الطلب الأصلى ولكن مرتبط به قاصداً من تدخله الحصول على حكم فى مواجهة طرفى الدعوى ، ولذا فإنه لا يجوز إبداؤه لأول مرة أمام محكمة الطعن حتى لا تفوت درجة من درجات التقاضى ، ومتى كان طالبوا التدخل إنضمامياً قد طلبوا التدخل إنضمامياً شفاهة فى الجلسة فى مواجهة الخصوم واُثبت ذلك فى محضر الجلسة , وكانت لهم مصلحة مشروعة فى التدخل قوامها إما اثبات مشروعية تصرف جهة الادارة أو عدم مشروعيته ومن ثم فإنه يتعين – والحال كذلك – قبول تدخلهم إنضمامياً فى الطعن , والاكتفاء بذكر ذلك فى الأسباب عوضاً عن المنطوق .
ومن حيث إن الدفع المبدى من المطعون ضدهم بعدم قبول الطعن لانتفاء مصلحة الطاعنين بصفاتهم غير سديد , ذلك أن الطاعنين بصفاتهم , وينوب عنهم هيئة قضايا الدولة لهم مصلحة محققة ومشروعة فى الطعن من وجهين أولهما : إثبات سلامة الاجراء الذى اتخذته الحكومة ونفى تصادمه مع أحكام الدستور والقانون وإثبات ولاية مجلس النواب وحده فى هذا الشأن باعتباره اختصاصاً محجوزاً دستورياً له وسبيلها إلى ذلك مباشرة اجراءات الطعن .وثانيهما ستعرض له المحكمة فى ثنايا أسباب حكمها .
وحيث إن الحكم المطعون فيه ، واستند إلى أحكام المواد 97 ، 151 ، 190 من الدستور الحالي وفيما تضمنته من حظر إبرام أية معاهدة أو اتفاقية يتوقف عليها التنازل عن أي جزء من اقليم الدولة ، وأن مصطلح الإبرام أعم وأشمل من مصطلح إقرار المعاهدات ، وأن هذا الحظر يمتد إلى السلطة التنفيذية ويحظر عليها اتخاذ أى عمل من أعمال الإبرام بما فيها التوقيع إذا كانت المعاهدة تخالف الدستور أو يترتب عليها التنازل عن أى جزء من الإقليم وهو حظر وقائى ومطلق ، وأن لإقليم الدولة قداسة بالمعنى الوطنى وحرمة بالمعنى القانونى ، وأنه يشكل وحدة واحدة لا سبيل إلى التنازل عن أى جزء منه ، وأسس الدستور فكرة الاختصاص الممنوع أو المحظور على السلطة التنفيذية فى مجال ابرام المعاهدات الدولية ، وخلصت المحكمة إلى أن توقيع الحكومة على الاتفاقية بما ينطوى عليه من التنازل عن الجزيرتين ( تيران وصنافير ) هو عمل إدارى يخضع لولاية محاكم مجلس الدولة طبقاً لأحكام المادة (190) من الدستور باعتباره من المنازعات الإدارية ، وقضت برفض الدفع المبدى من المدعى عليهم بصفتهم بعدم اختصاص المحكمة ولائياً بنظر الدعويين .
ومن حيث إن تقرير الطعن ومذكرات هيئة قضايا الدولة والمذكرات المقدمة من المطعون ضدهم والخصوم المتدخلين فى الدعوى قد أشارت – فى غير موضع- إلى سيادة الدولة ، والفصل بين السلطات والتوازن بينها ، وتلازم المسئولية مع السلطة ، ونظرية أعمال السيادة ، ولأهمية النزاع المعروض فإن هذه المحكمة تبسط قضاءها على عُمد من التأصيل الواجب قبل أن تقطع بقضاء بات فى سلامة الحكم المطعون فيه وصحة السبب أو الأسباب التى قام عليها تقرير الطعن ، وتؤكد المحكمة علي أن للسيادة معنى سلبى وآخر ايجابى ، والمعنى السلبى يقطع الاستقراء التاريخي له بأنها قد بدأت كفكرة سياسية ثم تحولت إلى فكرة قانونية , وينصرف إلى عدم خضوع الدولة لسلطة دولة أخرى ، وعدم وجود سلطة أخرى مساوية لسلطة الدولة فى داخل حدود البلاد ، أما المعنى الإيجابى فإنه ينصرف إلى سلطة الأمر والزجر فى داخل البلاد وتمثيل الدولة وترتيب حقوق لها والتزامات عليها ، والمعنى المنضبط إنها تمثل وظيفة الحكم التى تظهر فى الوظيفة التشريعية والتنفيذية والقضائية ومجرد الاستناد إلى هذا المعنى الإيجابى للسيادة لا يكفى وحده تبريراً لعدم الخضوع للرقابة القضائية – بحسبان الخضوع لرقابة القضاء لا يتنافى فى ذاته مع فكرة سيادة الدولة بالمعنى الإيجابى والفصل فى المنازعات وإرساء قواعد العدالة والمحافظة على حقوق الدولة وحريات الأفراد – أحد مظاهر السيادة العامة ، والقول بغير ذلك يحيى فكرة اندثرت فى العالم والفهم القانونى كانت تقوم على أساس أن السيادة حق أصيل للحاكم وهو مالكها ( نظريات الحق الإلهى ) ، ومع ظهور مبدأ سيادة الأمة بعد نجاح الثورة الفرنسية – الدساتير الفرنسية البالغة 16 دستوراً منذ الثورة الفرنسية ومنذ دستور 1793 الذى لم يطبق بتاتاً وعلى حد تعبير الفرنسيين mort née أى ولد ميتاً ودستور 1875 الذى أُلغى بعد غزو الألمان فرنسا ودخولهم باريس عام 1940- ، استقر فى الوجدان القانونى أن صاحب السيادة هو مجموع المواطنين ، ولم تعد هيئة من هيئات الدولة مالكة للسيادة وإنما تباشرها كوكيلة عن الشعب ، ولا يمنع ذلك من القول بأن هناك نوع من الأعمال التى تصدر عن السلطة التنفيذية لا تخضع لرقابة القضاء ، وأن مرجع الإعفاء ليس فكرة السيادة وإنما أسباب قانونية أخرى .
وإذا كان من المستقر عليه فقهاً وقضاءً أن أعمال السيادة تتفق مع العمل الإدارى فى المصدر والطبيعة ويختلفا فى السلطة التى تباشر بها السلطة التنفيذية العمل ذاته ، مع تقرير وسائل مختلفة للحد من آثار أعمال السيادة التى قد تؤثر سلباً فى حقوق الافراد وحرياتهم إلا أن أنجع الوسائل لرقابة أعمال السيادة هو اللجوء إلى القضاء ، والقضاء هو من يحدد أعمال السيادة بحثاً عن اختصاصه للفصل فى النزاع المعروض ، فإذ استوى العمل من حيث سلطة إصداره وطبيعته بأنه من أعمال السيادة قضى بعدم اختصاصه ، ولا ريب أن القاضي عندما يباشر الاختصاص المعقود له بتحديد ما يعتبر من أعمال السيادة ليلحق به حصانة تعصمه من رقابة القضاء ليس مطلق اليد حر التقدير وإلا خرج على فكرة السيادة بالمعنى المشار إليه آنفاً ، وإنما يحكمه التنظيم القانونى لممارسة السلطة الموصوفة بأنها عمل من أعمال السيادة ، والنزاع الذى صدر بشأنه العمل ، ثم يستخلص القاضى المتروك له تحديد طبيعة العمل فى إطار اختصاصه وظروف ومستندات النزاع المعروض عليه ، وهو ما يقطع – بداءةً – بعدم صحة المقارنة بين مسلك المحاكم حال تحديد طبيعة العمل وكونه من أعمال السيادة فىالأنزعة المختلفة بحسبان سلامة الحكم ترتبط بالحالة المعروضة كُل على حدة .
ومن حيث إن تغيير الدساتير أو تعديلها يكون مرتبطاً إما بسقوط أنظمة الحكم أو تغييرها بالطريق الدستوري ، ويستتبع فى غالب الأمر تغييراً فى النظام القانوني الحاكم والمنظم للعلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بين أفراد الشعب وسلطات الدولة الحاكمة على وجه يقتنع معه الشعب فى إطار دستور – يصدر عنه بإرادته الحرة – بتحقيق السلامة القانونية لكافة أفراد المجتمع ، ويجب أن يجارى النظام القانونى الجديد فكراً قانونياً جديداً يفسر ما غمض فى النظام القانونى من قواعده العامة والمجردة سواء لبس هذا الفكر ثوب التشريع مشرعاً أو انصب على عمل السلطة التنفيذية فى الهيئات والوزارات والمصالح أو على منصة القضاء تنفيذاً لأحكام الدستور والقانون ، وأخيراً فى قاعات البحث والفقه القانوني ، ومع وجوب تمسك الفكر القانونى بالثوابت فإن عليه أن يتماشى مع النظام القانونى الجديد ، وما قد يحدثه من تغييرات تؤثر على الفهم الصحيح ، ويوصم الفكر بالجمود إذا تمسك بالثوابت وأهمل المتغيرات التى تلحق بالمجتمع ونظامه الدستورى .
ومن حيث إن مصر فى هذا العقد من الزمان – بعد ثورة الشعب ( 25يناير / 30 يونيه ) – وهى ثورة وصفتها ديباجة الدستور بأنها فريدة بين الثورات الكبرى فى تاريخ الإنسانية ، بكثافة المشاركة الشعبية التى قُدّرت بعشرات الملايين ، وبدور بارز لشباب متطلع لمستقبل مُشرق ، وبتجاوز الجماهير للطبقات والأيدولوجيات نحو آفاق وطنية وإنسانية أكثر رحابة وبحماية جيش الشعب للإرادة الشعبية00000- وهذا الدستور استولد عنه نظام قانونى جديد ألبس الفصل بين السلطات ثوباً جديداً، وتحددت فيه حدود سلطات الدولة دون تغول من سلطة على سلطة أخرى، وأٌعلى من شأن حق الإنسان المصري فى المشاركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لبناء دولته الجديدة مصطحباً تاريخ مصر الخالد وحضارتها العظيمة وموقعها الجغرافي المتميز ، وقدم وعراقة شعبها واَصالته، وطبيعته وطبيعة تكوينه الفريد والمتنوع والذى يمثل سمتاً من سماته ويستعذب اَصالته كل من سرى فى شرايينه مياه النيل مسرى الدم.
ومن أجل ذلك – وهو بعض من كل – وجب على الفكر القانوني أن يتماشى مع التعديلات التي استحدثها الدستور على النظام القانوني المصري ، ومن عموم القول السابق إلى خصوصية النزاع المعروض والمتعلق بحقوق السيادة على الأراضى المصرية ، وحدود سلطات الدولة بشأنها وفقاً للدساتير المصرية المتعاقبة بدءًا من الأمر الملكى رقم 42 لسنة 1923 بوضع نظام دستورى للدولة المصرية وانتهاءً بالوثيقة الدستورية الجديدة عام 2014 ، فقد نصت المادة (1) من دستور 1923 على أن ” مصر دولة ذات سيادة , وهى حرة مستقلة , ملكها لا يتجزأ ، ولا يُنزل عن شىء منه ، وحكومتها ملكية وراثية ، وشكلها نيابى ” ، ونصت المادة 46 منه على :”…………، كما أن معاهدات الصلح والتحالف والتجارة والملاحة وجميع المعاهدات التى يترتب عليها تعديل فى أراضي الدولة أو نقص فى حقوق سيادتها أو تحميل خزائنها شيئاً من النفقات أو مساس بحقوق المصريين العامة أو الخاصة لا تكون نافذة إلا إذا وافق عليها البرلمان ………………” .
وبذات العبارات نطقت أحكام المادة (1) من الباب الأول من دستور 1930 ، كما حددت المادة (46) منه سلطات المَلك والبرلمان بشأن المعاهدات التى يترتب عليها تعديل فى أراضى الدولة أو نقص فى حدود سيادتها ، وإذا كان دستور 1956 الصادر فى ظل الحكم الجمهورى قد أخذ بأبعاد قومية بشأن وصف مصر بأنها دولة عربية مستقلة ذات سيادة ، وأنها جمهورية ديمقراطية والشعب المصرى جزء من الأمة العربية فإنه تمسك بأن لا تنفذ معاهدات الصلح والتحالف والتجارة والملاحة وجميع المعاهدات التى يترتب عليها تعديل فى أراضي الدولة أو التى تتعلق بحقوق السيادة إلا إذا وافق عليها مجلس الأمة ( المادة 143 منه ) ، وهو ذات الشرط الذى اشترطه دستور 1964 ( المادة 125 منه ) ، ودستور 1971 ( المادة 151 منه ) ، ولقيام ثورة الخامس والعشرين من يناير وتعطيل العمل بالدستور الأخير ، وصدور دستور عام 2012 وتعديله بالدستور الحالي استدعت أحكامه بعض الأحكام الواردة بدستور 1923 انطلاقاً من المبدأ الراسخ بوحدة الأرض المصرية منذ عهد مينا حتى الآن ، وعلى الوجه الذى كشفت عنه الأعمال التحضيرية للدستور بشأن سيادة الدولة على أراضيها ، وذلك بفهم جديد متطور استقى من المبادئ السالف ذكرها فى أسباب هذا الحكم – وعلى الخصوص – حدود سلطات الدولة بشأن مسألة السيادة وحق التقاضى المقرر دستورياً ونفاذ القضاء إلى ما يتبلور حوله من أنزعه تستخلص من الفهم الصحيح للنصوص الدستورية , ومن نافلة القول الإشارة إلى أن فهم النصوص الدستورية أمر ليس محجوزاً لجهة قضاء بعينها والفهم يختلف عن الفصل فى المسألة الدستورية والمحجوزة بلا منازع للمحكمة الدستورية العليا – وهو أمر تحرص عليه المحكمة الإدارية العليا قدر حرصها على الاختصاص الدستورى المقرر لجهة القضاء الإدارى – ( وهو عكس ما أشارت إليه الجهة الطاعنة فى مذكرة دفاعها المقدمة بجلسة 22/ 10/ 2016 ).
ومن حيث إن المادة (1) من الدستور الحالي – دستور عام 2014 – تنص على أن :” جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة موحدة لا تقبل التجزئة ، ولا ينزل عن شيء منها نظامها ديمقراطى ، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون ………….”.
وتنص المادة (151) من الدستور ذاته على أن :” يمثل رئيس الجمهورية الدولة فى علاقاتها الخارجية ، ويبرم المعاهدات ، ويصدق عليها بعد موافقة مجلس النواب ، وتكون لها قوة القانون بعد نشرها وفقاً لأحكام الدستور .
ويجب دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة ، ولا يتم التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة .
وفى جميع الأحوال لا يجوز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور ، أو يترتب عليها التنازل عن أى جزء من إقليم الدولة ” .
ولا جدال فى أن هذا النص الدستوري تضمن أحكاماً بعضها له مردود سابق بالدساتير المصرية المتعاقبة ، وأحكاماً جديدة على النظام القانوني المصري تستوجب – كما سلف البيان – فهماً قانونياً جديداً ، فمن سابق الأحكام أن إبرام المعاهدات سلطة بين رئيس الجمهورية والسلطة التشريعية ممثلة فى البرلمان – على اختلاف مسمياته – أما الأحكام الدستورية الجديدة بشأن المعاهدات تجلت فى أمرين : الأول : أن معاهدات الصلح والتحالف وكل ما يتعلق بحقوق السيادة لا يتم التصديق عليها إلا بعد استفتاء الشعب – وهو أمر واجب – لا تقدير فيه لسلطة من سلطات الدولة ، وهذا القيد الواجب لا يخاطب فقط السلطة التى تبرم المعاهدة أو السلطة المقرر لها الموافقة فيما يدخل فى اختصاصها الدستورى ، وإنما يمثل النكوص عنه حال لزومه استدعاء سلطة القضاء ولا يدفع أمامه حال تعلق الأمر بفكرة أعمال السيادة ، فتلك الأعمال وإن انطبقت على الحالة الأولى من المعاهدات ،ليس بها الوصف ,وإنما باعتبارها أعمالاً برلمانية مقرر لرقابتها قواعد خاصة , فإن القيود الدستورية والضوابط التى حددتها الفقرتين الأخيرتين من المادة (151) ترفع عن الأعمال المتصلة بها صفة كونها من أعمال السيادة ولا تقوم له أية حصانة عن رقابة القضاء . الثاني : الحظر الدستورى الوارد فى الفقرة الثالثة من المادة (151) بأنه لا يجوز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور أو يترتب عليها التنازل عن أى جزء من اقليم الدولة ، وهذا الحظر لا يشمل التنازل فقط وإنما أية مخالفة لمبدأ دستورى أخر. وهو حظر لا يقف عند سلطات الدولة فحسب وإنما يمتد إلى الشعب ذاته ، والذى قيدت إرادته فى التنازل عن الأراضى أو مخالفة الدستور ، ويظل هذا الحظر قائماً طالما سرى الدستور استناداً لقاعدة قانونية مستقرة قوامها مبدأ سمو القواعد الدستورية وأنها طالما ظلت سارية ولم تعدل بالآلية الدستورية التى حددها الدستور ذاته تعين احترامها والالتزام بها ليس فقط من سلطات الدولة وإنما من سلطة الإنشاء ( الشعب ) ، وبالرجوع إلى الأعمال التحضيرية للدستور تلاحظ أن لجنة الخبراء عند وضع نص المادة (1) من الدستور أشارت صراحة إلى اقتراح قُدّم من أحد الأعضاء بالنص صراحة أسوة بدستور عام 1923 على عدم جواز النزول عن أى من اقليم الدولة ( الاجتماع الثانى للجنة الخبراء العشرة لمشروع التعديلات الدستورية فى 23 من يوليه 2013 ص 13 وما بعدها ) .
كما يتضح الأمر بجلاء لا لبس فيه ولا غموض عند مناقشة وإعداد المادة (145 ) والتى أصبحت فى الدستور الحالي تحت رقم المادة (151 ) ، وعند عرض الجزء الأول من النص الدستورى رجُح فى اللجنة أنها لا تتعلق بمعاهدات الصلح ولا التحالف أو ما يتعلق بحقوق السيادة ( فهذه يفصل فيها ويراقبها البرلمان ) ، أما المعاهدات الخاصة بالصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة وجميع المعاهدات التى يترتب عليها تعديل فى أراضى الدولة : فذهب رأى إلى وجوب موافقة الشعب أُسوة بالمادة 53 فقرة أخيرة من الدستور الفرنسى ( الاجتماع الثامن للجنة المشار إليها فى 3/ 8/ 2013 ص 68 ،69 وبدءًا من ص 73 من الاجتماع المشار إليه ) وتبلور الأمر برأى ذهب إلى أن أى شئ يتعلق بحقوق السيادة لن يكون محلاً للمعاهدات ثم تبلور الرأى إلى أن المعاهدات التى تتعلق بحقوق السيادة لا يكون لها قوة القانون إلا بعد الاستفتاء عليها وموافقة الشعب ، وقبل الاتفاق على النص الدستورى ذكر أحد الأعضاء ( المستشار ……ص 73 ، “الجزء الأول من نص المادة 145 ليس فيه أى مشكلة ، الجزء الثانى تجب موافقة مجلس الشعب ( النواب ) بأغلبية ثلثى اعضائه على معاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التى تتعلق بحقوق السيادة يتعين الاستفتاء وموافقة الشعب عليها لكى يستريح ضمير الجميع وأنا مع ….ولا يجوز إقرار أى معاهدة تخالف أحكام الدستور أو الانتقاص من أراضي الدولة ، لماذا ؟؟ لأن الحكم هنا سيكون مختلفاً عندما نقول مظهر من مظاهر السيادة مثل قاعدة عسكرية هذا نريد فيه استفتاء أما هنا فى مسألة الانتقاص من أراضي الدولة لم تعرض على الاستفتاء محرم عرضها على المجلس أو الاستفتاء كقاعدة عامة وهذه هى قيمة الإضافة وأنا أوافق على الإضافة” ثم قُرأت المادة بالصوغ الآتى : ” يمثل رئيس الجمهورية الدولة فى علاقاتها الخارجية ، ويبرم المعاهدات ويصدق عليها بعد موافقة مجلس الشعب ، وتكون لها قوة القانون بعد التصديق عليها ونشرها ، وفقا لأحكام الدستور وتجب موافقة المجلس بأغلبية ثلثى اعضائه جميعاً على معاهدات الصلح والتحالف ، وبالنسبة للمعاهدات التى تتعلق بحقوق السيادة فلا يكون لها قوة القانون إلا بعد الاستفتاء عليها وموافقة الشعب على ذلك .
ولا يجوز إقرار أى معاهدة تخالف أحكام الدستور أو يترتب عليها الانتقاص من اقليم الدولة ” ، ثم علق المقرر ، ” لا نريد أن نصعب الأمور نقول فى الجزء الثانى من النص بعد كلمة التحالف وجميع المعاهدات التى تتعلق بحقوق السيادة بشروط الاستفتاء عليها ……ولا يجوز إقرار أى معاهدة تخالف أحكام الدستور أو تنتقص من اقليم الدولة وتنتهى ” .
