إقرار مسؤولية الدولة على الخطأ القضائي

إقرار مسؤولية الدولة على الخطأ القضائي.

يعتبر إقرار مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي بنص دستوري، تطورا كبيرا في نظام مسؤولية الدولة عن أعمال الجهاز القضائي، ويمثل اعترافا بحق المواطن في الحصول على التعويض عن الاضرار التي لحقته جراء السير المعيب لمرفق القضاء باعتباره مرفقا عاما من مرافق الدولة تتحمل هذه الاخيرة مسؤولية الاضرار الناتجة عن نشاطه.

فقد أقر الدستور المغربي لسنة 2011 في الفصل 122 منه “حق كل متضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تمنحه الدولة” وأدرج هذا الفصل ضمن الباب المتعلق بالسلطة القضائية تحت عنوان حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة[1].

ويمكن القول بأن تكريس حق التعويض عن الخطأ القضائي بنص دستوري يؤكد النهج الحقوقي الذي انخرط فيه المغرب من خلال القطع مع بعض التوجهات السابقة المستمدة من تطبيق حرفي لمبدأ عدم المسؤولية عن النشاط القضائي، ذلك أن الطابع الحقوقي الذي يطغى على نصوص الدستور بدءا من تكريس استقلالية القاضي في اداء وظيفته والارتقاء بالقضاء الى مصاف السلطة المستقلة، وكذا النصوص التي أقرت تعميم مبدأ المحاسبة والمسؤولية،

تجعل القضاة الموكل إليهم أمر تطبيق القانون بروحه ومدلوله، أمام مسؤولية تاريخية لترجمة هذه المبادئ على ارض الواقع من خلال اجتهادهم في فهم النصوص القانونية، مع مراعاة خصوصية العمل القضائي، في انتظار تنزيلها في قوانين من طرف السلطة التشريعية، تبين بدقة المقصود بالخطأ القضائي، والحدود الفاصلة بين هدف كفالة حق التعويض للمتضرر وتكريس حقه في مقاضاة الدولة عن هذا الخطأ وضمان استقلال القضاء.

وتكمن أهمية الموضوع فيما يطرحه من أهمية نظرية وعلمية تتمثل في خصوصيته والإشكاليات التي يطرحها، ومدى تدخل القضاء لحلها، وكل ذلك أمام عدم تنزيل الدستور لغاية يومه هذا

– و تتمحور الإشكالية الرئيسية للموضوع حول مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي. وتتفرع عن هذه الإشكالية الأساسية إشكاليات فرعية تشكل المحاور الكبرى للبحث، ويمكن عرضها مجملة على شكل أسئلة من قبيل: هل يجوز للمتضرر أن يقاضي الدولة عن جميع الاضرار التي قد تسببها أعمال السلطة القضائية؟ وما هو أساس هذه المسؤولية والجهة المختصة بالبت فيها؟ وماهية حدود اختصاص القضاء الإداري في الخطأ القضائي؟

الباب الاول: الإشكاليات المرتبطة بتحديد الجهة القضائية المختصة بالبت في قضايا المسؤولية عن الخطأ القضائي:

لقد شكلت القضايا التي طرحت على القضاء الإداري بعد صدور الدستور الجديد، فرصة لتلمس بوادر اجتهاد قضائي ينسجم مع روح الدستور من خلال بعض القرارات والأحكام التي صدرت بمناسبة بت المحاكم الإدارية في موضوع الاختصاص النوعي للنظر في قضايا المسؤولية عن الخطأ القضائي.

ولاشك أن تحديد الجهة القضائية المختصة بالنظر في المنازعات القضائية عموما، يكتسي أهمية بالغة اعتبارا لعلاقته بمبادئ دستورية وحقوقية، من قبيل الحق في المحاكمة العادلة والسريعة وفي آجال معقولة، فليس أدعى للشك في عدالة أي نظام قضائي من تعذر تحديد الجهة المختصة بسبب اللبس الذي قد ينتج عن غموض النص القانوني أو اختلاف القضاء في اعتماد معايير مضبوطة عند تحديد طبيعة الخطأ والجهة المسؤولة عنه وعدم الحسم في تنازع الاختصاص في ظل غياب محكمة للتنازع على غرار الانظمة القضائية التي تعرف نظام ازدواجية القضاء والذي تسير بلادنا قدما نحو تحقيقه.

