أثر الجزاءات التأديبية في شخص المتهم وفقاً للتشريع المقارن

تعددت تعريفات الفقه و القضاء للجريمة التأديبية , و إن كان في اجمالها تتجه نحو انها تعني اخلال الموظف بواجبات وظيفته بما يجيز توقيع الجزاء التأديبي عليه .
فسند مشروعية توقيع الجزاء التأديبي , ثبوت ارتكاب الموظف العام فعل يشكل جريمة تأديبية , سواء عن عمد ام عن اهمال , فإذا انتفى ثبوت المأخذ على الفعل المنسوب للموظف العام , انتفى سند توقيع الجزاء التأديبي عليه .
و الجزاء التأديبي , هو عقوبة تصيب مزايا الوظيفة العامة التي يحصل عليها الشخص المعاقب بسبب انتمائه للوظيفة العامة , مثل حرمانه من راتبه الذى يتقاضاه بحكم انه موظف عام , او حرمانه من الترقي في سلك الوظيفة العامة لمدة زمنية محددة , او وقفه عن ممارسه عمله لفترة من الزمن , او تخفيض درجته الوظيفية الى الوظيفة الأدنى مباشرة , او حرمانه من الاستمرار في شغل الوظيفة العامة بإحالته الى المعاش قبل بلوغه سن التقاعد او فصله من الخدمة .

و تتنوع القوانين التي تحدد العقوبات التأديبية , في الاخذ بأحد هذه العقوبات دون الاخر , فمثلا العقوبات التأديبية في القانون المصري الحالي للخدمة المدنية رقم 18 لسنة 2015 هي الإنذار , الخصم من الاجر لمدة تجاوز ستين يوم في السنة , تأجيل الترقية عند استحقاقها لمدة لا تزيد عن سنتين , الإحالة الى المعاش , الفصل من الخدمة,
بينما العقوبات التأديبية التي يجوز أن توقع على الموظف العام في المملكة العربية السعودية , التي نصت عليها المادة 32 من نظام تأديب الموظفين الصادر بالمرسوم الملكي رقم م /7 وتاريخ 1/2/1391هـ هي بالنسبة لموظفي المرتبة العاشرة فما دون أو ما يعادلها الإنذار , اللــوم , الحسم من الراتب بما لا يتجاوز صافي راتب ثلاثة أشهر على الا يتجاوز المحسوم شهرياً ثلث صافي الراتب الشهري, الحرمان من علاوة دورية واحدة , الفصــــل , اما بالنسبة للموظفين الذين يشغلون المرتبة الحادية عشرة فما فوق أو ما يعادلها اللوم , الحرمان من علاوة دورية واحدة, الفصـــل
اما في القانون الجزائري رقم 91/29 الصادر بتاريخ 21/12/ 1991 فإن العقوبات التأديبية هي عقـوبـات الدرجـة الأولـى الإنــذار الشـفــوي ـ الإنــذار الكتــابـي ـ التـــوبــيــخ , التوقيف عن العمل من يوم إلى ثلاثة أشهـر , و تلك العقوبات توقع عن المخالفات التي يرتكبها العامل من حيث الانضباط العام , و عقـوبـات الدرجـة الثانيــة هي التوقيف عن العمل من أربعة أيام إلى ثمانية أيـام , الشطب من جدول الترقيـة , و التي توقع عن الأخطاء و المخالفات التأديبية من الدرجة الثانيـة , و هي الأفعال التي يترتب عليها إلحاق ضرر بأمن المستخدمين أو ممتلكات الهيئة المستخدمة بسبب الغفلة أو الإهمال , وإلحاق خسائر مادية بالمبادئ والمنشآت والمكينات والأدوات والمواد الأولية أو الأشياء الأخرى التي تشتمل عليها الهيئة المستخدمة بسبب الغفلة أو الإهمال .