وإذا كان النص الدستوري للمادة (151) الذى وافق عليه الشعب قد نقل حرفياً ما انتهت إليه لجنة الخبراء بخصوص الفقرة الأولى منه وبتصرف لا يغير المعنى فى الفقرة الأخيرة ، فإن الفقرة الثانية والثالثة من الصياغة النهائية للدستور المستفتى عليها قدّمت وأوجبت دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف ، وما يتعلق بحقوق السيادة ومنعت التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بموافقة الشعب ، وينعطف من هذه المغايرة معان قانونية ومفاهيم كثيرة يجب أن تُسجل وتُذكر :-
أولاً : أن الدستور المصرى رسَخ مبدأ سيادة الشعب فى أعلى صورة فحظر أى التزام دولى على الدولة فيما يتعلق بهذه الأنواع من المعاهدات إلا بعد أخذ موافقة الشعب صاحب السيادة ومصدرها ، فالتصديق وهو من سلطة رئيس الجمهورية مشروط بموافقة الشعب عبر استفتاء واجب ، وفيه يحل الشعب محل السلطة التى تقوم مقامه بالتشريع والرقابة ، وعلى رئيس الجمهورية أن يخاطب الشعب مباشرة طالباً رأيه الفاصل والملزم فى أية معاهدة محلها الصلح أو التحالف أو تتعلق بحقوق السيادة . والترتيب المنطقى للأمور أن يتوجه رئيس الجمهورية إلى الشعب طالباً رأيه ، فإن أجاب طلبه بالموافقة استكملت إجراءات الاتفاق الدولى ، وإن كان له رأى آخر زال أى اتفاق أو إجراء سابق تم اتخاذه .
ثانياً : أن التنازل عن أى جزء من إقليم الدولة أو إبرام معاهدة تخالف أحكام الدستور المصرى- فرادى أو مجتمعة – تعد من الأمور المحظور إبرام أى اتفاق دولى بشأنها ولا تعرض على الشعب الذى أعلن إرادته عبر دستوره وحاصله إنه لا يُقبل التنازل عن أى جزء من الأرض أو مخالفة أى حكم من أحكام الدستور الذى يمثل الوعاء الأصيل للنظام القانونى الحاكم من ناحية والضمان الوحيد لاستقرار نظام الحكم من ناحية أخرى .
وقد جرى نص المادة (197) من القانون رقم 1 لسنة 2016 بشأن اللائحة الداخلية لمجلس النواب – المنشور في الجريدة الرسمية في العدد (14)مكرر ب بتاريخ 13/ 4/ 2016 ليعمل به اعتباراً من اليوم التالى لنشره الموافق 14/ 4/ 2016 وفقاً للمادة الثانية من مواد اصداره على أن :
” يبلغ رئيس الجمهورية المعاهدات التى يبرمها إلى رئيس المجلس ، ويُحيلها الرئيس إلى لجنة الشئون الدستورية والتشريعية لإعداد تقرير فى شأن طريقة إقرارها وفقًا لحكم المادة (151) من الدستور، وذلك خلال سبعة أيام على الأكثر من تاريخ إحالتها إليها.
ويعرض رئيس المجلس المعاهدات وتقارير لجنة الشئون الدستورية والتشريعية فى شأنها فى أول جلسة تالية ، ليقرر إحالتها إلى اللجنة المختصة أو طلب دعوة الناخبين للاستفتاء عليها بحسب الأحوال.
وفى غير الأحوال المنصوص عليها فى الفقرتين الأخيرتين من المادة (151) من الدستور، يكون للمجلس أن يوافق على المعاهدات أو يرفضها أو يؤجل نظرها لمدة لا تجاوز ستين يوما ، ولا يجوز للأعضاء التقدم بأى اقتراح بتعديل نصوص هذه المعاهدات ويُتخذ قرار المجلس فى ذلك بالأغلبية المطلقة للحاضرين.
ولرئيس المجلس أن يُخطر رئيس الجمهورية ببيان يشمل النصوص والأحكام التى تتضمنها المعاهدة والتى أدت إلى الرفض أو التأجيل.
وإذا أسفر الرأى النهائى عن موافقة المجلس على المعاهدة، أُرسلت لرئيس الجمهورية ليُصدق عليها، ولا تكون نافذة إلا بعد نشرها فى الجريدة الرسمية.
ولا يتم التصديق على المعاهدات المشار إليها فى الفقرة الثانية من المادة (151) من الدستور، إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء عليها بالموافقة.”
ولامرية أنه بموجب الحظر الدستورى المذكور يمتنع على كافة سلطات الدولة التنازل عن أى جزء من اقليم الدولة وتلحق ذات الصفة بأى اجراء سابق لم يراع الحدود الدستورية السارية حال اصداره , وبهذه المثابة يكون توقيع رئيس الوزراء على الاتفاق المبدئى – حسب التعبير الجهة الادارية الطاعنة – بتعيين الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية متلحفاً برداء غير مشروع فى اتفاقية تبدو كأعجاز نخل خاوية فليس لها في الحق من باقية , وبنص المادة (197) من اللائحة الداخلية لمجلس النواب سالفة البيان تحدد الاختصاص واستقام تخومه وهو يؤكد بقطع القول أن تغييراً فى الاختصاص لسلطات الدولة قد ولد من رحم الدستور السارى واضحت يد مجلس النواب هى الأخرى بنص الدستور والقانون معاً مغلولة ومحظورة عليه مناقشة أية معاهدة تتضمن تنازلاً عن جزء من إقليم الدولة ومنها الجزيرتين محل الطعن الماثل , وما يخالف ذلك من جانب السلطتين التنفيذية والتشريعية هو والعدم سواء .
ومن حيث إنه وبالبناء على ما تقدم ، فإن ما استندت إليه محكمة القضاء الإدارى فى أسباب حكمها الطعين وما أوردته هذه المحكمة من أسباب وفى أطار التوازن الدستوري بين نص المادة (97) والمادة (190) من الدستور الحالي – والتى حظرت أولها ، تحصين أى عمل أو قرار إدارى عن رقابة القضاء وأحكام الدستور فى عديد من المواد التى انصرفت إلى تعديل فى حدود السلطات الممنوحة لسلطات الدولة وبمقتضاها غدت جُلَ السلطات محددة النطاق ومشروطة الممارسة ، فإن الحكم المطعون فيه فيما قضي به من رفض الدفع المبدى من – المدعى عليهم بعدم اختصاص المحكمة ولائياً بنظر الدعوى – بصفتهم – فى الدعوى يكون قائماً على عُمد من الواقع والقانون ، وصادراً فى إطار أحكام القانون والدستور ، ولا يسوغ – والحال كذلك – للسلطة التنفيذية اجراء عمل أو تصرف ما محظور دستورياً ويكون لكل ذى صفة أو مصلحة اللوذ إلى القضاء لإبطال هذا العمل ، ولا يكون لها التذرع بأن عملها مندرج ضمن أعمال السيادة ، إذ لا يسوغ لها أن تتدثر بهذا الدفع لتخفى اعتداءً وقع منها على أحكام الدستور وعلى وجه يمثل إهداراً لإرادة الشعب مصدر السلطات ، وإلا غدت أعمال السيادة باباً واسعاً للنيل من فكرة سيادة الشعب وثوابته الدستورية وسبيلاً منحرفاً للخروج عليها وهو أمر غير سائغ البته ، وترى المحكمة إظهاراً لوجه الحق والقانون – وقبل التعرض للأسباب التى قام عليها تقرير الطعن الماثل – الإشارة إلى قرار رئيس جمهورية مصر العربية رقم 535 لسنة 1981 بشأن الموافقة على معاهدة فيينا لقانون المعاهدات الموقعة فى فيينا عام 1969 ، حيث نصت المادة الأولى – مادة وحيدة – من القرار المشار إليه – وكما ورد فى ديباجته – ” بعد الاطلاع على الفقرة الثانية من المادة (151) من الدستور – على ” الموافقة على معاهدة فيينا لقانون المعاهدات الموقعة فى فيينا بتاريخ 23/ 5/ 1969 مع التحفظ بشرط التصديق ، ومع ابداء التحفظ التالى على وثيقة الانضمام .” أن جمهورية مصر العربية لا تُعتبر منها طرفاً فى إطار الباب الخامس من المعاهدة فى مواجهة الدول التى تبدى تحفظات على وسائل التقاضى والتحكيم الإلزامية الواردة فى المادة (66) وفى ملحق المعاهدة.
كما إنها ترفض التحفظات التى ترد على الباب الخامس من المعاهدة ” .
ومن الأحكام التى تندرج تحت مفهوم التحفظات المشار إليها ما ورد بحكم المادة (47) من قانون المعاهدات التى تقضي بأنه إذا خضعت سلطة الممثل في التعبير عن موافقة دولة ما على الالتزام بمعاهدة معينة ، فإن عدم التزامه بهذا القيد لا يجوز أن يتخذ حجة لإبطال الموافقة التى عبر عنها المُمثل ما لم تكن الدول المتفاوضة قد أخُطرت بالقيد قبل قيام الممثل بالتعبير عن هذه الموافقة ، ولا ريب أن استناد ديباجة القرار الجمهورى المشار إليه إلى أحكام الفقرة الثانية من الدستور السارى حال صدوره (دستور 1971) قد حددت ممثل الدولة المصرية واجراءات ابرام المعاهدة وفى ظل هذا الدستور تكون المكاتبات الصادرة عن مسئولين مصريين – دون – رئيس الجمهورية أو بعد اتخاذ اجراء موافقة مجلس الشعب على أى تصرف بخصوص الجزيرتين – محل التداعى – لا أثر لها خاصة فى ظل إعلاء مصر من شأن أحكام دستورها بالقرار المشار إليه وما أوجبه من إجراءات على ابرام المعاهدات بتحفظها على معاهدة من المعاهدات الشارعة والمنظمة لقواعد الاتفاق الدولى ، وأن المحاججة بخطابات أو اجتماعات أو اتصالات صدرت عن مسئولين مهما علت وظائفهم – فضلاً عن مخالفته لأحكام القرار الجمهورى المتضمن قواعد التصديق على الاتفاق الدولى – فإنها لا تمثل مانعاً أمام القضاء الداخلى من التعرض للإجراء الذى تقوم به الحكومة حالياً فى ظل دستور جديد تمسك بموروث دستورى يحمى حق الدولة على أرضها ورادعاً لكل اعتداء على سيادتها ،أو ينال من شواهد سيادة مصر على الوجه الذى عرضته أو ستعرضه المحكمة فى اسباب حكمها.
كما أن قرار رئيس الجمهورية رقم 27 لسنة 1990 لم يتضمن أى تعديل على التحفظ الوارد بقرار رئيس الجمهورية رقم 535 لسنة 1981 ( وسيرد فى اسباب الحكم مدلول القرار الجمهورى رقم 27 لسنة 1990 المشار إليه وأثره فى النزاع ) وقاطع القول ينصرف إلى أن التحفظ على الانضمام لهذه المعاهدة المؤسسة لقواعد الاتفاق الدولى يمثل مظهراً من مظاهر سيادة الدولة يستدعى احترامه من خارج الدول المتحفظة وداخلها من باب أولى – والنزاع – محل الطعن الماثل – هو نزاع داخلى وطنى بين الدولة ممثلة فى الطاعنين بصفاتهم والمطعون ضدهم والخصوم المتدخلين ، وفى اطار سلطة القضاء الوطنى الذى عليه واجب احترام الدستور والآليات التشريعية المنظمة للفصل فى النزاع ، فإن نكص عن واجب مفروض عليه كان منكراً للعدالة ، ولا يحاج على ذلك بأن فى ذلك نيل من التزام التزمت به الدولة تجاه دولة أخرى – بحسبان الالتزام لا يقع صحيحاً فى مفهوم المحكمة إلا إذا تم سليماً وبإجراءات دستورية وقانونية ، وقد أفصح تقرير الطعن المرفق على أن ما تم – هو اتفاق مبدئى – بين حكومتى جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية محله إعادة جزيرتي تيران وصنافير بناءً على ما انتهت إليه محادثات طالت سنين عدة وأعمال لجان متخصصة ، وإذا كانت كافة الإجراءات المدعى اتخاذها من جانب الحكومة لم تستهد بأحكام الدساتير المصرية والقوانين والقرارات الجمهورية المنظمة لعملها بشأن موضوع ينال من سيادة الدولة أو جزء من أرضها, ويرتب التزاماً دولياً عليها , فإن ذلك يقطع بأن المسألة المعروضة وما يلامسها لا تخرج عن كونها إجراءات إدارية وسّد الاختصاص بالفصل فى مشروعيتها أو بطلانها إلى جهة القضاء الإدارى صاحبة الاختصاص الدستورى بالفصل فى المنازعات الإدارية ، والقضاء الإدارى ، وهو جزء من السلطة القضائية حال تصديه لهذا النزاع يكمل منظومة الرقابة على أعمال الحكومة فيقر ما يكون صحيحاً منها ويلغى ما خرج عن نطاق أحكام القانون والواقع وأصطدم بأحكام الدستور الآمرة ، ولا يسوغ له أن يتنظر حتى تكتمل للمخالفة أركانها غير المشروعة فدور قاضى القانون العام لا يقف عن حد الفصل فى الخصومة القضائية وإنما تبصير سلطات الدولة بدورها وحدود هذا الدور المرسوم لها دستورياً , وهو ما يمثل وجه المصلحة الأخرى للجهة الطاعنة من السير فى اجراءات الطعن .
ومن حيث إنه عن ما ورد بتقرير الطعن من مخالفة الحكم للقانون فيما قضي به من عدم قبول الدعوي بالنسبة للطاعن الثالث بصفته – رئيس مجلس النواب – فإن المحكمة وفى اطار مفهوم الدولة القانونية المنصرف إلى أنها الدولة التى تتقيد فى كافة مظاهر نشاطها – وأياً كانت طبيعة سلطاتها – بقواعد قانونية تعلو عليها ، وتكون بذاتها ضابطاً لأعمالها وتصرفاتها في أشكالها المختلفة ، بحسبان ممارسة السلطة لم تعد امتيازاً شخصياً لأحد ، وإنما تباشرها نيابة عن الجماعة ولصالحها ، وكان حتماً أن تقوم الدولة – فى مفهومها المعاصر – وخاصة فى مجال توجهها نحو الحرية – على مبدأ مشروعية السلطة مقترناً ومعززاً بالخضوع للقانون باعتبارهما مبدآن متكاملان لا تقوم بدونهما المشروعية فى أكثر جوانبها أهمية ، ولأن الدولة القانونية هى التى يتوافر لكل مواطن فى كنفها الضمانة الأولية لحماية حقوقه وحرياته ولتنظيم السلطة وممارستها فى اطار من المشروعية ، وهى ضمانة يدعمها القضاء من خلال استقلاله وحصانته لتصبح القاعدة القانونية محوراً لكل تنظيم ، وحداً لكل سلطة ، وردعاً ضد العدوان عليها ( المحكمة الدستورية العليا القضية رقم 22 لسنة 8 ق دستورية ، بجلسة 4/ 1/ 1992 ، مجموعة المبادئ التى قررتها المحكمة العليا والمحكمة الدستورية العليا فى أربعين عاماً ص 815 وما بعدها – والقضية رقم 233 لسنة 26 ق دستورية بجلسة 6/ 4/ 2008)
ومن حيث إن الدستور المصري الساري قد حدد اختصاص مجلس النواب بشأن المعاهدات باعتبار أن موافقته واجبة على كل ما تبرمه الدولة من معاهدات حددتها الفقرة الأولي من المادة (151) من الدستور ، وإن الفقرة الثانية قصرت دور مجلس النواب على المصادقة على ما ينتهى إليه الشعب باعتباره الوكيل عن صاحب السيادة الذى اثر الدستور أن يتولاه بنفسه دون وكيل باعتبار أن موافقته الشرط الوحيد اللازم للمصادقة على الاتفاقية بعد دعوته الواجبة كما سلف البيان ,فسلطة مجلس النواب فى مسائل السيادة سلطة تقرير لإرادة الشعب ويكون رأيه متمماً لتلك الارادة يلتحم فيها الوكيل بالموكل , ويكون دور الوكيل محصوراً فى صوغ التعبير عن هذه الإرادة رفضاً أو قبولاً , فإذا ما باشرت السلطة التنفيذية اختصاصاً متصلاً بهذا النوع من المعاهدات أو تلك التى نظمتها الفقرة الاخيرة من المادة 151 من الدستور تمحور النزاع حول عمل إدارى لا يسوغ أن تتدخل فيه السلطة التشريعية طرفاً فيه كمشرع . وإذ أخرج القضاء المطعون فيه الطاعن الثالث بصفته المُمثل القانونى لمجلس النواب يكون قد التمس وجه الحق وأنزل صحيح حكم القانون والدستور ، وتطرح المحكمة – من ثم – ما ورد بتقرير الطعن من أن الرقابة على الاتفاقية المشار إليها محجوزة فقط للبرلمان بحسبان الفصل فى النزاع معقود للقضاء الإدارى ، واستقر في يقين المحكمة – كما سلف البيان – أن النزاع الماثل لم يرق إلى كونه التزاماً دولياً ، كما أنه يخرج عن نطاق تطبيق أحكام الفقرة الأولى من المادة (151) من الدستور والتى وسدّت لمجلس النواب دوراً واجباً فى الموافقة على المعاهدات فى غير الحالتين التى أشارت إليهما الفقرتين الثانية والثالثة منها .
وتجدر الإشارة إلى أنه بالرجوع إلى أعمال لجنة الخبراء العشرة والخاصة بإعداد الدستور، فإنه قد أشار أحد أعضائها ص 73 بأن ” أى شئ يتعلق بحقوق السيادة لن يكون محل معاهدات ” ، ومن نافلة القول الإشارة إلى أن المحكمة تقصر قضائها فى خصوص هذه المسألة على دور مجلس النواب كسلطة تشريعية تمارس دوراً فى إطار الدستور ودون تخط لآلياته الأخرى بشأن الرقابة على أعمال الحكومة ، ولايسوغ أن يكون مجلس النواب طرفاً فى الخصومة الماثلة – ومحلها – اجراء أو عمل إدارى صدر عن رئيس الوزراء على الوجه سالف بيانه ويكون إخراج الحكم المطعون فيه الطاعن الثالث بصفته ( رئيس مجلس النواب ) من الخصومة قاضياً بعدم قبول الدعوى لرفعها على غير ذى صفه بالنسبة له ، ملتمساً وجه الحق ومنزلاً صحيح حكم القانون والدستور , فإذا ما زج به كجهة فصل فى خصومة فالبرلمان ينشئ ويقرر فى إطار دوره الدستورى , أما الفصل فى الخصومة اختصاص معقود للقضاء .
ومن حيث إنه عن ما أبداه الحاضر عن الطاعنين بصفاتهم من عدم قبول تدخل الخصوم المنضمين والنعي على الحكم الطعين لقضائه بقبول تدخلهم كخصوم منضمين إلى جانب المدعيين فى الدعويين ، فإن المادة (4) من الدستور تنص على أن ” السيادة للشعب وحده يمارسها ويحميها ، وهو مصدر السلطات ، ……………………”
وحق المشاركة السياسية والدفاع عن حقوق الشعب لا تقتصر على وسائل التعبير عن الرأى ، وإنما تمتد إلى حق اللجوء إلى القاضى لمنازعة سلطات الدولة فيما يراه اعتداءً على حقوقه الدستورية أو عصفاً بالمبادئ الدستورية ، وقد بسطت أحكام المادة (126) من قانون المرافعات المدنية والتجارية إنه يجوز لكل ذى مصلحة أن يتدخل منضماً فى الدعوي ……… ، كما استقر قضاء هذه المحكمة على إنه وإن كان يجب أن تكون المصلحة شخصية ومباشرة وقائمة إلا أنه فى مجال دعوى الإلغاء ، وحيث تتصل هذه الدعوى بقواعد واعتبارات المشروعية والنظام العام يتسع شرط المصلحة لكل دعوى إلغاء رافعها فى حالة قانونية خاصة
بالنسبة إلى القرار المطعون فيه من شأنها أن تجعل هذا القرار مؤثراً فى مصلحة جدية له .( المحكمة الإدارية العليا فى الطعنين رقمي 16834 ، 18971 لسنة 52 ق. ع بجلسة 16/ 12/ 2006 ). ولا جدال فى أن طالبى التدخل فى حالة قانونية شأنهم شأن رافعى الدعوى باعتبارهم من المواطنين المصريين ، وتقضى المحكمة برفض طلب عدم قبول تدخلهم وتطرح ما شمله الطلب من أسباب لوروده مرسلاً دون سند .