وقد أصبح القضاء المغربي في ظل اقرار هذا المبدأ دستوريا مدعوا الى تحديد موقفه بخصوص هذا النوع من القضايا، وأول ما طرح عليه بهذا الصدد هو تحديد الجهة المختصة نوعيا بالفصل فيها، إذ ان أول دفع يثار بصدد عرض هذه القضايا على القضاء الإداري هو الدفع بعدم الاختصاص النوعي استنادا الى نفس المبررات التي كانت تثار في العهد السابق على تطبيق أحكام الدستور الجديد، والتي تستند الى كون العمل القضائي لا يخضع للمساءلة وان مسؤولية القضاة منظمة في اطار مسطرة المخاصمة مع وجود جهة قضائية موكول لها امر البت فيها وان الخطأ المرتكب في اطار مرفق القضاء ليس خطأ مرفقيا تسأل عنه الدولة.

ويمكن القول بأن القضاء الإداري ممثلا في المحاكم الإدارية بعد صدور الدستور الجديد، أصبح لا يتردد في قبول النظر في دعاوى المسؤولية عن الخطأ القضائي بعد أعمال المقتضيات القانونية المحددة لتوزيع الاختصاص[2]، ونورد فيما يلي حكما للمحكمة الإدارية بالرباط حاولت من خلاله بيان الحد الفاصل في توزيع الاختصاص بين القضاء الإداري والعادي، وهو الحكم الصادر بتاريخ 20/3/2013 في الملف عدد 171/12/2012 والذي جاء فيه:” وحيث إن تحديد الجهة القضائية المختصة يقتضي تكييف طبيعة الخطأ المرتكب ونوعية المرفق موضوع المساءلة والجهة المسؤولة عنه وما إن كان يشكل خطأ شخصيا يسأل عنه القاضي مدنيا في اطار حالات المخاصمة ام خطأ مرفقيا تسأل عنه الدولة في اطار قواعد المسؤولية الادارية.

– وحيث إن الخطأ المدعى به صدر بمناسبة البت في دعوى معروضة امام محكمة النقض في اطار الوظيفة القضائية المسندة لمرفق القضاء الذي يعتبر مرفقا عاما من مرافق الدولة، يخضع لقواعد المسؤولية التي تحكم هذا المرفق والعاملين به، وتبعا لسلطة المحكمة في تكييف طبيعة الخطأ، والتزاما بمقتضيات الدستور التي أوجبت التطبيق السليم والعادل للقانون، وبصرف النظر عن الاطار القانوني الذي أطر فيه المدعي دعواه، فإنه بعد دراسة كافة معطيات القضية تبين لها انه لا يوجد ما يثبت كون الخطأ المنسوب للهيئة القضائية صدر عن غش أو تدليس أو غدر أومحاباة من القاضي لأحد الأطراف،

وبالتالي لا يندرج ضمن حالات المخاصمة المقررة بموجب الفصل 391 من قانون المسطرة المدنية التي توجب عند تحققها تحميل القاضي المخل بواجبات منصبه المسؤولية المدنية عن الخطأ المرتكب من طرفه طبقا للفصل 81 من قانون الالتزامات والعقود،على اعتبار ان دعوى المخاصمة هي دعوى مسؤولية مدنية ترمي إلى جبر الضرر عن طريق التعويض، مما يتعين معه استبعاد الدفع بعدم اختصاص المحكمة نوعيا للبت في الطلب وباختصاص محكمة النقض طبقا لمسطرة المخاصمة لعدم تحقق شروطها.

وحيث إنه مادام المشرع لم يحدد جهة قضائية معينة للبت في طلبات التعويض عن الخطأ القضائي المؤسسة على الفصل 122 من الدستور المغربي، فإن المحكمة الادارية تبقى صاحبة الولاية العامة – استنادا الى مقتضيات المادة الثامنة من القانون المحدث لها – للبت في طلب التعويض عن الخطأ المرتبط بسير مرفق عمومي والتحقق من قيام شروط مسؤولية الدولة عنه طبقا لقواعد المسؤولية الادارية المقررة بموجب الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود، تأكيدا لخضوع مرفق القضاء لمبدأ المساءلة المقرر دستوريا”.[3]

غير انه يبدو ان الغرفة الإدارية بمحكمة النقض لازالت تتردد في إقرار اختصاص القضاء الإداري لنظر دعاوى المسؤولية عن الخطأ القضائي.

اترك تعليقاً