و أخيرا عقوبـات الدرجـة الثالثــة النقــل الإجبــاري , التنزيــل من الدرجــة , التسـريـح مع الإشعــار المسبـق والتعـويـضـات , التسـريـح دون الإشعــار المسبـق ودون التعويـضــات , و هي عن الأخطــاء و المخالفات من الدرجـة الثالثــة و هي:
ـ التلبس بإخفاء أو الإدلاء بتصريحات في مجال تنافي الوظائف أو الجمع بينهما.
ـ رفض تنفيذ التعليمات التي يتلقاها من السلطات المشرفة عليه لإنجاز أشغال ترتبط بمنصب عمله دون عذر مقبول .
ـ ثبوت مسؤوليته بدفع صارخ بأي وسيلة كانت لمصلحته أو لمصلحة الغير لراتب يفوق الراتب المستحق أو أي دفع آخر بعنوان الراتب غير المذكور في كشف دفع الرواتب .
ـ إفشاء أسرار مهنية أو أسرار مصنفة كذلك في التنظيم أو محاولة إفشائها .
ـ تهريب أو إخفاء وثائق الخدمة والمعلومات والتسيير أو معلومات ذات طابع مهني .
ـ التلبس بقبول الهبات النقدية أو العينية أو غير ذلك من المنافع كيفما كان نوعها سواء من شخص طبيعي أو معنوي تربطه علاقات تعامل مباشرة أو غير مباشرة بالهيئة المستخدمة ، أو يحتمل أن تربطه بها .
ـ استخدام محلات الهيئة المستخدمة أو تجهيزاتها أو ممتلكاتها أو وسائل عملها على العموم في أغراض شخصية أو في أغراض خارجة عن المصلحة .
ـ ارتكاب خطأ جسيم في ممارسة عمله
ـ استعمال العنف مع أي شخص داخل أماكن العمل
ـ ارتكاب جنحة أو جناية طوال مدة علاقة العمل لا تسمح بابقائه في المنصب الذي يشغله عندما تثبت المصالح القضائية المختصة هذه المخالفة .
ـ تعمد إلحاق أضرار بالمباني التابعة للهيئة المستخدمة أو بمنشآتها ومكيناتها وأدواتها وموادها الأولية والأشياء الأخرى التي تشتمل عليها ممتلكات الهيئة المستخدمة .
ـ عندما تكون الأخطاء المهنية المنصوص عليها في أخطاء الدرجة الثالثة منسوبة إلى أعمال كيفما كانت رتبتهم في سلم الإشراف يسأل عنها الرئيس الإداري المباشر إذا اطلع عليها ولم يتخذ اجراءات تأديبية لمعاقبة الذين ارتكبوا تلك الأخطاء .
اما العقوبات التأديبي في القانون المغربي , فالعقوبات التأديبية محددة حصرا و مرتبة ترتيبا تصاعديا حسب تزايد الخطورة كما نص عليها الفصل 66 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية و الفصل 6 من المرسوم الملكي رقم 63/62 بتاريخ 17 مايو 1968 بالنسبة للموظفين المؤقتين الذين اطلق عليهم القانون المغربي المتمرنين و هي الإنذار , التوبيخ , الحذف من لائحة الترقي , الإنحدار من الطبقة , القهقرة من الرتبة , العزل من غير توقيف حق التقاعد ., العزل المصحوب بتوقيف حق التقاعد.
اما العقوبات التأديبية في القانون الكويتي , فقد نصت عليه المادة (28) من قانون الخدمة المدنية الكويتي , و هي أن العقوبات التأديبية التي يجوز توقيعها على الموظفين هي الإنذار , الخصم من المرتب لمدة لا تزيد على خمسة عشر يوماً في المرة الواحدة ولا تجاوز تسعين يوماً خلال أثني عشر شهراً , تخفيض المرتب الشهري بمقدار الربع لمدة لا تقل عن ثلاثة اشهر ولا تجاوز أثنى عشر شهراً عن المخالفة الواحدة , تخفيض الدرجة إلى الدرجة الأدنى مباشرة ويحدد القرار الصادر توقيع العقوبة الأقدمية في هذه الدرجة ومرتب الموظف فيها , الفصل من الخدمة, ولا توقع على شاغلي مجموعة الوظائف القيادية إلا إحدى العقوبات التالية: التنبيه كتابة من الوزير, اللوم, الفصل من الخدمة.