ومن حيث إنه عن الطلب المقدم من هيئة قضايا الدولة نائبة عن الطاعنين ، والمبدى أمام المحكمة بوقف نظر الطعن وقفاً تعليقاً لحين الفصل منازعتي التنفيذ رقمي 37 ، 49 لسنة 38 ق – منازعة تنفيذ ، والتى طلبت فيهما – كما
سطرت الصورة طبق الأصل المرفقة أوراق الطعن – أولاً :- وبصفة مستعجلة بوقف تنفيذ الحكم الصادر من محكمة القضاء الإدارى بالقاهرة فى الدعويين رقمى 43709 ، 43866 لسنة 70 ق – بجلسة 21/ 6/ 2016 ، فيما تضمنه من اختصاص محاكم مجلس الدولة بنظر المنازعة ، ثانياً:- بالاستمرار فى تنفيذ الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية العليا فى الطعون والقضايا أرقام 3 لسنة 1 ق . دستورية ، 48 لسنة 4 ق.دستورية ، 4 لسنة 12 ق .دستورية ، 10 لسنة 14 ق .دستورية ، 139 لسنة 17 ق . دستورية ، 166 لسنة 34 ق. دستورية ، والطلب رقم 37 لسنة 38 ق. دستورية ، والحكم بالاستمرار فى تنفيذ الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية العليا فى الطعون أرقام 139 لسنة 17 ق . دستورية ، 48 لسنة 4 ق . دستورية ،10 لسنة 14 ق . دستورية ، 20 لسنة 34 ق . دستورية ، 30 لسنة 17 ق .دستورية ، وفى الطلبين – عدم الاعتداد بالحكم الصادر من محكمة القضاء الإدارى بالقاهرة فى الدعويين رقمى 43709 ، 43866 لسنة 70 ق بجلسة 21/ 6/ 2016 ، مع إلزام المقدم ضدهم المصروفات ، واستند الطاعنون فى طلباتهم إلى حكم المادة (50) من قانون المحكمة الدستورية العليا ، والتى تنص على أن ” تفصل المحكمة دون غيرها فى كافة المنازعات المتعلقة بتنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة منها .
وتسرى على هذه المنازعات الأحكام المقررة فى قانون المرافعات المدنية والتجارية بما لا يتعارض وطبيعة اختصاص المحكمة والأوضاع المقررة أمامها .
ولا يترتب على رفع المنازعة وقف التنفيذ مالم تأمر المحكمة بذلك حتى الفصل فى المنازعة .”
وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جري على أن قوام منازعة التنفيذ أن يكون تنفيذ حكم المحكمة الدستورية العليا لم يتم وفقاً لطبيعته وعلى ضوء الأصل فيه بل اعترضته عوائق تحول قانوناً – بمضمونها أو ابعادها – دون اكتمال مداه وتعطل تبعاً لذلك أو تقيد اتصال حلقاته وتضاممها بل يعرقل جريان آثاره كاملة دون نقصان ، ومن ثم تكون عوائق التنفيذ هى ذاتها موضوع منازعة التنفيذ ، تلك الخصومة التى تتوخى فى غايتها النهائية إنهاء الآثار القانونية المصاحبة لتلك العوائق أو الناشئة عنها أو المترتبة عليها ، ولا يكون ذلك إلا بإسقاط مسبباتها وإعدام وجودها لضمان العودة بالتنفيذ إلى حالته السابقة على نشوئها ، وكلما كان التنفيذ متعلقاً بحكم صدر عن المحكمة الدستورية العليا فإن حقيقة مضمونه ونطاق القواعد القانونية التى يضمها والآثار المتولدة عنها فى سياقها وعلى ضوء الصلة الحتمية التى تقوم بينهما هى التى تحدد جميعها شكل التنفيذ وصورته الإجمالية وما يكون لازماً لضمان فاعليته ، بيد أن تدخل المحكمة الدستورية العليا لهدم عوائق التنفيذ التى تعترض أحكامها وتنال من جريان آثارها فى مواجهة الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين جميعهم دون تمييز يفترض أمرين : أولهما : أن تكون هذه العوائق سواء بطبيعتها أو بالنظر إلى نتائجها حائلة دون تنفيذ أحكامها أو مقيدة لنطاقها . ثانيهما : أن يكون استنادها لتلك الأحكام وربطها منطقيا بها ممكناً ، فإذا لم تكن لها بها من صلة فإن خصومة التنفيذ لا تقوم بتلك العوائق بل تعتبر غريبة عنها منافية لحقيقتها وموضوعها.
(حكم المحكمة الدستورية العليا فى الطعن رقم 12 لسنة 34 قضائية – منازعة تنفيذ – جلسة 1/ 10/ 2016 )
كما أفصحت المحكمة عن موقفها من تحديد مدي اعتبار المنازعة منازعة تنفيذفى حكمها الصادر فى القضية رقم 2 لسنة 21 ق . منازعة تنفيذ – جلسة 2/ 12/ 2001 مجموعة مبادئ المحكمة الدستورية العليا – الجزء التاسع ) ، بـأن: (منازعات التنفيذ التى ينعقد الاختصاص بالفصل فيها للمحكمة الدستورية العليا قد حددتها المادة (50) من قانونها التى تنص على أن ( تفصل المحكمة دون غيرها فى كافة المنازعات المتعلقة بتنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة منها ……….. )، ومن ثم فإن اختصاص هذه المحكمة لا يمتد إلى الفصل فى المنازعات المتعلقة بتنفيذ الأحكام الصادرة من جهات قضائية أخرى،وأن المحكمة وهى تعطى الدعوى وصفها الحق وتكييفها القانونى السليم ، بعد أن تستظهر طلبات الخصوم وتستجلى معانيها وتقف على مراميها الحقيقية دون التقيد بألفاظها وعباراتها ، ولما كانت صحيفة الدعوى تتعلق بأن الدعوى الماثلة لا تعدو أن تكون استشكالاً فى تنفيذ الحكم الصادر من محكمة جنايات القاهرة فى القضية رقم 5260 لسنة 1999 بولاق) , ومن ثم قضت المحكمة فى هذه المنازعة بعدم اختصاصها بنظر الدعوى.
ومن حيث إنه – وفى ضوء ما تقدم وما رسخ فى عقيدة المحكمة ووقر فى وجدانها – من أن المحكمة الدستورية العليا – وهي الأقدر على حسم أمر منازعتي التنفيذ المطلوب وقف تنفيذ نظر الطعن تعليقياً لحين الفصل فيهما –
باعتبارها القوامة على ما قد يدعي به من الطاعنين بصفاتهم بشأن تنفيذ أحكامها وواجب احترامها وأن دورها لا يقف عند هذا الحد وإنما يمتد إلى مراعاة أحكام الدستور والحدود الفاصلة بين سلطات الدولة واستقلال القضاء ومظهره حجية أحكامه ، وإنها لا تباشر اختصاصاً – فى هذا الصدد – كمحكمة طعن فيما يصدر عن جهتي القضاء من أحكام نهائية أو باتة ، وإنها الأدق فهماً لطبيعة عمل القاضى الإدارى الذى يشارك قضائها صفة قاضى القانون العام ، وأن ما يعرض عليه من منازعات هو تطبيق لما يصدر عن السلطة العامة وحتى وإن كان متصلاً بحكم صادر عن المحكمة الدستورية ( ويكون العمل حينئذٍ تنفيذاً له أو لمقتضياته ) ، وهو أمر لا يرد غالباً عليه فى منازعات الأفراد فيما بينهم حين تعرض على القضاء العادى ، وإن رقابة محكمة القضاء الإدارى على القرارات والمنازعات الإدارية هى رقابة قانونية تسلطها عليها لتحسم أمر مشروعيتها سواء من حيث مطابقتها أو عدم مطابقتها للقانون ، وهذا بدوره هو عين اختصاص المحكمة الإدارية العليا بحسبان النشاطين وإن اختلفا فى المرتبة فإنهما متماثلان فى الطبيعة ومردهما فى النهاية إلى مبدأ المشروعية .
ومن حيث إنه ولما كان الأمر كذلك وكانت محكمة القضاء الإدارى – فى الحكم المطلوب عدم الاعتداد به – قد حسمت أمر طبيعة المنازعة على إنها منازعة إدارية ، وأيدتها – هذه المحكمة – بقضائها الماثل – على النحو السالف بيانه بما يقطع بأن المنازعة محل الطعن الماثل منازعة إدارية تدخل فى الاختصاص المحجوز لجهة القضاء الإدارى عملاً بحكم المادة (190) من الدستور الحالى، وأن ما استشهدت به هيئة قضايا الدولة من أحكام صادرة فى دعاوى دستورية أو غيرها من الأحكام على الوجه المفصل آنفاً لا يمثل – يقيناً – فى عقيدة المحكمة مانعاً لتنفيذ حكم صادر عن المحكمة الدستورية العليا ، ولا يسوغ للجهة الطاعنة بحال من الأحوال التستر بإقامة منازعات تحت مسمى منازعات تنفيذ أمام المحكمة الدستورية العليا ، وهى فى حقيقتها وطبيعتها لا تخرج عن كونها استشكالاً أقيم أمام محكمة غير مختصة لوقف تنفيذ حكم نهائى صادر عن جهة القضاء الإدارى ، وكانت المحكمة الدستورية وما زالت مشيدة لبناته الأساسية وخاصة فيما يتعلق بقضائها المستقر على اختصاص محاكم مجلس الدولة بالفصل فى منازعات التنفيذ التى تتعلق بأحكامها وهو ما استلهمه الدستور الحالى الذى وسد لجهة القضاء الإدارى دون غيره ولاية الفصل فى أى استشكال على تنفيذ أحكامه .
ومن حيث إن المادة (129) من قانون المرافعات تنص على إنه ” فى غير الأحوال التى ينص فيها القانون على وقف الدعوى وجوباً أو جوازاً يكون للمحكمة أن تأمر بوقفها كلما رأت تعليق حكمها فى موضوعها على الفصل فى مسألة أخرى يتوقف عليها الحكم ……….” ولا ريب أن التقدير الممنوح للمحكمة فى أن تأمر بوقف نظر الدعوى تعليقياً ، ومن ثم إجابة طلب أى طرف من أطراف الخصومة قرين أن تكون المسألة المعروضة على محكمة أخرى لازمة للفصل فى موضوع الدعوى المعروضة على المحكمة التى تنظر الدعوى (الطعن) ، وباستعراض ما استندت إليه الجهة الطاعنة من أحكام صادرة عن المحكمة الدستورية العليا واتخاذهما محلاً لمنازعتى وقف التنفيذ المعروضتين عليها – سواء تلك التى تتصل بدستورية المادة (17) من قانون السلطة القضائية أو بعض الاتفاقيات الأخرى أو عدم دستورية بعض المواد على الوجه المبين بصحيفتى طلب منازعة التنفيذ وكلها أمور لا تتصل – فى عقيدة المحكمة بالنزاع المعروض – ومحله منازعه إدارية صدرت بشأن تعيين الحدود بين مصر ودولة أخرى لم يقم بها المفهوم القانونى للالتزام الدولى طبقاً لأحكام الدستور المصرى والقوانين المصرية والقرار الجمهورى المنظم لإبرام أى أتفاق دولى ، ويكون حقيق الطلب – من ثم – منصرفاً إلى أمرين أولهما : منع المحكمة الإدارية العليا من أن تنزل صحيح حكم القانون واعمال رقابتها على الحكم الصادر من محكمة القضاء الإدارى – المطلوب عدم الاعتداد به . وثانيهما : الزج بالمحكمة الدستورية العليا فى آتون منازعة إدارية تندرج تحت اختصاص محاكم مجلس الدولة ، والتى صرحت الجهة الطاعنة فى تقرير طعنها بأنه (اتفاق مبدئى ) ومع ذلك اعتبرت الحكم الطعين يمثل مانعاً قانونياً وهو ما يخالف الفهم الدستورى السليم للأحكام المنظمة لحقوق السيادة وعدم التنازل عن الأراضى المصرية بغض النظر عن كل ما أثارته الجهة الطاعنة فى مذكرات دفاعها ومرافعاتها الشفهية واعترافها الصريح باتجاه إرادة الحكومة إلى رد الجزيرتين إلى دولة أخرى وإخراجهما من نطاق سيادة مصر ، وهو أمر يدور- كما سلف البيان- بين حق الشعب فى الموافقة على المعاهدات التى تتعلق بسيادته على أرضه والذى لا ينوب عنه بشأنها أي سلطة من سلطات الدولة أو منصة من منصات القضاء أو التنازل عن أى جزء من الأراضي المصرية وهو الأمر المحظور على كافة سلطات الدولة ، بل أن الشعب صاحب السيادة لا يملك الموافقة عليه باعتبار التراب الوطنى له قداسته وقدسيته بما يستوجب الحفاظ عليه للجيل الحالى والأجيال القادمة ، ومن ثم تقضى المحكمة برفض طلب الجهة الطاعنة وقف تنفيذ الطعن وقفاً تعليقياً .
ومن حيث إنه لا ينال مما تقدم الحكم الصادر من قاضي التنفيذ – محكمة الأمور المستعجلة فى الدعوى رقم 1863 لسنة 2016 مستعجل القاهرة بجلسة 29/ 9/ 2016 – وما قد يعلوه من أحكام تصدر من ذات جهة القضاء – والذى قضى بوقف تنفيذ حكم محكمة القضاء الإدارى محل الطعن ، ذلك أن المادة(190) من دستور جمهورية مصر العربية الحالى الصادر فى 18/ 1/ 2014 تنص على أن ” مجلس الدولة جهة قضائية مستقلة ، يختص- دون غيره – بالفصل فى المنازعات الإدارية ، ومنازعات التنفيذ المتعلقة بجميع أحكامه ، كما يختص بالفصل فى الدعاوى والطعون التأديبية …..” .
وكانت المادة ( 172) من دستور جمهورية مصر العربية السابق الصادر عام 1971 تنص على أن ” مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة يختص بالفصل فى المنازعات الإدارية والطعون التأديبية ….” .
وتنص المادة (1) من قانون السلطة القضائية الصادر بالقانون رقم 46 لسنة 1972 على أن ” تتكون المحاكم من : (أ) محكمة النقض .(ب) محاكم الاستئناف .(ج) المحاكم الابتدائية.(د ) المحاكم الجزئية .
وتختص كل منها بنظر المسائل التى ترفع إليه طبقاً للقانون “.
وتنص المادة (15) من ذات القانون على أنه ” فيما عدا المنازعات الإدارية التى يختص بها مجلس الدولة ، تختص المحاكم بالفصل فى كافة المنازعات والجرائم إلا ما استثنى بنص خاص .وتبين قواعد اختصاص المحاكم فى قانون المرافعات وقانون الإجراءات الجنائية . ” .
وتنص المادة (10) من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1972 على أن ” تختص محاكم مجلس الدولة دون غيرها بالفصل فى المسائل الآتية ………….” : رابع عشر : سائر المنازعات الإدارية ………”
وتنص المادة (23) من ذات القانون على أنه ” يجوز الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا فى الأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإدارى أو من المحاكم التأديبية وذلك فى الأحوال الآتية :………………….”
وتنص المادة (46) منه على أن ” تنظر دائرة فحص الطعون الطعن بعد سماع إيضاحات مفوضى الدولة وذوى الشأن ، إن رأى رئيس الدائرة وجهاً لذلك ، وإذا رأت دائرة فحص الطعون أن الطعن جدير بالعرض على المحكمة الإدارية العليا ، إما لأن الطعن مرجح القبول أو لأن الفصل فى الطعن يقتضى تقرير مبدأ قانونى لم يسبق للمحكمة تقريره أصدرت قراراً بإحالته إليها أما إذا رأت – بإجماع الآراء – أنه غير مقبول شكلاً أو باطل أو غير جدير بالعرض على المحكمة حكمت برفضه –”
وتنص المادة (50) منه على إنه ” لا يترتب على الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا وقف تنفيذ الحكم المطعون فيه إلا إذا أمرت دائرة فحص الطعون بغير ذلك ——.”
ومفاد ذلك ، ووفقاً لما استقر عليه قضاء المحكمة الإدارية العليا ، أنه بصدور دستور جمهورية مصر العربية السابق عام 1971 أصبح مجلس الدولة صاحب الولاية العامة في نظر سائر المنازعات الإدارية كما أن المحكمة الدستورية العليا قد جرى قضاؤها في ظل العمل بدستور عام 1971 على ” إن المنازعة فى تنفيذ حكم صادر من جهة القضاء الإدارى- والتى تستهدف إما المضى فى التنفيذ وإما إيقافه وإن وصفت من حيث نوعها بأنها منازعة تنفيذ،إلا أن ذلك لا ينفى انتسابها- كأصل عام – إلى ذات جنس المنازعة التى صدر فيها ذلك الحكم، وبالتالى تظل لها الطبيعة الإدارية وتندرج بهذا الوصف ضمن منازعات القانون العام التى يختص بنظرها القضاء الإدارى. ولا يغير من ذلك نص المادة 275 من قانون المرافعات على اختصاص قاضى التنفيذ- باعتباره شعبة من شعب القضاء العادى- بمنازعات التنفيذ الموضوعية والوقتية، إذ هو من قبيل الاختصاص النوعى وبالتالى ينصرف هذا الحكم إلى منازعات التنفيذ التى تختص بأصلها جهة القضاء العادى دون أن تجاوزها إلى اختصاص محجوز لجهة القضاء الإدارى . ” ( حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 11 لسنة 20 قضائية ” تنازع ” جلسة 1/ 8/ 1999).
ثم صدر دستور جمهورية مصر العربية الحالي عام 2014 ، مستكملاً السياج الحصين الذي أحاط به اختصاص مجلس الدولة ، فوسد في المادة (190 ) منه لمجلس الدولة – دون غيره – الاختصاص بالفصل في المنازعات الإدارية ومنازعات التنفيذ المتعلقة بجميع أحكامه ، تكريساً للقضاء المستقر للمحكمة الإدارية العليا وللمحكمة الدستورية العليا على النحو سالف الإلماح ، وإنفاذاً لهذا النص الدستورى الآمر – وهو نص نافذ بذاته ولا يتطلب العمل به صدور تشريع لاحق – لم يعد ثمة شك في أن منازعات التنفيذ المتعلقة بالأحكام الصادرة من محاكم مجلس الدولة باتت من اختصاص هذه المحاكم دون غيرها توحيداً للقواعد الإجرائية والموضوعية التى تحكم الخصومة في مجال المنازعات الإدارية والتى لا تستقيم عدلاً إلا إذا اُخضعت لقواعد موحدة سواء فى مجال اقتضائها أو الدفاع عنها أو الطعن فى الأحكام التى تصدر فيها .
ومن حيث إن قانون السلطة القضائية الصادر بالقانون رقم 46 لسنة 1972 وقانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1972 ، واللذين صدرا فى ظل العمل بأحكام دستور عام 1971 ، قاطعين في دلالتهما على اختصاص مجلس الدولة – دون غيره – بالفصل في المنازعات الإدارية ومنازعات التنفيذ المتعلقة بجميع أحكامه ، وآية ذلك أمران: أولهما : أن اختصاص محاكم القضاء العادى – بجميع مستوياتها بما فيها المحاكم الجزئية التى عهد لها الاختصاص بنظر منازعات التنفيذ – ينحسر تماماً عن المنازعات الإدارية التى يختص بها مجلس الدولة ، إعمالاً لصريح نص المادة (15) من قانون السلطة القضائية . ثانيهما : أن قانون مجلس الدولة أفرد تنظيماً متكاملاً لحجية الأحكام التى تصدر عن محاكم مجلس الدولة بكافة مستوياتها ،وكيفية الطعن فيها ، والمحكمة التى لها وقف تنفيذ الحكم ، فالأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإدارى والمحاكم التأديبية نافذة مالم تأمر دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا بوقف تنفيذها ، والأحكام الصادرة من المحاكم الإدارية نافذة مالم تأمر محكمة القضاء الإدارى بوقف تنفيذها – المادة (50 ) من قانون مجلس الدولة – وتبعاً لذلك وأمام هذا التنظيم التشريعى المحكم لا يجوز لأية محكمة تابعة للقضاء العادى أن تأمر بوقف تنفيذ أي حكم صادر من محاكم مجلس الدولة ،إذ فى ذلك خرق صارخ لأحكام الدستور والقانون ، وافتئات على الاختصاص الموسَد لمجلس الدولة بحسبانه قاضى القانون العام فى المنازعات الإدارية والدعاوى التأديبية ، وما فتئ قائماً عليها باسطاً ولايته على مختلف أشكالها وتعدد صورها .
وإذ كان ما تقدم ، وكان قضاء المحكمة الإدارية العليا ، وكذا قضاء محكمة النقض قد جرى على أن الحكم الصادر من جهة قضاء خارج تخوم ولايتها معدوم الحجية أمام الجهة صاحبة الولاية في النزاع ( حكم محكمة النقض فى الطعن رقم 194 لسنة 30 قضائية جلسة 24/ 12/ 1966 ، وحكمها فى الطعن رقم 736 لسنة 33 قضائية جلسة 2/ 5/ 1967 ) وكانت محكمة الأمور المستعجلة بحكمها الصادر في الدعوى رقم 1863 لسنة 2016 مستعجل القاهرة الصادر بجلسة 29/ 9/ 2016 قد تجاوزت حدود ولايتها ، وقضت بوقف تنفيذ الحكم الصادر من محكمة القضاء الإدارى بجلسة 21/ 6/ 2016 فى الدعويين رقمى 43709 ، 43866 لسنة 70 قضائية فإن حكمها يستوى عدماً أمام دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا صاحبة الاختصاص الأصيل في نظر الطعن فى الأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإدارى وصاحبة الولاية وحدها في وقف تنفيذ حكمها من عدمه، ومن غير المتصور قانوناً أن يكون الحكم المنعدم مرتباً لأية آثار في محيط العلائق القانونية ، ذلك أن انعدامه إفناء لذاتيته يقتلعه من منابته، ويجتثه من قواعده، ليحيله هباء منثوراً، فلا يولد حقاً، ولا يتعلق به التزام، بعد أن هدم الدستور، وجرده من كل أثر بعدوانه على قواعده وهى التى تسمو على كافة القواعد القانونية ، ولا استواء له، فليس له من عمد يرفعه، ولا من كيان يقيمه، ولا نص يعينه ، بل ينهدم من أساسه ليفقد وجوده ، وحسبه أنه غير شىء ولا يحول الحكم المنوه عنه دون دائرة فحص الطعون مباشرة ولايتها في نظر الطعن على حكم محكمة القضاء الإدارى المشار إليه ، والفصل فيه على وجه الحق وبما يتفق وصحيح أحكام القانون .
وفوق ما تقدم فإن المستقر عليه فقهاً وقضاءً ، إعمالاً لنص المادة (312) من قانون المرافعات المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 13 لسنة 1968 المستبدلة بالقانون رقم 95 لسنة 1976 ، أن الإشكال في التنفيذ لا يجوز أن يؤسس على وقائع سابقة على الحكم المستشكل فيه ،لأن هذه الوقائع كان من الواجب إبداؤها أمام المحكمة التى أصدرت الحكم المستشكل فيه ، كما ينبغى ألا يؤسس الأشكال على تخطئة الحكم ، فلا يجوز أن يطلب المستشكل وقف تنفيذ الحكم بحجة أن المحكمة قد أخطأت في تطبيق القانون ،أو أنها غير مختصة ، فمثل هذه الإشكالات لا تُقبًل لأن الإشكال ليس طريقاً من طرق الطعن في الأحكام ، كما أن قاضي التنفيذ ليس جهة طعن ، وما يعترى الحكم من عيوب لا يكون أمام ذى الشأن حيالها إلا أن يطعن على الحكم بطريق من طرق الطعن المختلفة ( فى هذا المعنى حكم محكمة النقض فى الطعن رقم 1005 لسنة 31 قضائية ، جلسة 2/ 10/ 1962 ) .
وقد عمدت محكمة الأمور المستعجلة بحكمها المنوه عنه فوق مخالفتها لقواعد الاختصاص الولائى المقررة دستوراً وقانوناً كما سلف بيانه إلى مناقشة حكم القضاء الإدارى محل النزاع ونصبت نفسها محكمة أعلى لنقضه وتعديله لا قاضى تنفيذ تتحدد ولايته فى إزالة ما يعرض من عقبات تحول دون تنفيذ الحكم متغافلة أوغافلة عن القواعد والأطر الدستورية والقانونية المنظمة لاختصاصاتها مما لا مناص معه من اعتبار حكمها عدما لا طائل منه ومحض عقبة مادية تنحيها المحكمة المختصة- دائرة فحص الطعون- جانباً غير عابئة به وهى بصدد ولايتها الأصيلة بنظر الطعن المعروض ، وهذه الولاية التى قررها كما سلف البيان الدستور المصرى وأحكام المحكمة الدستورية العليا ولا يمثل عدم إصدار تشريع يقطع بنصوصه فى اختصاص جهة القضاء الإدارى بالنظر في منازعات التنفيذ المتعلقة بأحكامه مانعاٌ بحسبان هذا التشريع حال صدوره لا يمثل إلا تنظيماً للمنظم وتأكيداً للمؤكد من الأمر بسند أعلى مرجعه المادة (190) من الدستور .
وتسجل المحكمة – بعد أن حسمت اختصاصها الولائى الاصيل – أن هذا النزاع هو نزاع وطني خالص تتوافر فيه صفة المنازعة الإدارية وليس نزاعاً دولياً ويفصل فيه القاضى الوطنى وفقاً للدستور المصرى والقوانين المصرية ومنظورهما للاتفاقيات الدولية واحترام قواعد القانون الدولى التى لا يغم على القاضى الادارى إدراكها وتحصيلها وهو الذى ينشئ القاعدة القانونية واجبة التطبيق علي النزاع الوطنى المطروح امامه .
ومن حيث إنه عن ما أبدته الجهة الطاعنة من أسباب للطعن على الحكم المطعون فيه فإن مقولة أن حق الدولة على إقليمها هو حق ملكية يمثل خلطاً بين السيادة الإقليمية وبين الملكية مرجعه أن بعض الفقه والقضاء الدولي في إطار الفقه التقليدي يذهب إلى استعارة بعض قواعد القانون الدولى من قواعد القانون الداخلى وخصوصاً ماكان ينحدر من قواعد القانون الرومانى الذى كان سبب ذلك الخلط فى التشبيهبين الموضوعين , ويبنى هؤلاء الفقهاء اعتقادهم على ما يلاحظونه من تشابه بين سيادة الدولة على إقليمها وبين الملكية، فالحق فى السيادة والحق فى الملكية كلاهما مقصورعلى صاحبه يخوله الحق سلطة التصرف في المال أوالشىء موضوعه، وذلك على الرغم من أنه وفقاً للمفاهيم الحديثةلأحكاما لقانون الدولى المعاصر ليس هنا كما يبرر وجود هذا الخلط فالسيادة فى ضوء قواعد هذا القانون لها مدلول قانونى مجرد يقوم على اعتبار الدولة أعلى سلطة فى داخل إقليمها، وهذا الإقليمه والإطار الذى تباشر الدولة سلطتها فيه، ومن ثم يتعذر تشبيه سلطات الدولة واختصاص هيئاتها بالملكية الخاصة للأفراد , ذلك أن حق الدولة على إقليمها ليس حق ملكية وإنما هو حق سياسى يشتمل على مجموعة من الحقوق التشريعية والتنفيذية والقضائية التى تسرى على إقليم الدولة كما سلف البيان , ومؤدى ذلك أن الإقليم هو الذي تمارس فيه الدولة سلطتها السياسية ،وهو الموضوع المباشر لسيادة الدولة التى تفترق عن حقا لملكية العينية وعن سيادة الأشخاص على ممتلكاتهم الخاصة , وهذا النظر يجب أخذه بمزيد من الحذر فى مجال القانون العام ، ذلك أن السيادة هى التى تنشأ في مختلف الزمان مبتدئة ولم تشتق يوماً من سيادة دولة أخرى سواء بمفهومها السياسى أو القانونى ، ومصر – وعلى سوف ما يأتى بيانه – تمتعت عبر تاريخها وعلى اختلاف أنظمتها بأهلية قانونية دولية كاملة تجاه جزيرتى تيران وصنافير أى بالسيادة القانونية الكاملة عليهما كشخص من أشخاص القانون الدولى ، ولم يعتريها يوماً ما مانعاً يمنع من مباشرتها , وسيادتها في هذا الشأن وصفاً فى الدولة يعبر عما لها من أهلية لم تتجزأ ، فلا يوجد دولتان تقتسمان أهلية واحدة وباتت السيادة الإقليمية المصرية هى العنصر الرئيسى في تصرفات الدولة المصرية عليهما ، والتى ظهرت بها وفقاً لقواعد القانون الدولى ، وأن التطور الذى لحق به لم يغير من واقع أن السيادة الإقليمية التى لازالت هى النواة التى يدور حولها توزيع الحقوق بين الدول وهذه الحقوق القانونية للدول حسبما يعرفها القانون الدولى ترتبط ارتباطاً جوهرياً بمظاهر السيادة على الإقليم فى مقوماته الثلاثة اليابسة والبحر والجو ، وهو الأمر الذى لم ينفرط عقده لمصر على تلك الجزيرتين على الدوام والثبات ، وفى عموم القول أنه قد ترسخ فى الوجدان الدولى أن التنازل عن جزء من إقليم الدولة يجب أن تتوافر فيه الشروط الشكلية والقانونية المطلوبة لصحته من منظور القانون الدولى والقانون الداخلى .
ومن حيث إنه عن الأدلة والبراهين والشواهد التى تنطق بها أوراق الطعن بشأن الدولة التى تدخل أرض جزيرتي تيران وصنافير ضمن حدودها ، فإنه يبين من اتفاقية تعيين الحدود الشرقية المبرمة بين الدولة العثمانية ومصر بشأن تعيين خط فاصل إدارى بين ولاية الحجاز ومتصرفية القدس وبين شبه جزيرة طور سيناء الواردة ضمن اتفاقية رفح 1906 لترسيم حدود سيناء الشرقية – المنشورة فى الوقائع المصرية 10 نوفمبر 1906 السنة السادسة والسبعون نمرة الجريدة 127 – أنها جاءت خالية مما يفيد أن جزيرتى تيران وصنافير تدخلان فى ولاية الحجاز بينما تدخلهما خطوط الحدود فى الولاية المصرية وفقا لخريطة العقبة المطبوعة فى مصلحة المساحة المصرية سنة 1913 مؤشراً عليها من المندوبين المختصين وتدخل فيهما الجزيرتين السالفتين وبها علامات الحدود المصرية عليهما طبقاً للخطوط المرسومة وفقاً لمعاهدة 1906 المشار إليها مع قيد حفظ حقوق العربان , بينما حد الحجاز يبدأ من العقبة وذلك على الرغم من أن تلك الاتفاقية خاصة بالحدود البرية بين الدولتين .
( يراجع فى ذلك : الصورة الرسمية لإتفاقية عام 1906 من الوقائع المصرية والخريطة المرفقة بالاتفاق أول أكتوبر عام 1906 من رفح شمالاً حتى خليج العقبة جنوباً المقدمة ضمن حوافظ مستندات المطعون ضدهم بجلسة 22/ 10/ 2016 – مؤلف محيط الشرائع والمعاهدات الدولية المرتبطة بها مصر , انطون بك صفير المطبعة الأميرية عام 1953 ص 1617، أطلس ابتدائى للدنيا لاستعماله فى المدارس المصرية عُمل وطُبع بمصلحة المساحة والمناجم على نفقة وزارة المعارف العمومية عام 1922 وأُعيد طبعه عام 1937 موضحاً بالخريطة ص 2 منه إن الجزيرتين ضمن الاقليم المصرى لورودهما بالكتابة ضمن الجزر المصرية المقدم ضمن حوافظ مستندات المطعون ضدهم – مؤلف التطور التاريخى لجزيرتى تيران وصنافير 1906- 1950 للدكتور صبرى العدل )
ومن حيث إنه وفى ضوء فهم المحكمة للاتفاقية المبرمة 1906 وخريطة العقبة المطبوعة فى مصلحة المساحة عام 1913 تأكد مصرية جزيرتى تيران وصنافير , وأنه لاوجود لسيادة أخرى تزاحم مصرفي هذا التواجد، بل أنه لم تكن هنا كدولة غير مصر تمارس أى نشاط عسكرى أو أى نشاط من أى نوع على الجزيرتين، باعتبارهما جزءاً من أراضيها ، وقد جاء كتاب وزارة المالية ملف رقم 219-1/ 4 المؤرخ فبراير 1950 الموجه لوزارة الخارجية مؤكداً على مصرية هاتين الجزيرتين متضمناً أنه:” بالإشارة إلى كتاب الوزارة رقم 853 المؤرخ 3 ديسمبر سنة 1949بشأن قيام وزارة الخارجية بالاشتراك مع وزارة الحربية والبحرية بتحديد مدى المياه الإقليمية المصرية وطلب الوقوف على معلومات هذه الوزارة بشأن جزيرة تيران الصخرية الواقعة عند مدخل خليج العقبة فقد ثبت من مصلحة المساحة إنه بالاطلاع على اللوحة رقم 6 جنوب سيناء من مجموعة خرائط القطر المصرى بمقياس 1/ 500000 الطبعة الأولى لسنة1937 , أنها قد بينت على جزيرتى تيران وصنافير الواقعتين عند مدخل خليج العقبة تفاصيل الارتفاعات بكل منهما ولونت الارتفاعات بالجزيرتين بنفس الألوان التى بينت بها المرتفعات بالأراضى المصرية بتلك المجموعة بينما تركت المساحات المبينة بتلك اللوحة من الأراضى الأجنبية بيضاء دون أن تبين لها أية تفاصيل , ” ويتضح ان جزيرة تيران تدخل ضمن تحديد الأراضى المصرية ” مما يقطع بمصريتهما . وقد تأكد ذلك بما ورد بكتاب وزارة الخارجية السرى ( رقم الملف 37/ 21/ 81-26) المؤرخ 25 فبراير 1950 الموجه لوكيل وزارة الحربية والبحرية من : ” أنه بالإشارة إلى كتاب الوزارة رقم 3 سرى المؤرخ 16 يناير 1950 بشأن ملكية جزيرة تيران الواقعة عند مدخل جزيرة العقبة أرفقت كتاب وزارة المالية رقم ف 219-1/ 4 الذى يتبين منه أن هذه الجزيرة تدخل ضمن تحديد الأراضى المصرية ” , وهو ما تأكد كذلك من كتاب قائد عام بحرية جلالة الملك المؤرخ 22 فبراير 1950 بقصر رأس التين بالاسكندرية الموجه لوزارة الحربية والبحرية عن تموين قوات سلاح الحدود الملكى المصرى الموجودة بطابا وجزر فرعون وتيران وصنافير أرفق به كتاباً سرياً لرياسة الجيش مما يدل على ممارسة مظاهر السيادة المصرية على تلك الجزيرتين ، ومن ثم فليس فى مُكنة وزارة الخارجية بخطاب من وزيرها من بعد أن تعدل عن مصرية هاتين الجزيرتين لأى سبب من الأسباب وأياً كانت الدوافع الرامية إليه ، وقد أفصحت المحكمة عن عقيدتها الجازمة فى هذا الصدد حال تعرضها لمفهوم الالتزام الدولى في أسباب هذا الحكم.
ويدعم ما سبق بشأن اعتبار أرض الجزيرتين ضمن الاراضي المصرية ما ورد على لسان المندوب المصرى أمام مجلس الأمن فى جلسته رقم 659 بتاريخ 15 فبراير 1954 أن سيادة مصر على الجزيرتين المذكورتين باعتبارهما ضمن الإقليم المصرى ، وأن مصر تفرض سيادتها على جزيرتى تيران وصنافير منذ عام 1906 حيث استخدمتهما فى الحرب العالمية الثانية كجزء من نظام مصر الدفاعي وأن التحصينات فى هاتين الجزيرتين قد استخدمت لحماية سفن الحلفاء من هجمات الغواصات المعادية ، وأكد كذلك مندوب مصر أن الجزيرتين جزء من إقليم مصر وهو ما يعنى أن مصر مارست سيادتها المشروعة عليهما لمدة مائة وعشر سنوات لم يشاركها أحد فيها ,وبات جلياً حق مصر التاريخى على الجزيرتين وهو الذى ينشئ الحق ابتداءً ، وفى هذا الشأن أكد مندوب لبنان أمام ذات المجلس – على نحو ما قدمه المطعون ضدهم فى حافظة مستنداتهم بجلسة 22/ 10/ 2016- واكدته المستندات المقدمة من الحكومة بجلسة 7/ 11/ 2016″ أن ما ذكره مندوب اسرائيل بشأن الجزر الواقعة فى مدخل خليج العقبة – جزيرتى تيران وصنافير – من إدعائه أنهما وقعتا تحت الاستحواذ المفاجئ لمصر وتلا تصريحاً صدر عن الحكومة المصرية فى رسالة وجهتها إلى سفارة الولايات المتحدة فى القاهرة مضمونها أن مصر لم تستحوذ على هذه الجزر فجأة بل كان ذلك الاستحواذ فى العام 1906 حيث لزم فى حينها ترسيم الحدود بين مصر والدولة العثمانية , وشرعت مصر على ضوء هذا الترسيم فى الاستحواذ على الجزيرتين لأسباب فنية وكان ذلك الاستحواذ موضوع مناقشات وتبادل فى الآراء وكذلك خطابات بين الامبراطورية العثمانية وحكومة الخديوى فى مصر وبالتالى لم يكن مفاجأة حيث تم الاستحواذ فى الحقيقة على الجزيرتين منذ عام 1906 وهذه حقيقة مؤكدة بأنهما ومنذ ذلك الوقت خاضعتان للسلطة المصرية وأنهما يشكلان جزءاً لا يتجزأ من الأراضى المصرية .
ومن حيث إن مبدأ السيادة المشروعة بات من المبادئ المسلم بها في القانون الدولي المعاصر , وأن مظاهر ممارسة السيادة المصرية الكاملة على جزيرتى تيران وصنافير مما يؤكد دخولهما فى الإقليم المصرى تبدت فى العديد من التصرفات القانونية الدولية التى حظيت بالاعتراف الدولي ومن بينهاأن الخارجية المصرية حينما قامت اسرائيل بتهديد جزيرتى تيران وصنافير فى البحر الأحمر عند مدخل العقبة ومضيق تيران أرسلت مذكرتين أحدهما إلى السفارة الأمريكية بالقاهرة فى 30/ 1/ 1950 والأخرى للحكومة البريطانية بتاريخ 28/ 2/ 1950 – لكون السفن البريطانية كانت تستعمل الخليج لتموين القوات البريطانية الموجودة فى الأردن حينذاك – أكدت فيهما على حرية الملاحة فى الممر البحرى الذى يفصل بين جزيرتى تيران وصنافير عن الساحل المصرى بسيناء – وهو الممر المائى الوحيد الصالح للملاحة – وفقاً لما كان عليه الحال سابقاً وعززت السلطات المصرية مجموعة من قواتها فى الجزيرتين وأفصحت فيهما أن ذلك ليس بقصد عرقلة مرور السفن البرئ على أى وجه فى المجال البحرى فى ذلك الممر البحرى الواقع بين الجزيرتين المذكورتين وشاطئ سيناء المصرى ، وأنه من المسلم به أن هذا الممر هو الوحيد الممكن سلوكه عملياً وسيبقى حراً كما كان فى الماضى وذلك وفقاً للعرف الدولى ومبادئ القانون الدولى المقررة وإنما كان بسبب تهديدات إسرائيل لمصر والعالم العربى. وتم توزيع المذكرتين السالفتين على كافة القنصليات الأجنبية فى العالم وتحقق للمجتمع الدولى العلم بهما وكذا شركات الملاحة العاملة فى مصر ولصدور المرسوم المصرى المؤرخ 6 فبراير عام 1950 بشأن إجراءات تفتيش السفن والطائرات وضبط الغنائم المتعلقة بحرب فلسطين ونصت المادة العاشرة منه فقرة أولى على أن: ” تعد من المهربات الحربية ,وتضبط كغنيمة ,السلع الآتية متى كانت وجهتها عدائية :
1- الأسلحة والذخائر والمعدات الحربية وقطع غيارها والمفرقعات والمواد المتفجرة من جميع الانواع 2- المواد الكيماوية والعقاقير والأجهزة والآلات الصالحة للاستعمال فى الحرب الكيماوية والأقطان 3- الوقود على اختلاف أنواعه 4- الطائرات والمراكب ولوازمها وقطع غيارها 5- الجرارات والسيارات ولوازمها وقطع غيارها 6- النقود والسبائك الذهبية أو الفضية والأوراق المالية وكذلك المعادن والألواح والماكينات وغير ذلك من الأشياء اللازمة لصنعها أو الصالحة لذلك 7- المواد الغذائية وجميع السلع الأخرى التى من شأنها تقوية المجهود الحربى للصهيونيين بفلسطين بأية كيفية كانت. ” ونصت الفقرة الثانية من المادة المشار إليها على أنه : ” وتعد السلع المشار إليها من المهربات الحربية ولو كانت مارة عبر الأراضى و المياه الإقليمية عن طريق المرور ترانزيت ” .