اما العقوبات التأديبية في دولة الامارات العربية المتحدة , فقد نصت عليها المادة 83 من المرسوم بقانون اتحادي رقم (11) لسنة 2008م بشأن الموارد البشرية في الحكومة الاتحادية وتعديلاته بالمرسوم بقانون اتحادي رقم (9) لسنة 2011 , هي أ – لفت النظر الخطي. ب – الإنذار الخطي. ج – الخصم من الراتب الأساسي بما لا يجاوز أجر عشرة أيام عن كل مخالفة وبما لا يجاوز ستين يوماً في السنة. د – الفصل من الخدمة مع حفظ الحق في معاش التقاعد أو مكافأة نهاية الخدمة أو حرمانه منها في حدود الربع كحد أقصى.
اما العقوبات التأديبية في القانون الأردني , فقد نصت عليها المادة 141/1 من نظام الخدمة المدنية الصادر بالقانون رقم 30 لسنة 2007 هي التنبيه , الإنذار , الحسم من الراتب الأساسي بما لا يزيد عن سبعة أيام في الشهر , حجب الزيادة السنوية لمدة سنة واحدة , حجب الزيادة السنوية لمدة سنتين , الاستغناء عن الخدمة , العزل
اما العقوبات التأديبية في القانون الليبي , نصت عليها المادة (83) من قانون الخدمة المدنية رقم 55/1976 على النحو الآتي :
العقوبات التي يجوز توقيعها على الموظفين الذين يشغلون وظائف من الدرجة الأولى فأقل ” أي الدرجة العاشرة فما دونها ” هي الإنذار , الخصم من المرتب لمدة لا تجاوز ستين يوما في السنة ، ولا يجوز أن يجاوز الخصم تنفيذا لهذه العقوبة ربع المرتب شهريا بعد الربع الجائز الحجز عليه أو التنازل عنه قانونا, الحرمان من العلاوة السنوية, الإيقاف عن العمل مع الحرمان من المرتب لمدة لا تجاوز ستة أشهر وتخصم مدة الإيقاف الاحتياطي من مدة الإيقاف الذي يتقرر كعقوبة تأديبية, الحرمان من الترقية مدة لا تقل عن سبعة أشهر ولا تجاوز ثلاث سنوات , خفض الدرجة , العزل من الوظيفة .
أما بالنسبة إلى الموظفين الذين يشغلون وظائف الإدارة العليا ( أي أولئك الذين يشغلون الدرجة الحادثة عشر وما يجاوزها ) فلا توقع عليهم إلا العقوبات التالية ، وبقرار من مجلس التأديب المختص و هي اللوم , ويجوز أن تقترن هذه العقوبة بتأجيل الترقية لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على سنة, الخصم من المرتب بما لا يجاوز تسعين يوما في السنة ، ولا يجوز أن يجاوز الخصم تنفيذا لهذه العقوبة ربع المرتب شهريا بعد الربع الجائز الحجز عليه أو التنازل عنه قانونا , الحرمان من الترقية مدة لا تقل عن سنة ولا تجاوز ثلاث سنوات , 65, العزل من الوظيفة .