كما صدر القانون رقم 32 لسنة 1950 بتاريخ 12 ابريل 1950 بشأن مجلس الغنائم الذى حل محل الأمر العسكرى الذى كان قد أصدره الحاكم العسكرى المصرى برقم 38 بتاريخ 8 يوليو 1948 الذى انشأ مجلس الغنائم للنظر فى دعاوى الغنائم , ووفقاً للمادة الرابعة منه : ” يختص المجلس بالفصل فى صحة ضبط الغنائم وفى المنازعات الناشئة من الضبط وفى طلب التعويض المترتب على ذلك ويطبق فى دعاوى الغنائم قواعد القانون الدولى العام وفى حالة عدم وجود قاعدة مقررة يفصل طبقاً لقواعد العدالة .”( يراجع مقال الاستاذ أحمد صفوت رئيس مجلس الغنائم سابقاً بعنوان ” مجلس الغنائم ” المنشور فى المجلة المصرية للقانون الدولى ، المجلد السادس عام 1950 ) ، ثم أصدرت مصلحة الموانئ والمنائر المصرية منشوراً برقم 39 لسنة 1950 بناءً على موافقة وزارة الحربية بتاريخ 21 ديسمبر عام 1950 وتضمن ما يلى : ” (أ)- إذا حاولت سفينة حربية اسرائيلية أو سفينة حربية مساعدة تابعة لإسرائيل أن تمر فى المياه الاقليمية بما فى ذلك مدخل خليج العقبة أمكن اطلاق النيران فى مواجهتها لإنذارها ولمنعها من المرور على ألا توجه القذيفة إليها مباشرة بغرض إصابتها إلا إذا أمعنت فى مخالفتها .(ب)- إذا حاولت سفينة تجارية إسرائيلية تابعة لإسرائيل أن تمر فى المياه الإقليمية المصرية بما فى ذلك مدخل خليج العقبة الواقع بين جزيرة تيران وساحل سيناء فيكتفى بضبط هذه السفينة وحجزها دون مصادرتها وإحالة أمرها إلى مجلس الغنائم . (ج)- قبل مرور السفن الحربية والتجارية الأجنبية المحايدة بمدخل خليج العقبة فمن حق السفن الحربية المصرية وكذلك محطات الإشارات بالبر سؤالها عن اسمها وجنسيتها ووجهتها وكما هو متبع دولياً , على أن يكون استعمال هذا الحق بحيث لا يعوق حرية المرور البرئ عبر مدخل خليج العقبة شمالاً أو جنوباً .” وقد تم توزيع هذا المنشور أيضاً على كافة القنصليات الأجنبية في العالم وكذا شركات الملاحة العاملة ، وتحقق للمجتمع الدولى العلم به , ومصر لم تكتف فحسب بإصدار المراسيم والقوانين واللوائح بسيادتها على جزيرتى تيران وصنافير باعتبارها مصرية خالصة ، وإنما طبقت ممارستها لمظاهر سيادتها الكاملة عملاً على مسرح الحياة الدولية ومنعت بالفعل السفن الأجنبية التى خالفتها من المرور فى مضيق تيران عملاً بحقها القانونى وسيادتها الإقليمية .(يراجع فى ذلك : د. محمد حافظ غانم ” قضية خليج العقبة ومضيق تيران ” – د. عمر زكى غباشى ” الوضع القانونى لخليج العقبة ومضايق تيران المجلة المصرية للقانون الدولى المجلد 13 عام 1957 – د. عز الدين فوده ” قضية خليج العقبة ومضيق تيران ” المجلة المصرية للقانون الدولى المجلد 23 عام 1967- د. محمد سعيد الخطيب رسالته للدكتوراه عن ” الوضع القانونى للبحر الاقليمى مع دراسة البحار العربية والاجنبية فى القانون الدولى”عين شمس مودعة كلية الحقوق جامعة الاسكندرية-د.عبد العزيز محمد سرحان”خليج العقبة ومضيق تيران ” د.حسن الراوى “الوضع القانونى لخليج العقبة ومضايق تيران”).
ومن بين تلك التطبيقات التى تنطق بالسيادة المشروعة – والقاطعة في الدلالة على وجود اعتراف دولي لسلطة مصر على مضيق تيران -حادث الباخرة الانجليزية امباير روش ” Empire Roach” فى 1/ 7/ 1951 التى كانت محملة بشحنة من الأسلحة إذ أوقفتها السلطات المصرية المختصة وقامت باحتجازها أربع وعشرين ساعة تحت حراسة عسكرية ، الأمر الذى أغضب السلطات البريطانية واتخذت إجراءً دبلوماسياً على إثرها عرض وزير خارجية بريطانيا فى ذلك الوقت – هربرت موريسون – فى مجلس العموم البريطانى تلك الحادثة فى الجلسة التى عقدت فى 10 يوليو عام 1951 وأبلغ السفير المصرى فى لندن استياء بريطانيا لهذا الحادث بل طلب من السفير الانجليزى فى القاهرة – مستر ستيفنسون – تقديم احتجاج رسمى إلى الحكومة المصرية على هذا الحادث وقدمه بالفعل فى 11يوليو عام 1951 ثم أصدر بياناً اَخر بشأن هذا الحادث فى 16يوليو عام 1951 وبعد يومين فى 19 يوليو 1951 أرسلت الحكومة المصرية ردها على مذكرة احتجاج السفارة البريطانية فى القاهرة المشار إليها رفضت فيه الاحتجاج المذكور وأوضحت أن السفينة سالفة الذكر كانت فى منطقة محرمة عندما طُلب إليها التوقف لكنها أهملت كافة الإشارات التى أصدرتها السلطات المصرية بواسطة السفينة ” نصر ” ولم تتوقف إلا بعد أن أطلقت عليها السفينة المصرية المذكورة قذيفة للإنذار , كما أن قائد السفينة رفض إبراز أوراقها فاُقتيدت إلى شرم الشيخ وتم تفتيشها هناك وجاء فى ختام المذكرة المصرية بأن مصر تتمسك بحقوقها فى السيادة على مياهها الإقليمية تمسكاً أكيداً .
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تقدمت الدول الاستعمارية بشكوى ضد مصر بشأن تفتيش سفنها المتجهة إلى اسرائيل فاجتمع مجلس الأمن فى الجلسة التى عقدها فى 26 يوليو 1951 للنظر فى تلك الشكوى , كما أن مندوبى الدول الاستعمارية واسرائيل تمسكوا بحرية الملاحة الدولية واتفاقية القسطنطينية عام 1888 الخاصة بقناة السويس واتفاقية الهدنة المصرية الإسرائيلية عام 1949 لتبرير مزاعمهم بعدم أحقية مصر فى تفتيش السفن المتجهة لإسرائيل أو فرض الحصار عليها , وقد جاءت حجة مندوب مصر حينذاك فى الامم المتحدة تقوم على أمرين :الأمر الأول : يتعلق بهدنة وحالة الحرب بأن لمصر الحق فى فرض الحصار طبقا للقانون الدولى وأن الهدنة ليست صلحاً مؤقتاً وأن حالة الحرب بين مصر والدول العربية من جهة وبين إسرائيل من جهة أخرى لاتزال قائمة وأن للدول المتحاربة الحق فى فرض الحصار واحتجاز السفن المحايدة التى تحاول فك الحصار , والأمر الثانى : يتعلق بسيادة مصر على مضيق تيران بأن تفتيش السفن الأجنبية عبر مضيق تيران المتجهة لإسرائيل وإيقافها لهذا الغرض أمر ضرورى لسلامة مصر وأمنها ، وإزاء قوة الحجتين السالفتين فى مطابقة موقف السلطات المصرية لقواعد القانون الدولى أذعنت الحكومة البريطانية واعترفت بصحة الموقف المصرى وشرعية الاجراءات المصرية بشأن ممارسة سيادتها على مضيق تيران , وهو ما عبر عنه السفير البريطانى فى القاهرة من خلال مذكرته إلى وزير الخارجية المصرى فى 29 يوليو عام 1951جاء فيها الاعتراف بالسيادة المصرية عليهما بقوله : ” لقد خُولت أن ابلغكم أن حكومة جلالة الملك فى المملكة المتحدة مستعدة للموافقة على إتباع التدابير الآتية بشأن السفن البريطانية غير الحربية أو العسكرية التى تبحر رأساً من السويس أو الأدبية إلى العقبة , وتخطر السلطات الجمركية المصرية فى السويس أو الأدبية على الفور- بعد إتمام اجراءات تفتيش هذه السفن والتخليص عليها – السلطات المصرية البحرية فى جزيرة تيران وذلك لتلافى أية ضرورة لزيارة هذه السفن وتفتيشها مرة أخرى بمعرفة هذه السلطات الأخيرة , ومن جهة أخرى فإن جميع السفن البريطانية ستراعى بطبيعة الحال الإجراءات المعتادة عند مرورها بالمياه الإقليمية المصرية ” – وهو ما يبين منه كم كان حرص مصر على سيادتها على الجزيرتين ضمن الإقليم المصرى وقد كانت حينذاك دولة محتلة – وقد أكد وزير الخارجية المصرى وقتذاك فى معقب رده على المذكرة البريطانية السالفة بمذكرته فى اليوم التالي المؤرخة 30 يوليو سنة 1952 بأن ” موافقة الحكومة المصرية على الترتيبات والاجراءات السالفة لأنها تتفق مع حقوق مصر بالنسبة إلى موانيها ومياهها الإقليمية ” .
وممارسة مصر لمظاهر سيادتها المشروعة على جزيرتى تيران وصنافير بشأن السفن الأجنبية المارة بمياهها الإقليمية لم يتمثل فى واقعة فريدة للسفينة الانجليزية المذكورة ، وإنما كان نهجاً مارسته كذلك بشأن كافة السفن الأجنبية الأخرى ومثالها الدانماركية والانجليزية الأخرى والامريكية والايطالية فحادث السفينة الدانماركية ” اندريا سيوى ” والسفينة الانجليزية ” هليكا ” فى 10 مارس سنة 1953 حيث قامت السلطات المصرية بتفتيش السفينة الأولى بعد إنذارها , كما قامت باستيقاف السفينة الثانية للتحقق من جنسيتها , وحادث السفينة الامريكية ” البيون ” Albion”” التى كانت محملة بشحنة من القمح وقامت السلطات المصرية بإيقافها للتأكد من وجهتها وجنسيتها وبعد أن استبان أنها متجهة إلى ميناء العقبة الاردني سمحت لها بالمرور فى 3 ديسمبر سنة 1953 , وحادث السفينة الايطالية ” ماريا انتونيا ” ” Maria Antonia”التى أوقفتها السلطات المصرية فى 1 يناير 1954 ومنعتها من المرور فى خليج العقبة لأنها كانت متجهة إلى ميناء إيلات مما اضطرها للرجوع حيث أتت , وحادث السفينة البريطانية ” ارجوبيك ” ” Argo Beck” التى حاولت المرور فى مضيق تيران بدون التقيد بتعليمات السلطات المصرية المختصة فى 10 ابريل 1955 فاضطرت القوات المصرية لاستعمال القوة ضدها وترتب على ذلك إصابتها فى المقدمة , وحادث السفينة البريطانية ” انشن ” “Anchen” التى اوقفتها السلطات المصرية فى 3 يوليو 1955 ومنعتها من المرور فى مضيق تيران , وهكذا تأكد ممارسة مصر حقوقها الإقليمية وسيادتها على مضيق تيران الذى يعد مضيقاً وطنياً مصرياً خالصاً يخضع للسيادة المصرية ومياهه مياه داخلية مصرية وقامت بتفتيش السفن الأجنبية لأعتى الدول الكبرى المتجهة إلى ميناء إيلات ومنعتها من المرور فيه ومصادرة البضائع التى تحملها إذا كانت أسلحة أو مواد حربية أو استراتيجية فضلاً عن منع السفن الإسرائيلية من المرور لعدم توافر البراءة المطلوبة فى مرورها. ( يراجع فى ذلك : محضر اجتماع للجمعية المصرية للقانون الدولى الخاص بمناقشة أهم الجوانب القانونية لقضية خليج العقبة ومضيق تيران الذى عُقد في 2 يونيو عام 1967 المنشور فى المجلة المصرية للقانون الدولى للمجلد 23 عام 1967 بمكتبة كلية الحقوق جامعة الاسكندرية عام 1967وشارك فيه العلماء والفقهاء وهم : د.محمد حافظ غانم د. زكى هاشم د. عائشة راتب د. فتحى رضوان د. عزالدين فوده د. محمود بنونه د. أحمد موسى د. بطرس بطرس غالى د. صادق المهدى – وانتهى فيه الرأى إلى أن خليج العقبة بحيرة إقليمية عربية تخضع للسيادة العربية المشتركة للدول العربية بينما مضيق تيران مضيق وطنى مصرى لا يرد عليه أى التزام متصل بمرور السفن الأجنبية ولا يجوز مرور تلك السفن إلا بموافقة وتحت إشراف مصر – القانون الدولى العام فى وقت السلم الدكتور حامد سلطان كلية الحقوق جامعة الاسكندرية الطبعة السادسة ينايرعام 1976 ص 469 وما بعدها ” بشأن السفينة امباير روش التى حدثت في الأول من يوليو عام 1951 وغيرها من أحداث ص 474 ارتأى فيها المؤلف أن مضيق تيران مضيق وطنى , مكتبة كلية الحقوق جامعة الاسكندرية ) وما سعت الدول الكبرى إلى نفى الصفة الوطنية عن مضيق تيران إلا تأميناً لطرقها وطرق إسرائيل فى خليج العقبة .
على أن إصدار القوانين واللوائح والقرارات التنظيمية العامة لبسط مصر سيادتها المشروعة على تلك الجزيرتين – التى لا تتمتع بها سوى دولة ذات سيادة – لم تقتصر فحسب فى اصدارها فى الشأن الخارجي على مجال إجراءات تفتيش السفن والطائرات الأجنبية طبقاً للقوانين المصرية على الجزيرتين , وإنما أصدرتها كذلك فى الشأن الداخلي أيضاً , منها ما يتعلق بالأمن العام والأحوال المدنية وحظر صيد الطيور والحيوانات واعتبارها منطقة سياحية ومحميات طبيعية كأحد الأركان الجوهرية للبيئة : فقد أصدر وزير الداخلية عدة قرارات فى هذا الشأن منها قراره رقم 420 لسنة 1982 المنشور فى الوقائع المصرية فى 21/ 3/ 1982 بإنشاء نقطة شرطة مستديمة بجزيرة تيران التى نصت المادة الأولى منه على أن ” تنشأ نقطة شرطة مستديمة بجزيرة تيران تتبع سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء تسمى نقطة شرطة جزيرة تيران ويشمل اختصاصها جزيرتى تيران وصنافير ” ، ثم قراره الثانى رقم 865 لسنة 1982 والمنشور فى الوقائع المصرية بتاريخ 4/ 5/ 1982 والتى نصت المادة الثانية منه على أن ” تنقل تبعية نقطة شرطة جزيرة تيران المستديمة من قسم شرطة سانت كاترين إلى قسم شرطة شرم الشيخ بمحافظة جنوب سيناء ” وقراره رقم 80 لسنة 2015 بإنشاء قسم ثان شرطة شرم الشيخ بمديرية أمن جنوب سيناء والمنشور بالوقائع المصرية بتاريخ 15/ 2/ 2015 ونصت فى المادة الاولى منه على أن ” ينشأ بمديرية أمن جنوب سيناء قسم ثان شرطة شرم الشيخ …. يشمل نطاق قسم ثان شرطة شرم الشيخ على ما يلى : ….جزيرة صنافير – جزيرة تيران – وادى مرسى بريكة ….” .و قرار مساعد وزير الداخلية لقطاع مصلحة الأحوال المدنية رقم 542 لسنة 2015 والمنشور بالوقائع المصرية بتاريخ 16/ 3/ 2015 و نصت فى المادة الأولى منه على أن ” ينشأ بإدارة شرطة الأحوال المدنية بجنوب سيناء قسم سجل مدنى ثان شرم الشيخ مقره منطقة نبق فصلاً من النطاق الجغرافى لقسم سجل مدنى شرم الشيخ …. يشمل نطاق اختصاص قسم ثان شرطة شرم الشيخ على ما يلى : ….. جزيرة صنافير- جزيرة تيران – وادى مرسى بريكة ….” ثم أصدر وزير الزراعة والأمن الغذائى قراره رقم 472 لسنة 1982 والمنشور بالوقائع المصرية بتاريخ 11/ 5/ 1982 والذى أشار فى ديباجته إلى قانون الزراعة رقم 53 لسنة 1966 ونصت المادة الأولى منه على أن : ” يحظر صيد الطيور والحيوانات بكافة أنواعها فى المناطق التالية بمحافظتى سيناء : ج – منطقة جزيرة تيران ” ثم صدر قرار وزير السياحة رقم 171 لسنة 1982 المنشور بالوقائع المصرية بتاريخ 26/ 6/ 1982 باعتبار منطقة ساحل جنوب سيناء ( خليج العقبة ) منطقة سياحية وتضمن اعتبار المنطقة من طابا شمالاً حتى رأس محمد جنوباً والجزر الواقعة داخل المياه الإقليمية منطقة سياحية فى مجال تطبيق أحكام القانون رقم 2 لسنة 1973 بإشراف وزارة السياحة على المناطق السياحية واستغلالها ، ثم صدر القانون رقم 102 لسنة 1983 فى شأن المحميات الطبيعية وتضمنت مذكرته الايضاحية أن ” … 2- من بين المناطق المقترح جعلها محميات طبيعية جزيرة تيران فى خليج العقبة ….” ، ثم أصدر رئيس مجلس الوزراء قراره رقم 1068 لسنة 1983 والمنشور بالوقائع المصرية بتاريخ 26/ 11/ 1983 بإنشاء محمية طبيعية فى منطقة رأس محمد وجزيرتي تيران وصنافير بمحافظة جنوب سيناء ، وأصدر قراره رقم 2035 لسنة 1996 والمنشور بالوقائع المصرية بتاريخ 3/ 8/ 1996 متضمناً استمرار جزيرتى تيران وصنافير كمحميتين طبيعيتين وفقاً للقانون رقم 102 لسنة 1983 فى شأن المحميات الطبيعية – وهذه القرارات الأخيرة للتدليل على وقوع الجزيرتين ضمن الإقليم المصرى هى جُل الأسباب التى استند إليها الحكم الطعين- وعلى هدى ما تقدم جميعه تكون السيادة المصرية قد تأكدت على الجزيرتين سواء فى الشأن الخارجى فى ظل الأحكام المنظمة للقانون الدولى أو فى الشأن الداخلى طبقاً لقوانينها باعتبارهما ضمن الإقليم المصرى .
ومن حيث أنه وبعد الاستعراض السابق بيانه ، يبين بجلاء ووضوح لا لبس فيه أو غموض أنها مظاهر للسيادة المشروعة لا تتمتع بها سوى دولة ذات سيادة على الجزيرتين ، وهكذا بقيت المراسيم والقوانين واللوائح المصرية شاخصة شاهدة ناطقة على ممارسة مظاهر كامل السيادة المصرية على الجزيرتين في ظل الأحكام المنظمة للقانون الدولى وتبعاً لذلك بقيت القواعد التى تنتظمها فى السيادة المصرية على الجزيرتين سارية المفعول على جميع السفن الاجنبية بإعتراف دولى التى تمر فى مضيق تيران للخضوع للرقابة واُنشأت محطة بحرية للقيام بهذا الغرض , بل كانت تلك اللوائح تقضى بإلزام السفن الاجنبية بإخطار السلطات المصرية قبل 72 ساعة على الأقل من المرور فى مضيق تيران والابلاغ عن وجهتها وركابها وحمولتها باعتبار أن مياه مضيق تيران مياهاً إقليمية مصرية خالصة , وهذا الإخطار السابق يماثل تماماً ذات الإخطار السابق الذى اشترطته السلطات المصرية من قبل السفن الأجنبية التى تمر بقناة السويس وكلاهما حق من حقوق مصر تستمده مباشرة من حقها فى السيادة عليهما باعتبارهما من الإقليم المصرى وإن كانت الأخيرة استمدت كذلك من معاهدة القسطنطينية سنة 1888 الخاصة بقناة السويس , إلا أن الثانية استمدت السيادة من واقع سيطرة مصر على المضيق والجزيرتين فعلياً كما أعلنت أن منطقة شرم الشيخ ومضيق تيران وصنافير محظور فيهما الطيران إلا بإذن من مصر .
ومن حيث إنه لا ينال من ثبوت سيادة مصر ما قد يُستند إليه من تعطل ممارسة السلطات المصرية على مضيق تيران الفترة منذ العدوان الثلاثي سنة 1956 حتى سنة 1967 التى لم تمارس فيها السلطات المصرية حق الإشراف والرقابة على الملاحة فى ذلك المضيق , ذلك أن هذا التعطيل يعد مؤقتاً بطبيعته لأنه كان أثراً من اَثار العدوان الثلاثي وهو أمر فرضته الظروف اللاحقة على العدوان حيث رابطت قوات الطوارئ الدولية فى منطقة شرم الشيخ المصرية وهو الأمر الذى استعادته السلطات المصرية منذ 23 مايو سنة 1967 بعد انسحاب قوات الطوارئ الدولية بناءً على طلب مصر , بل إن اتفاق لجنة الهدنة المصرية الإسرائيلية المشتركة سنة 1953 كان على منع السفن التابعة لكل من الطرفين من الدخول فى المياه الاقليمية للطرف الاَخر إلا فى حالات الضرورة القاهرة , وأنه لا يجوز للسفن التابعة لإسرائيل الدخول فى المياه الإقليمية المصرية , ومؤدى ذلك ولازمه أنه ليس من حق السفن الإسرائيلية المرور فى مضيق تيران ، وقد تضمن نص الفقرة الثانية من المادة الثالثة من اتفاقية الهدنة المصرية الإسرائيلية ذلك , ولا يمكن وضع ذلك الاتفاق إلا لدولة تملك سيادتها على إقليمها , واَية ذلك أن السكرتير العام للأمم المتحدة ” يوثانت ” قدم تقريراً إلى مجلس الأمن فى 26 مايو سنة 1967 تناول فيه فى صراحة ووضوح أن موقف مصر هو أن المضيق يشكل مياهاً إقليمية لها حق مراقبة الملاحة فيها وأن إسرائيل تعتبر إغلاق مضيق تيران فى وجه السفن التى تحمل العلم الإسرائيلى وفرض قيود على شحنات السفن التى تحمل أعلاماً اَخرى سبباً للحرب وإن هدف مصر العودة إلى الأحوال التى كانت سائدة قبل سنة 1956 وإلى المراعاة العامة من الطرفين لأحكام اتفاقية الهدنة بين مصر وإسرائيل وقد قرر مندوب مصر فى الجمعية العامة للأمم المتحدة اَنذاك فى 27 نوفمبر 1956 بسيادة مصر على المضيق بعد انتهاء مهمة قوة الطوارئ الدولية بقوله ” ليكن واضحاً تماماً أن هذه القوات إنما هى ذاهبة إلى مصر لمعاونتها برضاها وليس هناك أحد يمكن أن يقول أن رجل الاطفاء بعد أن يخمد النيران يمكن أن يدعى حقوقاً أو حججاً للبقاء فى المنزل وعدم تركه ” إشارة منه بتمسك مصر بمصرية كامل إقليمها , كما أن السكرتير العام للأمم المتحدة اَنذاك ” داج همر شولد ” أوضح فى تقريره المؤرخ 4 فبراير 1957 اَنه يتعين رضاء مصر الكامل على دخول هذه القوات لإقليمها فى مضيق تيران مما لا يدع مجالاً لأى شك فى سيادة مصر على الجزيرتين حتى فى أحلك الظروف كما أورد فى تقريره المؤرخ 26 فبراير سنة 1957 أن وجود قوة الطوارئ لا يجوز أن يُتخذ ذريعة لفرض حل لأية مشكلة سياسية أو قانونية لأن وظيفة القوة هى منع وقوع الأعمال العدوانية , ثم عندما دخلت قوات الطوارئ الدولية إلى شرم الشيخ فى 8 مارس 1957 أعلن السكرتير العام للأمم المتحدة فى ذات اليوم انسحاب القوات الإسرائيلية من هذا الموقع ومن جزيرتى تيران وصنافير وهو ما يؤكد – كما انتهى إلى ذلك مندوب مصر بالأمم المتحدة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى أول مارس 1957 عقب انسحاب اسرائيل – أن تصريحات الأخيرة لن يمس حقوق مصر على الجزيرتين , وقد أيد مندوب الهند عام 1957 موقف مصر منتهياً إلى أن مدخل خليج العقبة يقع فى المياه الأقليمية لمصر ودعا إلى عدم محاولة أى دولة أو مجموعة من الدول معارضة سيادة مصر على مضيق تيران عن طريق استعمال القوة , وأعلن الوفد السوفيتى فى الأمم المتحدة بنيويورك عام 1957 أن :”الاتحاد السوفييتى يرى أن خليج العقبة من المياه العربية الداخلية، وأن حل مشكلة الملاحة فى المياه الداخلية حق من حقوق السيادة للدولة صاحبة الشأن،أى من حق مصر”, كما أكد مندوب مصر فى جلسة مجلس الأمن التى عُقدت فى 29/ 5/ 1967 أن اتفاقية الهدنة لا تبطل حقوق مصر فى تقييد الملاحة فى المضيق المذكور , كما أن عدوان سنة 1956 لم يغير المركز القانونى لحق مصر فى السيادة الكاملة على مضيق تيران باعتباره ضمن الإقليم المصرى وإنه ليس مضيقاً مستخدماً للملاحة الدولية فى مفهوم حكم محكمة العدل الدولية فى قضية مضيق كورفو CORFUالصادر في 9 أبريل 1949 وإنما هو مضيق وطنى مصرى يضم مياهاً وطنية مصرية داخلية وهو ما حظى بموافقة مندوبى عدة دول لسيادة مصر المشروعة على مضيق تيران منها الهند وبلغاريا وسوريا والعراق والاردن والمغرب والسعودية ذاتها .(يراجع فى ذلك : موافقات مندوبى تلك الدول محاضر جلسات مجلس الأمن المنعقدة فى 29 مايو 1967 ) , ومن المعلوم أن المضيق الدولى كما جرى عليه العرف الدولى وما قررته محكمة العدل الدولية فى حكمها المذكور يشترط فيه توافر ركنين اساسيين هما (1) أن يكون المضيق موصلاً بين بحرين عاليين – أى جزء من اعالى البحار – (2) أن يكون المضيق مما جرى العرف الدولى على استعماله عادة كطريق من طرق الملاحة البحرية , والحق انه لم يثبت قط أن مضيق تيران اتخذ لمثل هذا الوصف لعدم استعماله كطريق للملاحة البحرية ولعدم كونه موصلاً بين بحرين وانما هو يصل المياه الإقليمية المصرية بالمياه الداخلية للدول العربية ، ومن ثم فإن سيادة مصر المشروعة على تلك الجزيرتين كاملة غير منقوصة ولم تفرط فى شبر منهما على امتداد تاريخها وراح ضحيتهما وبسببهما دماء ذكية حفاظاً على إقليمها إذ قرر المندوب الامريكى فى الاجتماع رقم 1377 امام مجلس الأمن أن إغلاق مضايق تيران كانت السبب الجوهرى لحرب 1967 وأن العودة للسلام يتطلب ضماناً لحرية الملاحة فى مضيق تيران .
وفضلاً عما تقدم , فإن مصر كانت طوال هذه الفترة فى حالة حرب مع العدو الإسرائيلي لاسترداد حقها فى المضيق وبسط سيطرتها إلى أن تم التحرير فى حرب أكتوبر عام 1973 المجيدة ، وهو ما أكده قرار مجلس الأمن بتشكيل قوة الطوارئ الدولية فى 25 اكتوبر 1973 وأن وقف اطلاق النار المتقطع بسبب انتهاكات إسرائيل المستمرة له لا يؤثر على بقاء حالة الحرب L’État de guerre رغم وقف اطلاق النار , لأن وقف القتال Suspension d’armes لا ينهى حالة الحرب , كما أن الهدنة L’armistice لا تنهى تلك الحالة لأن الحرب لا تنتهى إلا بالتوصل إلى اتفاق سلام أو معاهدة صلح traité de paix ومن ثم فلا حق لإسرائيل خلال تلك الفترة فى مرور سفنها فى مضيق تيران , ثم جاءت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية واستخدمت المادة الخامسة فى فقرتها الثانية من تلك المعاهدة تعبير طرق الملاحة الدولية International waterways ولم تستخدم تعبير المرور العابر Transit passage وفقا لما أتت به اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ولا مرية أن النظرة الفاحصة فى تلك المعاهدة وملاحقها تكشف النقاب عن أن أطراف المعاهدة ينظرون إلى مياه مضيق تيران بحسبانها جزءاً لا يتجزأ من المياه الإقليمية المصرية ، ووفقاً للمادة الثالثة من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار فإن النظام المقرر للمرور فى المضايق لا يؤثر على الطبيعة القانونية للمياه التى تتشكل منها تلك المضايق , وهو ما يتوافق مع مبدأ المرور العابر كما سطرته المادة 38 فى فقرتيها الأولى والثانية من اتفاقية الأمم المتحدة المشار إليها , أخذاً فى الاعتبار ما أكدته مصر فى تصديقها على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بتاريخ 11 يوليو 1983 بقولها : ” أن جمهورية مصر العربية إذ تصدق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والمعبر عنها فيما بعد بالاتفاقية وإعمالاً لحكم المادة(310) منها تعلن أن ما ورد فى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية المبرمة عام 1979 من نص خاص بالمرور فى مضيق تيران وخليج العقبة يسير فى إطار التنظيم العام للمضايق كما ورد بالجزء الثالث من الاتفاقية بما يتضمنه هذا التنظيم من عدم المساس بالنظام القانونى لمياه المضيق ومن واجبات تكفل السلامة وحسن نظام دولة المضيق , وإذا كانت المادة الخامسة من معاهدة السلام قد تضمنت اعتبار الطرفين مضيق تيران من الممرات الدولية المفتوحة دون عائق أو ايقاف لحرية الملاحة أو العبور الجوى فإن ذلك لا يعنى اتفاقاً بين الطرفين على تغيير النظام القانونى للمرور أو للملاحة فى المضيق يخرجه عن نطاق تطبيق أحكام المضايق وفق الاتفاقية العامة لقانون البحار فى المادة 35/ 4 وبهذه المثابة فإن صفة الدولية التى أضافتها الفقرة الثانية من المادة الخامسة على تيران إنما بُغية ارساء مبدأ حرية الملاحة لا يغير من المركز القانونى للمياه التى يشملها هذا المضيق بحسبانها مياها إقليمية مصرية تمارس عليها مصر كامل سيادتها عليها ، واَية ذلك ما تضمنته الفقرة الثانية من المادة الأولى من تلك المعاهدة التى نصت على أن مصر سوف تستأنف ممارسة سيادتها الكاملة على سيناء بعد إتمام الانسحاب الإسرائيلى إلى ما وراء الحدود الدولية ، وغنى عن البيان إن سيادة مصر على سيناء تكون لأرضها وجوها ومياهها الإقليمية . وبصفة عامة يمكن القول أن اتفاقية معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية فى مجملها وما تحتويه من تنظيم المرور بمضيق تيران بما يضمن كفالة السلامة وحسن نظام دولة المضيق تعنى التسليم لمصر بكامل سلطانها فى السيادة عليه كجزء من إقليمها ولا يمكن لدولة أن تسعى لتنظيم مرور ملاحي فى نطاق معاهدة لمضيق ليس خاضعاً خضوعاً كاملاً لها وليس من إقليمها الخالص . ومؤدى ما تقدم جميعه ولازمه أن كل تعرض أو تدخل لهاتين الجزيرتين سلماً أو حرباً لم يكن طرفاً فيه سوى دولة وحيدة هى مصر لا غيرها , الأمر الذى يستلزم مع تضافر وتكامل الأسباب الأخرى استدعاء أن السيادةعليهما ليست إلا لمصر ولمصر وحدها ، وبناءً على الاتفاقية المشار إليها اُدرجت الجزيرتان ضمن المنطقة (ج) والتى تخضع وفقاً لأحكام الاتفاقية ضمن السيادة المصرية ، ولم تتدخل المملكة العربية السعودية فى هذه المباحثات – تصريحاً أو تلميحاً – بما يقطع بأن الجزيرتين أرض مصرية وليس لدولة أخرى ثمة حقوق عليهما ، وكانت مصر ولا زالت هى الطرف المدافع عن هاتين الجزيرتين حرباً وسلماً لا باعتبارها وكيلة أو تديرها لصالح دولة أخرى .
ومن حيث إنه لا خلاف على أن مظاهر سيادة مصر على الجزيرتين قد أخذت صوراً متباينة ومظاهر متعددة وكانت تلك السيادة ثابتة ومستقرة ومستمرة منذ القدم كشف عنه العصر الحديث اعتباراً من 1906 حتى الآن ولم يثبت فى أية مرحلة من مراحل التاريخ أن السعودية مارست على تلك الجزيرتين أدنى مظهر من مظاهر السيادة أو كان لها تواجد عسكري أو غيره من أى نوعوالقاعدة المستقرة فى ظل القضاء الدولي كمبدأ من المبادئ العامة فى القانون هو مبدأ عدم جواز الادعاء بما يخالف سلوكاً سابقاً – وهو ما طبقته محكمة العدل الدولية فى حكمها الصادر سنة 1962 وذلك فى قضية (Préah Vihear) – كما أن مبدأ عدم وجود مظاهر منافسة للسيادة يعطى الدولة صاحبة السيادة الفعالة أهلية كاملة على الإقليم الذى مارست فيه كافة شئون السيادة والقاعدة أنه إذا وجد ادعاءان متعارضان فإن اظهرهما هو الذى يعلو وهذا ما ذهبت اليه محكمة العدل الدولية إذ أخذ به المحكم فى قضية جزيرة بالماس 1928فقد كانت ممارسة هولندا للسيادة على تلك الجزيرة ثابتاً دون إسبانيا وهو الذى خول هولندا حق كسب الجزيرة, وكانت تلك القضية بين الولايات المتحدة وهولندا بشأن السيادة على الجزيرة المذكورة ،حيث ادعت الولايات المتحدة سيادتها على الجزيرة – كخلف لإسبانيا – بناء على الكشف إذ أن إسبانيا تنازلت لأمريكا عن جزر الفلبين وقد استندت الولايات المتحدة إلى الجوار بحسبان الولايات المتحدة تمارس السيادة على جزر الفلبين وجزيرة بالماس تكون جزءًا جغرافياً من جزر الفلبين أما هولندا فذهبت إلى أنها خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر ممثلة بشركة الهند الشرقية الهولندية كانت تمارس حقوق السيادة على تلك الجزيرتين وتم الاعتراض على أن الحقوق التى كانت تمارسها هولندا وشركتها كانت تستند إلى معاهدات مع الأمراء الوطنيين وأنها لذلك سيادة اقطاعية suzeraintyولم تكن سيادة دولية sovereignty ولكن المحكم اقتنع بأن هولندا مارست مظاهر السيادة على الجزيرة خلال فترات معينة ما بين منتصف القرن السابع عشر ونهاية القرن التاسع عشر ورفض ادعاء الولايات المتحدة , والثابت من الأوراق أن مصر مارست سيادتها الكاملة على تلك الجزيرتين فى جميع الفترات دون منازع على مسرح الحياة الدولية ، ولم توجد مظاهر منافسة من أية دولة للسيادة المصرية المشروعة على هاتين الجزيرتين.
ومن حيث أنه ومع أن المياه الداخلية تختلف عن الإقليم البري من الناحية الطبيعية ، فإنهما يخضعان لنفس النظام القانوني – خاصة من ناحية السيادة – وهو ما يمكن استنتاجه من نص المادة الأولى من اتفاقية قانون البحار عام 1982 الذى يقضى بأن سيادة الدول الساحلية تمتد خارج إقليمها البرى ومياهها الداخلية إلى البحر الإقليمى . وهذا يعنى أن ولوج السفن الأجنبية فى المياه الداخلية يخضع للتدابير التى تتخذها الدولة الساحلية فى هذا الشأن ، كتحديد الممرات البحرية ووقف الملاحة فى المياه الداخلية ، وإقفال بعض الموانئ فى وجه السفن الاجنبية ، وتنص الفقرة الثانية من المادة (25) من ذات الاتفاقية على أن للدولة الساحلية الحق فى اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أى خرق للشروط التى يخضع لها دخول السفن الأجنبية إلى المياه الداخلية ، أو توقفها فى مرسي خارج هذه المياه ، وهو حق يستلزم خضوع السفن الأجنبية المتواجدة فى المياه الداخلية للتشريعات الإقليمية للدولة وللسلطة القضائية المحلية ، وهو عين ما مارسته مصر فى سيادتها على الجزيرتين اقليمياً ومياهاً .
ومن حيث أنه بشأن ما أثير عن قرار رئيس جمهورية مصر العربية رقم 27 لسنة 1990 بشأن خطوط الاساس التى تقاس منها المناطق البحرية بجمهورية مصر العربية فإن المادة الأولى من القرار المشار إليه تنص على أن يبدأ قياس المناطق البحرية الخاضعة لسيادة وولاية جمهورية مصر العربية بما فيها بحرها الإقليمي من خطوط الأساس المستقيمة التى تصل مجموعة النقاط المحددة بالإحداثيات الواردة فى المادة الثانية ، فإن هذا القرار وقبل التعرض لمضمونه والغرض من إصداره يؤكد ما سبق أن أشارت إليه المحكمة من أن السيادة هى العنصر الهام والحاسم لتحديد المياه الداخلية للبلاد شأنها شأن قواعد تحديد الإقليم البرى وأن هذا القرار والذى اتخذ اساساً لاتخاذ الإجراء المطعون عليه فى محاولة من الجهة الطاعنة للربط بينهما واعتبار الاجراء المخالف يعد نتيجة منطقية للقرار المشار إليه يفتقد الاساس القانوني المبرر من واقع الأوراق ، وسند ذلك أن طريقة القياس على خطوط الأساس المستقيمة Straight Baselines، قبل أن تُشرع فى اتفاقية قانون البحار وقبلها اتفاقية جنيف كانت أساس حكم محكمة العدل الدولية فى قضية المصايد النرويجية البريطانية الصادر فى 18 ديسمبر 1951 ، وقد ذهبت المحكمة إلى أن نظام الخطوط المستقيمة الذى يتبع الاتجاه العام للشاطئ قد تم تطبيقه بإجراء من جانب النرويج وإنه لم يثر الاعتراض من جانب الدول الأخرى ، وأن المملكة المتحدة لم تبدأ الاحتجاج على ذلك النظام حتى عام 1932 ، وبعد وصف المحكمة للساحل النرويجى انتهت إلى الأخذ بفكرة خط الأساس المستقيم والذى يعني حسب الحكم المشار إليه اختيار عدد من النقاط الملائمة لأدنى انحسار الجزر على طول الساحل ، وبعد أن رفضت المحكمة ادعاء المملكة المتحدة المستند إلى طريقة خطوط الأساس لا ينطبق على حالات الخلجان ، مؤكدة على أن الممارسة الدولية لا تؤدى إلى استخلاص قاعدة ثابتة فى هذا الصدد ، خاصة أنه حال تطبيق هذه الطريقة ، يجوز أن يؤخذ فى الاعتبار فى تقرير خطوط أساس معينة ما تنفرد به منطقة معينة من مصالح اقتصادية ثبت وجودها وأهميتها ثبوتاً جلياً بالاستعمال الطويل ، كما أنه لا يجوز لدولة الأخذ بنظام خطوط الأساس المستقيمة على نحو يفصل البحر الاقليمى لدولة أخرى عن أعالى البحار, ولا ريب أن القرار الجمهورى المشار إليه ( 27 لسنة 1990 ) قد راعي في إعتماد طريقة خطوط الأساس المستقيمة كطريقة يبدأ منها قياس المناطق البحرية الخاضعة للسيادة المصرية المصالح الاقتصادية الهامة وحماية الأمن القومي ، وقد ظهر هذا الموقف جلياً في الإعلان الصادر عن وزارة الخارجية المصرية رداً على مذكرة سكرتير الأمم المتحدة رقم M-Z-N-L 0 S2010 . 77فى25/ 3/ 2010 فى شأن قيام المملكة العربية السعودية بإيداع قوائم الاحداثيات الجغرافية لخطوط الأساس للمناطق البحرية للمملكة فى البحر الأحمر وخليج العقبة والخليج العربى ، كما وردت بقرار مجلس الوزراء رقم 15 بتاريخ 11/ 1/ 2010 والمرسوم الملكى رقم 2/ 4 فى 12/ 1/ 2010 من أن جمهورية مصر العربية تُعلن بأنها سوف تتعامل مع خطوط الأساس الواردة إحداثياتها الجغرافية فى الجدول رقم (1) المرفق بالمرسوم الملكى رقم 2/ 4 بتاريخ 12 يناير 2010 الذى يمثل الحدود الجنوبية لمصر بما لا يمس بالموقف المصرى فى المباحثات الجارية مع الجانب السعودى لتعيين الحدود البحرية بين البلدين ، وهذا التحفظ ولئن كان يكشف عن وجود مفاوضات بين البلدين إلا أنه يفصح وبجلاء– أيضاً – عن عدم وجود تطابق بين مضمون القرار الجمهورى وقرار مجلس الوزراء السعودى المشار إليهما سلفاً ، ولم تبين الجهة الطاعنة وجه الخلاف بين القرارين ، وإذا كان محله تغييراً فى الحدود أو السيادة وما يستتبعها بالنسبة للجانب المصرى من ضرورة اتخاذ إجراءات دستورية وقانونية تتصل بحقوق عامة للشعب لا تباشرها السلطة التنفيذية بمعزل عن إرادة الشعب ، وهذه الحقيقة القانونية لم تنشأ فى الوقت الحالى ، وإنما منذ دستور عام 1923 مع تغير المشارك للسلطة التنفيذية من مجلس النواب أو الشعب حتى دستور عام 1971 والشعب صاحب السيادة على هدى أحكام الدستور الحالى ، والذى حظرت أحكامه التنازل عن جزء من اقليم الدولة على كافة سلطاتها والشعب ذاته , والقاعدة الاصولية أن المعدوم لا يولد أثراً .