و يبين من ذلك , انه رغم ان العقوبات تأديبية التي وردت في القوانين المقارنة غير موحدة , اذ قد ينص على بعضها في بعض القوانين دون الأخرى , إلا ان جميعها تتمتع بذات الخصيصة المميزة للعقوبة التأديبية و هي انها تمس مزايا الوظيفة العامة , و لا تنسحب الى شخص المتهم كالعقوبة الجنائية باستثناء بعض التشريعات الأخرى كالتشريع السوفييتي الذي يأخذ بحبس الموظف كجزاء تأديبي بحد أقصى قدره عشرون يوما , و القانون الليبي الذى نص على بعض العقوبات التأديبية الماسة بحرية الموظف وذلك في حدود ضيقة تتعلق بطوائف معينة من الموظفين كما هو الشأن بالنسبة لعقوبتي الحجز في مقر العمل والحجز في الغرفة المقررين بالمادة (64) من القانون رقم (68) لسنة 1972 في شأن حرس الجمارك المنشور بالجريدة الرسمية الليبية الصادرة في 10/7/1972 ، س، ع 30 ، ص 1435 وما بعدها , وكذلك عقوبة اعتقال الثكنة أو الغرفة المنصوص عليها بالمادة (20) من القانون رقم (37) لسنة 1974 بإصدار قانون العقوبات العسكرية , المنشور بالجريدة الرسمية الليبية الصادرة في 15/5/1974 ، س 12 ، ع 23 ، عدد خاص ، ص 17 وما بعدها .
و مزايا الوظيفة العامة التي تكون محلا للعقوبة التأديبية , هي المرتب وملحقاته , و يقصد بالمرتب المبلغ المالي الذي يتقاضاه الموظف شهرياً نظير القيام بمهام وظيفته , ويدخل ضمن معنى المرتب كافة المزايا المالية الأخرى الملحقة به كالمرتب الإضافي وبدل السفر والإقامة وعلاوة السكن والعلاوات الأخرى , ويعد حق الموظف في تقاضي المرتب أهم حقوق الموظف لأنه السبب الرئيس في التحاقه بالوظيفة غالباً ، ولأهميته تلك فقد أضفى عليه المشرع حماية خاصة , فمن جهة تختص دوائر القضاء الإداري دون غيرها في نظر المنازعات المتعلقة بالمرتبات التي يتقاضاه الموظفون , . وتقسم العلاوات إلى نوعين العلاوات الدورية :- وتمنح للموظف سنوياً اعتباراً من أول الشهر التالي لانقضاء سنة من تاريخ التعيين أو منح العلاوة السنوية السابقة , ويستحق الموظف العلاوة السنوية بصفة اعتيادية ولو تمت ترقية الموظف إلى درجة أخرى ’ إلا أن عادة المشرع يشترط أن يؤدي الموظف خدمته بصورة مرضية , و . العلاوة التشجيعية و هي ما أجاز المشرع منحه للموظف مكافأة تشجيعاً على بذل أقصى قدر ممكن من الجهد في العمل تعادل العلاوة الدورية المقررة له و لا يؤثر منح هذه العلاوة على منح العلاوة الدورية في موعدها السنوي , و أخيرا استمراه في الوظيفة العامة ذاتها .
و ثانى مزايا الوظيفة الترقية , و يقصد بالترقية كل ما يطرأ على الموظف من تغيير في مركزه القانوني يكون من شأنه تقديمه وتميزه عن أقرانه, والترقية تحقق للموظف مزايا مادية ومعنوية فهي تفسح المجال للموظف في الوصول إلى المناصب العليا فيحقق بذلك طموحه في الحصول على درجة مالية أكبر واختصاصات أكثر أهمية. نظراً لما يترتب على توقيع الجزاء من آثار على حياة الموظف الوظيفية المعنوية والمادية، فان كافة القوانين و الأنظمة في القانون المقارن احاطت بتوقيع الجزاءات التأديبية ببعض الضوابط التي يتعين على السلطة المختصة بالتأديب مراعاتها والا اصبح قرارها معيب جائز الطعن عليه امام القضاء الإداري, و هي شرعية العقوبة التأديبية فيجب التقيد بما نص عليه المشرع من عقوبات , و التناسب بين العقوبة و المخالفة التأديبية , ووجوب توقيع العقوبة من السلطة المختصة قانونا و بعد التحقيق مع الموظف , و تسبيب القرار او الحكم التأديبي .

الدكتور/ اسلام احسان