ومن حيث إنه بات من اللازم في ضوء ما تقدم توضيح الوضع الجغرافي لمضيق تيران والجزيرتين محل الطعن ، فمضيق تيران هو المدخل الوحيد الصالح للملاحة بخليج العقبة ، وهذا الخليج يبلغ طوله (96) ميلاً وأقصي نقطة لعرضه ( 5و14) ميل ، وبداخل هذا الخليج جزيرتان صخريتان هما جزيرتى تيران وصنافير وعدد آخر من الجزر الصغيرة المتناثرة تبلغ ثلاثين جزيرة تنتشر حولها الشعب المرجانية ، وتقع جزيرة تيران على بعد ثلاثة أميال من الساحل المصرى وأربعة أميال ونصف من الساحل السعودى عند رأس فرنك وتقع بين جزيرة تيران والساحل المصرى مجموعة من الشعب المرجانية الممتدة على هيئة خط طولى يمتد ناحية الشمال وتلك الشعب المرجانية تقسم مضيق تيران وهو الجزء الواقع بين الجزيرة والساحل المصرى إلى ممرين الشرقى الواقع بين الجزيرة وتلك السلسلة من الشعب المرجانية يسمى ممر جرافتون وعرضه 950 ياردة وتصعب فيه الملاحة ، والثانى ممر الانترابرايز ويقع ملاصقاً لساحل شبة جزيرة سيناء المصرى وعرضه (1300) ياردة ، إلا أن الصالح للملاحة منه لا يتعدى (500) ياردة ملاصقة تماماً للساحل المصرى ، أما جزيرة صنافير فتقع على بعد ميل واحد ونصف شرق تيران ، والطرف الجنوبى والجنوبى الغربى منها تحده الصخور التى تمتد شمالاً تاركاً قناة ضيقة بينهما وبين الساحل الغربى لها وتتناثر الشعب المرجانية حول الشاطئ الغربى لها ، وبذلك يكون الجزء الواقع بين تيران وصنافير غير صالح للملاحة ، كما أن الجزء الواقع بين صنافير والساحل السعودي غير صالح – أيضاً – للملاحة ، والجزء الوحيد الصالح للملاحة لهاتين الجزيرتين هو ال (500) ياردة الملاصقة لساحل شبة جزيرة سيناء المصرية ، وعلى الساحل الغربى لمضيق تيران تقع رأس محمد كما تقع شرم الشيخ وشرم المديا شمالاً وتقع رأس نصرانى على بعد ميل واحد ونصف شمال شرم الشيخ ، ويوجد به فنار ساحلى ومحطة لتموين السفن على بعد اثنين ميل ونصف شمالاً ، ومؤدى ذلك ولازمه , فإن المقصود بمضيق تيران هو جزيرتى تيران وصنافير والممرات الواصلة المحيطة بهما توصلاً للرئة التى تتنفس من خلالهما وتكون صالحة للملاحة على خليج العقبة وهى الملاصقة تماماً لساحل شبة جزيرة سيناء المصرى لا غيره ، ومضيق تيران على هذا النحو هو المنفذ الوحيد لخليج العقبة ويصله بالبحر الأحمر ، ويمثل في ذات الوقت وما يجاوره من جزر أهمية اقتصادية واستراتيجية لمصر ،وكان يجب أن تكون بذاتها تحت بصر وبصيرة من أقدم على اتخاذ الإجراء خاصة فى ظل الظروف والملابسات والحقائق السالف ذكرها والتى لم تقطع بملكية أو سيادة دولة اخرى للجزيرتين ويدعم حق مصر وسيادتها على الجزيرتين وكذا حقها فى ممارسة كافة السلطات عليهما ما ورد باتفاقية 1982 لقانونالبحار من تحديد سلطات الدولة على بحرها الإقليمى حيث تضمنت مايلى :
• حق اتخاذ الإجراءات الضرورية لمنع المرور غير البرئ .
• حق الإيقاف المؤقت للمرور البرئ من مساحات معينه من البحر الإقليمى ،إذا كان هذا الإيقاف لازماً لحماية أمن الدولة الساحلية .
• حق ممارسة الولاية الجنائية على ظهر السفن المارة عبر البحر الإقليمى في حالات معينة .
• حق ممارسة الولاية المدنية على السفن الراسية أو العابرة للبحر الإقليمى بعد مغادرتها المياه الداخلية .
• حق طلب مغادرة السفن الحربية للبحر الإقليمى في حالة عدم امتثالها لنظم الدولة الساحلية بشأن المرورأو تجاهلها طلب الامتثال الموجه لها .
• حق مراقبة منطقة من البحر مجاورة للبحر الإقليمى من أجل منع خرق القوانين الجمركية والجبائية والصحية وقوانين الهجرة داخل الإقليم البرى للدولة الساحلية أو بحرها الإقليمى على ألا تتجاوز هذه المنطقة 24 ميلاً
• حق المعاقبة على خرق القوانين والأنظمة الذى يُرتكب على البحر الإقليمى والإقليم البري للدولة .
وهو الأمر الذى مارسته مصر عبر تاريخها بلا منازع على كل من جزيرتى تيران وصنافير وما حولهما من مياهها الإقليمية – وعلى نحو ما سلف بيانه بشأن السفن الأجنبية – دفاعاً عن مصالحها الاقتصادية والأمنية .
وجدير بالذكر أنه حتى القرن التاسع عشر فقد كان القانون الدولي يميز بين مجالين بحريين فقط هما البحر العالى والمياه الشاطئية المجاورة للدولة الساحلية , إلا أن مؤتمر لاهاي لسنة 1930 ميز بين أربع مجالات رتبها انطلاقاً
من اليابسة على الشكل التالى : المياه الداخلية والبحر الإقليمى ، المنطقة المتاخمة والبحر العالى ، واعتبر المياه الداخلية والبحر الإقليمى مجالين خاضعين لسيادة الدولة الساحلية إلا أن الفوضي القانونية فى مجال البحر الإقليمى كانت بمثابة الحافز على الدعوة إلى عقد المؤتمر الثالث لقانون البحار ، وتبين من خلال الدراسات التى اُنجزت حول الموضوع أن نسبة كبيرة من الدول الساحلية تبنت مسافة 12 ميلاً كعرض للبحر الإقليمى ، ولقيت هذه المسافة إقبالاً واسعاً خلال المؤتمر الثالث لقانون البحار ، ونصت عليها المادة (3) من اتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار عام 1982 والتى ورد فيها أن ” لكل دولة الحق فى أن تحدد عرض بحرها الإقليمى بمسافة لا تتجاوز 12 ميلاً ، مقيسة من خطوط
الأساس المقررة وفقاً لهذه الاتفاقية ” ، ولم توضح اتفاقية جنيف حول البحر الإقليمى والمنطقة المجاورة عام 1958 ، ولا اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982 ، بشكل كاف حدود المياه الداخلية ، حيث نصت الاتفاقية الأولى في
الفقرة الأولى من المادة الخامسة على أن المياه الواقعة فى الجهة المواجهة للأرض من خط قياس البحر الإقليمى تكون جزءاً من المياه الداخلية للدولة . ونصت الاتفاقية الثانية فى الفقرة الأولى من المادة الثامنة على أن المياه الواقعة على الجانب المواجه للبر من خط الأساس للبحر الإقليمى تشكل جزءاً من المياه الداخلية للدولة ، وتخضع المياه الداخلية للنظام القانونى المطبق على الإقليم الأرضى للدولة الساحلية ، التى تمارس على هذا المجال البحرى سيادة مطلقة بدون قيد أو شرط ، حيث يعود لها وحدها حق تحديد النظام القانونى لمياهها الداخلية والقوانين المطبقة عليها فيما يتعلق بالصيد ومرور السفن الأجنبية ، وقد جاء في تعليق لجنة القانون الدولى على هذا الموضوع عام 1956 أن الدول الساحلية تمارس سيادتها فى مياهها الداخلية بنفس الطريقة التى تمارس بها سيادتها على إقليمها الأرضى ، واعترفت اتفاقية عام 1982 فى مادتها الأولى بخضوع المياه الداخلية لسيادة الدولة الساحلية بنفس مستوى خضوع الإقليم الأرضى لسيادة هذه الأخيرة ، إلا أنها استثنت فى الفقرة الثانية من المادة الثامنة من هذا النظام المياه الداخلية التى كانت تشكل جزءاً من البحر الإقليمى أو البحر العالى ، ثم أصبحت مياهاً داخلية بعداستعمال خطوط القياس المستقيمة ، حيث اعترفت للسفن الأجنبية بحق المرور البرئ عبرها . وقد سادت نظرية في الفقه الدولي تقول بأن البحر الإقليمى هو امتداد للإقليم الأرضي للدولة الساحلية تفرعت عنها نظريتان :إحداهما : تمنح الدولة حق الملكية على بحرها الإقليمى ، وثانيهما : تمنح الدولة حق السيادة فقط على بحرها الإقليمى دون حق الملكية . ويعتبر البحر الإقليمى – حسب نظرية الملكية – جزءاً من إقليم الدولة الساحلية وبذلك فإنه يخضع لملكية هذه الأخيرة التى من حقها – وحدها – أن تمارس عليه نفس الحقوق والسلطات والاختصاصات المخولة لها على إقليمها الأرضى ، فى حين يرى أنصار نظرية السيادة فقط أن الدولة الساحلية تمارس على بحرها الإقليمى سيادة تختلف عن تلك التى تمارسها على إقليمها الأرضى ، لأن المجال البحرى يتميز بخصوصياته ، ولذلك تمارس عليه الدولة الساحلية ولاية خاصة في بعض المجالات مثل الصيد والجمارك والدفاع ، وذلك من أجل ضمان أمنها وحماية مصالحها – ولا ريب أن الجزيرتين وما حولهما من المياه الإقليمية تملك مصر عليهما حقى الملكية والسيادة – وممارسة هذه السيادة لم يشبها عرقلة المرور البرئ . وما ترى من تفاوت فى ممارسة مصر سيادتها المذكورة ، فإذا أرجعت الحكومة الطاعنة البصر لتقرأ التاريخ ، فلن ترى من فطور أو إخلال أو تصدع أو شقوق ، ثم إذا أرجعت البصر كرتين فى جميع حقب تاريخ مصر للقول بإنكار سيادتها على الجزيرتين ينقلب إليها البصر خاسئاً وهو حسير .
وتاريخياً لقيت النظرية السالفة إقبالاً واسعاً على المستوى الدولى حيث تبناها المعهد الامريكى للقانون الدولى فى مشروعه العاشر المتعلق بالملك الوطنى عام 1925 ، حيث نصت المادة الثامنة منه على أن الجمهوريات الأمريكية تمارس حق السيادة على مياه وقاع وما تحت قاع بحارها الإقليمية ، كما تبناها – أيضاً – معهد القانون الدولى بشكل صريح خلال دورة استوكهولم عام 1928 ، حيث أعلن أن الدولة تمارس السيادة على المنطقة البحرية التى تغمر شواطئها ، وتحمل اسم البحر الإقليمى وهيمنت نفس النظرية على أعمال مؤتمر لاهاى عام 1930 ، سواء خلال أجوبة الحكومات على استمارات اللجنة التحضيرية ،أو من خلال الوثيقة النهائية التى نصت المادة الأولى منها على أن ” إقليم الدولة يشمل منطقة من البحر تعرف باسم البحر الإقليمى ، وتمارس السيادة على هذه المنطقة حسب شروط محدده في هذه الاتفاقية وقواعد القانون الدولى الأخرى ” ، واستقرت نظرية السيادة من خلال عدة اتفاقيات دولية أهمها : اتفاقية شيكاغو الجوية عام 1944 ، والتى تنص المادة الأولى منها على أن أطراف الاتفاقية يعترفون لكل دولة بالسيادة الكاملة والخالصة على المجال الجوى الذى يعلو إقليمها ، وتعرف المادة الثانية منها إقليم الدولة بأنه يتكون من المناطق الأرضية والمياه الإقليمية المجاورة الخاضعة لسيادتها ، واتفاقية جنيف عام 1958 حول البحر الإقليمى والمنطقة المجاورة ، والتى تنص في الفقرة الأولى من المادة الأولى منها على أن سيادة الدولة تمتد إلى ما وراء إقليمها الأرضى ومياهها الداخلية إلى منطقة من البحر مجاورة لسواحلها تعرف باسم البحر الإقليمى ، وتضيف فى المادة الثانية منها على أن سيادة الدولة تمتد إلى البحر وما تحت قاعه ، وأخيراً اتفاقية قانون البحار عام 1982 ، والتى تنص فى المادة الأولى منها على ما يلى :
• تمتد سيادة الدولة الساحلية خارج إقليمها البرى ومياهها الداخلية ، أو مياهها الأرخبيلية إذا كانت دولة أرخبيلية إلى حزام بحرى ملاصق يعرف بالبحر الإقليمى .
• تمتد هذه السيادة إلى الحيز الجوى فوق البحر الإقليمى رهناً بمراعاة أحكام هذه الاتفاقية وغيرها من قواعد القانون الدولى .
ولا ريب أن ممارسة جمهورية مصر العربية لسيادتها على جزيرتى تيران وصنافير وعلى مياهها الاقليمية يكون موافقاً لجميع تلك الاتفاقيات الدولية فمضيق تيران مضيق وطني مصرى يقع فى أرض مصرية خالصة محظور على كافة سلطات الدولة والشعب صاحب السيادة التخلى عنه.
ومن حيث إنه تأسيساً على ما تقدم ، ومتى كانت أوراق الطعن قد خلت من ثمة وثيقة أو معاهدة تشير إلى أن دولة أخري غير جمهورية مصر العربية ، قد مارست سيادتها المشروعة على جزيرتي تيران وصنافير في أى وقت من الأوقات بحسبانهما ضمن الإقليم المصرى المحظور التنازل عن أى جزء منه ، كما لم يثبت على الأطلاق ممارسة المملكة العربية السعودية لأدنى مظهر من مظاهر السيادة علي الجزيرتين سواء قبل إعلان المملكة عام 1932 أو بعدها ،
كما خلت الأوراق من ثمة نص فى معاهدة أو اتفاق مكتوب بين مصر والسعودية يفيد فى أى حقبة من حقب الزمان أن الأخيرة تنازلت أو سمحت لمصر بالوجود
العسكرى عليهما ، خاصة إبان استيلاء إسرائيل على ميناء أم الرشراش – إيلات حالياً – عام 1949 ، وقواعد القانون الدولى لا تعتد إلا بالاتفاقيات المكتوبة والموقعة من الطرفين فى مثل هذه الحالات الهامة ، وبهذه المثابة يكون الإجراء الإدارى الذى سمته الحكومة المصرية في تقرير طعنها اتفاقاً مبدئياً بترسيم الحدود وما نتج عنه من تنازل عن الجزيرتين – أياً كانت المبررات الدافعة إليه – حال كونهما ضمن الإقليم المصرى مخالفاً للدستور والقانون لوروده على حظر دستورى مخاطباً به السلطات الثلاث ، والشعب ذاته ، ولانطوائه على خطأ تاريخى جسيم – غير مسبوق – يمس كيان تراب الوطن المملوك للشعب المصرى فى اجياله السابقة وجيله الحالى والأجيال القادمة وليس ملكاً لسلطة من سلطات الدولة ، ولذا فإن الحفاظ عليه والدفاع عنه فريضة مُحكمة وسُنة واجبة ، فهذا التراب أرتوى على مر الزمان بدماء الشهداء التى تُعين وتُرسم حدوده ، باق وثابت بحدوده شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً ، وسلطات الدولة متغيرة ، خاصة وأن التنازل عنه – على النحو المتقدم – سيفقد مصر حقوقها التقليدية على مياهها الإقليمية التى مارستها عبر قرون ، فضلاً عما يشكله من تهديد دائم للأمن القومى المصرى ، وإضرار بمصالحها الاقتصادية في مياهها الداخلية الإقليمية ، وإذ ذهب الحكم المطعون فيه إلى هذا القضاء وعضدته هذه المحكمة بأدلته وعظمته ورسخت بنيانه وقواعده بما وقع تحت بصرها وبصيرتها من أدلة جازمة قاطعة فإنه يكون قد أصاب وجه الحق وصادف صحيح القانون ملتمساً حكمته ، ويكون الطعن عليه خلقياً بالرفض .
ومن حيث إن المحكمة لا يفوتها أن تشير إلى أنها استبحرت فى فكر العلماء المتخصصين وما استقرت عليه محكمة العدل الدولية من مبادئ عامة فى تحديد مظاهر السيادة المشروعة , وما تحملته فى سبيل ذلك من كلل مضن دون ملل – فالتعرف على تاريخ الشعوب ومركز إقليمها القانونى وجزرها ومضايقها ليست بالأمر الهين – للوصول إلى نقطة البحث الشائكة بقدر ما هى شائقة , ليكون الأمر على رقعة واسعة من المعرفة العلمية القانونية السديدة ويتسع على أديمها بخطوات فتية , لا يتسع فيها حكم قضائى للم شتاتها حجماً وكُلفة , ولم تجد المحكمة مصرفاً عن اجتزاء بعض مضامينها حتى تبقيها فى إطار يقينها , و لا تحرم المعرفة القانونية من تاريخ البشرية لتفاصيل تهواها بقناعة المتن بفحواها فقد حملت الجزر والمضايق والبحر أمانة الحضارات البشرية مهداً للعلم وطريقاً للثراء ومعبراً للتجارة وهمزة للإخاء وشغلت ما للدول فيه من حقوق بال الأمم المتحدة منذ أن تنفست أنسام القانون , وأن المحكمة قد استجلت الحقيقة القانونية لجزيرتى تيران وصنافير وفقاً للمبادئ المستقرة فى القانون الدولى فى ممارسة السيادة المشروعة على إقليمها وبأحكام الدستور , وكان من نتاجه – المقطوع به يقيناً – أن جزيرتى تيران وصنافير تحت سيادة مصر دون سواها .
ومن حيث أنه عما ورد بدفاع الطاعنين من أن سلطة مصر على الجزيرتين كانت سلطة إدارية تختلف عن فكرة سيادة الدولة وأن مصر كانت تمارس السيادة علي الجزيرتين كوكيل عن دولة أخرى ( السعودية ) ، فإن الأمر يفترض لصحته اتفاقاً موثقاً بين الدولتين ، وأن هذا التنازل المزعوم وفقاً للمستقر من أحكام القانون الدولى العام يلزم لصحته شرطان اولهما :أنه يجب أن يتم بموجب اتفاق دولى أياً ما كان الشكل القانونى للاتفاق الدولى وتظهر فيه – بجلاء – انصراف إرادة الدولة المتنازلة إلى التنازل وقبول الدولة المتنازل لها لهذا التنازل وأسبابه ومبرراته ,ثانيهما : لزوم ثبوت سيادة سابقة للدولة المتنازلة عن الأراضى المتنازل عنها , و لم تُقدم للمحكمة عليها ثمة دلائل أو أدلة أو براهين تؤيد توافر كلا الشرطين , خاصة وأن من يملك السيادة يملك الإدارة والعكس غير صحيح إلا بسند، فالسند هو من تقف على أعتابه كافة التصرفات القانونية ، ولا يستقيم مع ما تقدم القول بأن الجزيرتين أودعتهما لدى مصر دولة لم تمارس عليهما أدنى مظهر من مظاهر السيادة – وهو ما أجدبت عنه كافة أوراق الطعن وعجزت الحكومة عن أن تقدم دليلاً واحداً على هذه الوكالة المزعومة ، والأمر لا يخرج فى عقيدة المحكمة على أنها سبيل منها للدفاع عن توقيعها للوصول إلى غاية مخالفة للدستور المصرى حاصلها الانتقاص من حقوق مصر على الجزيرتين ، وأغفلت أو تغافلت الحكومة أن رد الشئ الخاضع للسيادة حتى وإن كانت سيادة مؤقتة – وهو فرض لا يقوم فى حالة الطعن الماثل – هو فى حقيقته تنازل عن السيادة يستوجب ذات الاجراءات مع اختلاف الاسباب ، ولا ينال مما تقدم ما استندت إليه الجهة الطاعنة من صدور خطابات صادرة بشأن هذا الموضوع للتدليل على أن يد الدولة على الجزيرتين يد عارضة ، ومن ثم خروجهما من السيادة المصرية ، بحسبان هذه المكاتبات لا تمثل التزاماً على الدولة لافتقارها للسند الدستورى والقانونى المبرر لواقع الجزيرتين المتمثل فى مصريتهما حدوداً وسيادة بلا منازع ، وهو أمر – فضلاً عن اُطره القانونية يرجع إلى حقيقتين ثابتتين :أولهما : – أن مصر دولة لا تمثل فقط اسماً على خرائط الكون وإن حدودها خطَها على الخرائط خطاط أو باحث ، وإنما هى دولة خلقت من رحم الطبيعة بعناية الله تقع بين بحرين عظيمين ربطت بينهما – خدمة للعالم القديم والحديث – بقناة السويس التى شُقت بدماء وعرق بنيها ،ويجرى من جنوبها إلى شمالها مسرى الدم نيل خالد نشأت على ضفتيه أعظم حضارات الدنيا ، واتخذ أهلها من الزراعة حرفة ومن البناء والعمران إبداعاً على وجه اندمجت حضارته مع أرضه فى وعاء واحد جمع بين عبق التاريخ وأصالة المصرى بموروث انتماء ربطه بأرضه وصارت كعرضه تهون نفسه دفاعاً عنها وثانيهما :أن مصر الدولة لم تُخرج جيشها – قديماً أو حديثاً – خارج أرضها إلا لحماية أمنها أو أمن شقيقاتها العربية ، وأن التاريخ يقف طويلاً حتى يتذكر دولة أخرى غيرها تركت حكم دولة فى جنوب أرضها لأهله وكان ملك مصر يُكنى بإسمها ، كما اختلط شعبها بالشعوب العربية جنوبه وشرقه وغربه نسباً وصهراً دون أن يجور بهذا النسب على حدود جيرانه .
وترتيباً على ما تقدم ولازمه , فإن المحكمة تطرح ما ورد بدفاع الجهة الإدارية من أن مصر احتلت الجزيرتين بحسبان ذكر كلمة ” احتلال ” فى المكاتبات العسكرية إذ أن ذلك له مدلول فى المصطلحات العسكريةTerms Militaryفالاحتلال العسكرى Military occupation غير المشروع هو المحظور دولياً وهو الاحتلال الناجم عن حالة الحرب غير المشروعة كأحد أشكال الاستعمار الذى تحظره القواعد الدولية الحديثة , أى الاحتلال كنتيجة للحرب
Occupation as an aftermath of war ومثالها احتلال القوات الإسرائيلية لأرض فلسطين العربية إذ تبقى سيادة فلسطين الشرعية على إقليمها قائمة لكنها لا تمارسها لسبب مانع هو غل سلطتها عن الإقليم المحتل , أما إذا لم تكن هناك حالة حرب بين دولتين فإن لفظ الاحتلال لا يعدو أن يكون مصطلحاً عسكرياً تعرفة جيوش شعوب العالم أجمع فيما بينها لدى تسكين جنودها أحد المعسكرات التابعة لإقليمها وهو المعروف باحتلال موقع المدافعoccupation of gun positionوهذا المعنى الأخير هو المقصود فى الحالة الماثلة ويتفق مع السيادة الدائمة التى مارستها مصر منذ 1906 على هاتين الجزيرتين ضمن الإقليم المصرى حتى الاَن ولم تكن سيادة مصر عليهما عارضة أو مؤقتة ناجمة عن حالة حرب غير مشروعة , وهذين المدلولين هما ما أخذت بهما محكمة نورمبرج إذ اعتبرت أن الأقاليم التى ضمتها المانيا خلال عامي 1939 و 1940 – أى أثناء الحرب العالمية الثانية – لم تدخل فى سيادة المانيا لأن الضم كان صورياً ناتجاً عن حالة الحرب ومن المعلوم أن الضم الصورى محظور بموجب اتفاقية لاهاى والمادة 34 من وفاق برلين سنة 1885 , وبهذه المثابة فإن قول الجهة الإدارية أنه قد ورد بمستند أن الجيش المصرى قد احتل جزيرتى تيران وصنافير فمعناه الحقيقى – فى ضوء ما تقدم من مفاهيم عسكرية عالمية مستقرة – الاحتلال بالمفهوم الميدانى للجيوش على جزء من إقليمها وليس استيلاءً على أرض غير مملوكة له ، وظاهر العبارة – كما أرادته الحكومة – تحمل سوءاً فى القصد أو معنى غير مقصود فنياً , ذلك أن لفظ احتلال فى عرف الجيوش هو الانتشار أو السيطرة وهو لفظ – كما سلف البيان – يطلقه الجيش على عملياته العسكرية داخل أرضه ويختلف اختلافاً جوهرياً عن احتلال الأرض والأوطان للغاصب الذى عانى منه الشعب المصرى عقوداً ودفع جيشه وشعبه ثمناً غالياً من دمه الذى ارتوى بأرضه فى حروب انهزم وانتصر ليبقى على حدوده ويرد عنها كل عدوان ولا يسوغ لنعت تصرفه بالاحتلال بمجرد إخطار دولة مجاورة بأنه يتم السيطرة على الجزيرتين بحسبان ذلك لا يخرج عن كونه إخطاراً , وهوأمر متعارف عليه بين جيوش الدول حال إجراء مناورتها أو القيام بأعمال مشابهة , خاصة وأن مستندات الطعن قد افصحت دوماً على أن مصر تستحوذ على الجزيرتين من تاريخ سابق , أخذاً فى الاعتبار أن مستندات الطعن خلت من أية
وثيقة مكتوبة باتفاق دولى بالمعني السالف الإشارة له بين دولتي مصر والمملكة العربية السعودية يُنبئ على أن الجزيرتين كانتا ضمن الحدود السياسية أو الجغرافية للدولة الأخيرة ، ولا يسوغ بناءً على محض افتراض أن تُتخذ إجراءات تتصل بالتنازل عن الأراضي المصرية أو عن السيادة عليها إلى دولة أخري ، ولا يكفي لتبرير هذا الأمر واقعة صدور خطاب من حكومة مصر للسعودية يشير فيه إلى إنها سوف “تحتل” الجزيرتين , فالأمر في عقيدة المحكمة لا يخرج عن كونه تصرفاً نبيلاً من مصر يتمثل في إخطار أقرب دولة عربية جارة لها بإجراء عسكرى ستقدم عليه لبث الطمأنينة لديها في ظل أن سواحل تلك الدولة مهددة من أى هجوم محتمل من قبل اللنشات والقطع البحرية الإسرائيلية ، يدعم ذلك أن الوزير السعودى المفوض بالقاهرة أرسل فى 30 يناير 1950 برقية إلى الملك السعودى تعكس التخوف السعودى من التهديدات الإسرائيلية والاطمئنان من كونها وقعت تحت السيطرة المصرية وكان رد الملك السعودى عليها في ذات اليوم ببرقية للمفوضية السعودية بالقاهرة تضمنت مباركة السعودية للاجراءات التى اتخذتها مصر في إطار البعد العربى والقومى والتهديدات التى يتعرض لها البلدان , ولم يتضمن هذا الخطاب من قريب أو بعيد ما يشير إلى تعلق أى حق للمملكة السعودية على الجزيرتين , وسند ما تقدم الإشارة الدائمة فى المكاتبات والخطابات الرسمية السالف الإشارة إليها من إن مصر تستحوذ على الجزيرتين من تاريخ سابق ، كما أن مصر تحفظت بموجب إعلان مرسل إلى سكرتير عام الأمم المتحدة على قوائم الاحداثيات الجغرافية لخطوط اساس المناطق البحرية للمملكة العربية السعودية فى البحر الأحمر بما لا يمس الموقف المصرى فى المباحثات الجارية مع الجانب السعودى لتعيين الحدود بين البلدين وتاريخ التحفظ 15/ 9/ 1990 .
ومن نافلة القول الإشارة إلى ما تذرعت به الحكومة الطاعنة من أن الحكم المطعون فيه قد خلط بين مصطلحي تعيين الحدود وترسيم الحدود , فذلك مردود عليه أن هذه المحكمة تدرك أن الممارسات الدولية كشفت على أن عملية تعيين الحدود الدولية بين الدول المتجاورة لا تكفي لأن تضفي على هذه الحدود طابعا لثبات والاستقرار ،إلا إذا تم الانتقال بعملية التعيين هذه من مجرد تصور نظري خالص إلى واقع مادي ملموس على الطبيعة من خلال مايطلق عليه فقهاء القانون الدولي بعملية الترسيم ، التى يقوم بها خبراء بهذا الشأن تضمهم فى الغالب لجان ترسيم مشتركة بين الأطراف المعنية، أوتقوم بها شركات عالمية متخصصة تستخدم أحدث التقنيات للصعوبات الطبوغرافية أوالديموغرافية ، والتى تجعل من العسير إتمام عملية الترسيم إلابعد إدخال التعديلات أو الانحرافات الضرورية على خط الحدود المزمع ترسيمه, ومؤدى ذلك أن الحدود الدولية تمر عند إنشائها بمرحلتين أساسيتين هما مرحلة التحديدأوالتعيين Delimitation ومرحلة الترسيم أوالتخطيط Demarcation والتحديد عملية قانونية يتم بموجبها بيانا لوصف الدقيق لخط الحدود فى السند القانونى المنشئ له، والذى قد يتخذ شكل معاهدة حدودية أوبروتوكول يعقد بين الدولتين المعنيتين , أما الترسيم فهو عملية فنية خالصة لاحقة على عملية التحديد يتم من خلالها وضع خط الحدود الذى تم وصفه فى السند القانونى المنشئ له على الطبيعة وتعريفه بواسطة العلامات الحدودية المادية ،أو أى علامات أخرى تدل عليه فالترسيم عملية متممة أو لاحقة لعملية التحديد وبدونها لايتمتع خطا لحدود بصفة الثبات والاستقرار , وبحسبان الترسيم عملية فنية بحتة يقومبها فريق من الخبراء المتخصصين فى علم الهندسة والجغرافية والخرائط والشئون العسكرية بخلاف عملية التحديد التي تتصف بأنهاعملية قانونية يقوم بها الخبراء فى القانون الدولى , والخلاصة أن الترسيم عملية تنفيذية يراد بها تحريك أو تنفيذ السند القانونى الذى يبين الوصف النظرى الدقيق لخط الحدود وذلك عن طريق وضعه موضع التنفيذ على الأرض عن طريق العلامات المميزة الدالة عليه.كما لا يخفى على فطنة هذه المحكمة الآثار القانونية المترتبة على التفرقة بين تعيين الحدود وترسيم الحدود ذلك أن تعيين الحدود ملزمة لأطراف الاتفاقية بينما ترسيم الحدود تختلف قيمتها الملزمة بحسب ما اذا كان يوجد نص باتفاقية تعيين الحدود على الاعتراف بقيمتها دون تصديق لاحق عليها أم لا يوجد هذا النص اصلاً , اذ تعتبر أعمال الجهة القائمة بعملية الترسيم صحيحة ونافذة وملزمة للدول المعنية تتمتع بقيمة قانونية في مواجهتها ،مادامت هذه الدول متفقة على اعتبار تلك الأعم الملزمة ونهائية لا تحتاج إلى إقرار أو مصادقة لاحقة من قبل الجهات المختصة, ومثالها ما نصت عليه المادة الخامسة من بروتوكول القسطنطينية المعقود عام١٩١٣والمتعلق بتعيين الحدود بين تركيا وإيران ، أما إذا لم ينص على ذلك فإن القيمة القانونية لأعمال جهة الترسيم تتوقف على إجازة الأطراف لهذه الأعمال أو رفضهم لها ،فإذا أجازتها الأطراف المعنية صراحة أو ضمناً اُعتبرت هذه الإجازة بمثابة تفسيرأو تعديل للسند القانونى المنشئ لخط الحدود يتمتع بحجة قانونية فى مواجهتهم, ومثالها قضية معبر برياه فيهيار،فقد فصلت محكمة العدل الدولية بالقضية مؤيدة لخط الحدود الذى قامت بترسيمه لجنة الترسيم المشتركة بين تايلاند وكمبوديا على الرغم من تعارضهم علي خط الحدود الذى عينته معاهدة الحدود لعام١٩٠٤ لأنها وجدت أن الطرفين قد قبل اضمناً من خلال سلوكهم اللاحق أعمال لجنة الترسيم , ولعل التفرقة بين مصطلحي التحديد والترسيم لم تكن قائمة حتى وقت قريب بل وتشيرالممارسات الدولية إلى إن مصطلح التحديد استعمل في أغلب الحالات للدلالة على الترسيم،ومثال ذلك الفقرتين ثانياً وخامسا ًمن بروتوكول القسطنطينية لسنة١٩١٣لتعريف الحدود بين تركيا وإيران. وفى حالات أقل استعمل مصطلح الترسيم للدلالة على التحديد، ومثاله المادة الأولى من اتفاق إحالة النزاع الحدودى على التحكيم الموقع بين إمارتى دبى والشارقة عام١٩٧٦فقد أشارت هذه المادة إلى إن موضوع التحكيم هو ترسيم الحدود البرية بين الطرفين، وقدأثار مصطلح الترسيم الوارد ذكره فى المادة خلافا ًبين الطرفين هل يقصد به ترسيم الحدود أم تحديدها. وقد انتهت محكمة التحكيم التي كُلفت بالفصل فى هذا النزاع إلى إن المقصود بالمصطلح هنا فى الطعن رقم 74236 لسنة 62 ق.ع(فحص) هو تحديد الحدود البرية بين الطرفين وليس ترسيمه, بيد أن الطبيعة الفنية أوالتقنية لأعمال لجان الترسيم أكدها مجلس الأمن وذلك بمناسبة قراره رقم ٧٧٣ الصادر فى ٢٦ أغسطس١٩٩٢بشأن عمل لجنةالأمم المتحدة لتخطيط الحدود بين العراق والكويت , ومن ثم صار فارقاً بين عمليتى التحديد والترسيم على النحو المتقدم , فذلك كله ما تدركه هذه المحكمة بيد أن الحكومة الطاعنة لم تدرك أنه وسواء تعلق الأمر بتحديد الحدود لمصر والسعودية كعملية قانونية أو ترسيم الحدود بينهما كعملية فنية فإنه بأمر الدستور المصرى محظور عليها وكافة سلطات الدولة اللجوء إليهما بشأن التخلى عن جزيرتى تيران وصنافير لانهما ضمن الإقليم المصرى والحظر الدستورى ينصرف إلى عدم جواز إبرام أية معاهدات تخالف احكام الدستور أو يترتب عليها التنازل عن أى جزء من اقليم الدولة فلا يُنتقص منهما تحديداً أو ترسيماً , ودون أى تفرقة أو تمييز – فى مجال الالتزام بهذا الحظر الدستورى – بين السلطات العامة الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية ، ذلك أن هذه السلطات كلها سلطات مؤسسة أنشأها الدستور، تستمد منه وجودها وكيانها وهو المرجع في تحديد وظائفها، خاضعة لأحكام الدستور الذى له وحده الكلمة العليا وعند أحكامه تنزل السلطات العامة جميعاً , ومن ثم يكون هذا الادعاء عارياً من سنده الصحيح فى الدستور والقانون , وتصبح تلك التفرقة لا جدوى من ورائها بعد أن وقعت فى حمأة الحظر الدستورى , بل إنه وفى صوغ أخر إن جاز ترسيم المحدد فإنه ينعدم بدءاً من أى تحديد يخالف الدستور ويتعين – تبعاَ لذلك – طرح هذا الإدعاء .
ولا عبرة فى ميزان الحق والعدل بما قدمته الحكومة من خرائط حديثة صادرة عن الجمعية الجغرافية المصرية, لأنها جاءت مناقضة للثابت من أوراق الطعن من خرائط قديمة وحديثة لا يجوز تبديلها لمساسها بأرض الإقليم وعلى نحو ما قدمه المطعون ضدهم بما وقر فى يقين المحكمة مع الأسباب المتقدم ذكرها بمصرية الجزيرتين وتتمثل فى :- خريطة دليل مجموعة خرائط القطر الطبوغرافية الجديدة التى عُملت بمعرفة لجنة المساحة عام 1950 بمقياس رسم 1/ 100000 والثابت بها أن جزيرتي تيران وصنافير ضمن القطر المصرى إذ لونتا بذات لونه – خريطة جنوب سيناء الطبعة الثانية – برلين لوحة رقم (6) إذن تشغيل رقم 19/ 98 مقياس رسم 1/ 500000 ، ثابت بها أن جزيرتى تيران وصنافير ضمن القطر المصرى إذ لونتا بذات لونه – خريطة جنوب سيناء لوحة رقم (6) المطبوعة بالهيئة العامة المصرية للمساحة ، إذن تشغيل رقم 34/ 2004 المعاد طبعها عام 2005 مقياس رسم 1/ 500000 ، ثابت بها أن جزيرتى تيران وصنافير ضمن القطر المصرى إذ لونتا بذات لونه – خريطة شبة جزيرة سيناء رُسمت وطُبعت بإدارة المساحة العسكرية عام 1982 وأعيد طبعها بذات الإدارة عام 1989 ، إذن تشغيل رقم 95/ 1989 ثابت بها أن الجزيرتين بذات لون القطر المصرى – أطلس مصر والعالم الصادر عن إدارة المساحة العسكرية بوزارة الدفاع ص 354 خريطة مقياس رسم 1/ 750000 ثابت بها أن جزيرتى تيران وصنافير ضمن القطر المصرى حسب وصف الخريطة ولونهما ، وخريطة أخرى ص 318 تؤكد ما تقدم – الاطلس التاريخى للمملكة العربية السعودية إعداد وتنفيذ دائرة الملك عبد العزيز , مركز نظم المعلومات الجغرافية ، الطبعة الثانية منقحة طبعة عام 2000 فهرس الأماكن ص 263 وما بعدها ولم يذكر بها أن الجزيرتين ضمن إقليمها – أطلس الجامع الطبعة الثانية عام 1940 اعداد جورج جودول وداربى H.C موضحاً بها أن الجزيرتين ضمن الإقليم المصرى إنديكس ص 32 وما بعدها خريطة ص 71 – أطلس ابتدائي للدنيا لاستعماله فى المدارس المصرية عُمل وطُبع بمصلحة المساحة والمناجم على نفقة وزارة المعارف العمومية عام 1922 واعيد طبعة عام 1937 .
وتؤكد المحكمة كذلك أن سيادة مصر علي تلك الجزيرتين زخرت بها آراء الفقهاء والعلماء والمفكرين بين القبول والرفض , والمحكمة تجد لزاماً عليها أن تضع الفاصل بين الرأى والحكم فتلك الآراء لا تفصل في نزاع ولا تنشئ قواعد لأنها ابحاث ودراسات للتنظير العلمىفعمل الفقيه ينحصر فى استنباط مقاصد وأهداف التشريع ومدى ملائمته للأوضاع التى يهدف إلى تنظيمها وبيان أوجه النقص أو العيب فيها وما يجب أن يكون عليه طبقاً لمستجدات النشاط الاجتماعى والمنظور العلمى والتقدم الحضارى للمجتمع وكلها ليست ملزمة للمشرع أو القاضى ، بينما حكم القضاء يفصل فصلاً قاطعاً فى نزاع بين المتنازعين بمعنى الفصل فى الخصومات حسماً للتداعى وقطعاً للتنازع ، فمهمة القاضى تطبيق القانون علي ما يعرض عليه من أنزعة ليجسد الدستور والقانون فى الواقع ، تحقيقاً للعدل الذى هو قوام الأمر وحليته ، وكما قال مونتسكيو “القضاء هو اللسان الناطق للقانون ” ، وعلى هذا النحو فحكم القاضى ملزم لمن تحاكم إليه ، وينفذ حكمه قهراً ، أما آراء الفقهاء فإنها غير ملزمة فى المنازعات بين الخصوم، إذ ليس من شأنه طلب الوثائق والبيانات واستشهاد الشهود واستحلاف أطراف النزاع وتوقيع الغرامات على من يتخلف عن إيداعها ، وليس مجلسه مجلس إقرار ، بخلاف القاضى فى كل ذلك , ولأن القاضى شأنه الأناة والتثبت ومن تأنى وتثبت تهيأ له من الصواب مالا يتهيأ لغيره ، ذلك إن حكم القاضى كشف للحقيقة , والفارق بينه وبين آراء الفقهاء , أن حكم القضاء قوامه الحسم والجزم واليقين وينهى النزاع باَلية ملزمة , وقد حسم الحكم المطعون فيه بأسباب واقعية وقانونية بطلان تصرف جهة الإدارة بعدما تثبتت من مخالفته للدستور سيما الفقرة الاخيرة من المادة (151) منه والتى افردت للتنازل عن أى جزء من الأرضى المصرية حكماً خاصاً بها مانعاً للتنازل خلافاً لبعض الدساتير التى تجيز ذلك ومنها الدستور الفرنسى وفقاً للفقرة الأخيرة من المادة (53) من دستورالجمهوريةالخامسةالصادرفى4أكتوبرسنة 1958 التى تنص على أنه : (–Nulle cession, nul échange, nulle adjonction de territoire n’est valable sans le consentement des populations intéressées.)
ويعزى هذا النص الفرنسى تاريخياً إلى أن فرنسا كانت مثل الدول الكبرى الاستعمارية – مجلس الدولة الفرنسى قضية Ministre de la Hallet “” سنة
1876 بالغاء الحكم الصادر من احد مجالس المديريات “Conceil de prefecture ” بمسئولية الدولة الفرنسية عن الديون الناتجة عن اشغال عامة تمت فى ارض تم التنازل عنها للدولة الالمانية – بما مؤداه أن الدستور الفرنسى
أخذ بفكرة التنازل أو التبادل أو الضم للأرض وقيدها بموافقة الشعوب المعنية, والوضع فى مصر يغاير تماماً فرنسا فى النصين الدستوريين المقابلين فى البلدين , إذ حظر الدستور المصرى التنازل عن أى جزء من الإقليم بصفة مطلقة على كافة السلطات وبهذه المثابة يختلف النص الدستورى فى البلدين بين الإباحة المشروطة والحظر , ومن ثم وجب اختلاف الفكر الدستورى تبعاً له .
وإذ وقر فى يقين هذه المحكمة – وهى التى تستوى على القمة فى مدارج محاكم مجلس الدولة – واستقر فى عقيدتها أن سيادة مصر على جزيرتى تيران وصنافير مقطوع به بأدلة دامغة استقتها المحكمة من مصادر عدة وممارسات داخلية ودولية شتى قطعت الشك باليقين بأنهما خاضعتان لسيادتها – وحدها دون غيرها – على مدار حقبٍ من التاريخ طالت , وأن دخول الجزيرتين ضمن الإقليم المصرى ما انفك راجحاً يسمو لليقين من وجهين: أولهما : أن سيادة مصر عليهما مقطوع به على ما سلف بيانه , وثانيهما : ما وقع تحت بصر المحكمة من مستندات وبراهين وأدلة وخرائط تنطق بإفصاح جهير بوقوعهما تابع الحكم الصادر فى الطعن رقم 74236 لسنة 62 ق.ع(فحص) ضمن الإقليم المصرى على نحو ما سطرته المحكمة فى أسباب حكمها , الأمر الذى يحظر معه على كافة سلطات الدولة وبل والشعب ذاته بأمر الدستور إبرام ثمة معاهدة أو اتخاذ إجراء يؤدى إلى ضمن الإقليم المصرى على نحو ما إبرامها ويكون سبيلاً للتنازل عنهما, ويكون من ثم الحكم المطعون فيه فيما قضى به , قد صدر مرتكزاً على صحيح حكم القانون والواقع , وتقضى المحكمة – والحال كذلك – برفض الطعن الماثل .
ومن حيث إن من يخسر الطعن يلزم مصروفاته عملاً بنص المادة 184 من قانون المرافعات.

فلهذه الاسباب
حكمت المحكمة بإجماع الآراء : برفض الطعن ، وألزمت الجهة الادارية الطاعنة المصروفات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *