إيضاحات حول التعدي على المراسلات السرية

إيضاحات حول التعدي على المراسلات السرية.

يتمثل الركن المادي في جريمة التعدي على سرية المراسلات وما في حكمها كالبرقيات مثلاُ ، بفعل الإطلاع أي الفتح أو الإخفاء أو الاختلاس أو الإفشاء ، بصرف النظر عن القائم بالفعل سواءً أكان فردا عادياً أم موظفاً عاماً،  وعليه تباينت نصوص التجريم في قانون العقوبات المقارن،

إذ أن بعض التشريعات(1)  تعاقب على القيام بهذا الفعل عندما يشـكل جريمة ، سواء أكان مرتكبها فردا عاديا أم موظفاً ، أما بعض التشريعات الأخر(2) فلم يشر إلى معاقبة القيام بهذا الفعل في حالة ارتكابه من قبل فرد عادي ، أي غير موظف في حكومة،

ومهما يكن من أمر يلاحظ أن المشرع الجنائي المقارن كان جل اهتمامه بحماية المصلحة محل التجريم وهي المحافظة على سرية الرسائل والبرقيات وعدم الاطلاع عليها لما تحمله من أسرار يجب عدم الإفضاء بها للغير أو لضرورة المحافظة عليها لما قد تمثله من أهمية، مما يوجب إيصالها إلى المرسل إليه بأمانة وثقة. وعليه سنتطرق الى تلك الأفعال التي يتحقق بها وقوع الجريمة بصرف النظر عن حجم الاعتداء والأثر المترتب عليه ، وهذه الأفعال لا تخرج عما أوردته النصوص العقابية من فتح أو إخفاء أو إفشاء أو اختلاس:

أ- الفتح

ويتمثل بفض الرسالة أو البرقية، بمعنى آخر فض الحرز المحتوي على الرسالة بأية طريقة وهو إزالة العائق المادي الذي يضعه المرسل محافظة على السر(3) ، ويستوي في ذلك أن يكون الفتح بطريقة ظاهرة، مثل كسر الختم أو قطع المظروف أو تمزيق اللفائف ، أو بطريقة غير ظاهرة تنطوي على شيء من المهارة والدقة بحيث لا يكشفها الشخص العادي، كإزالة الصمغ من المظروف وفتحه وإعادة غلقه مرة أخرى ، أو استعمال وسائل علمية حديثة دون أن تترك أثراً يثبت بأن تلك الرسائل قد تم فتحها أو الإطلاع على مضمونها كتمرير ضوء ظاهر أو شعاع قوي من الأشعة تحت الحمراء خلال الرسائل المغلقة وتصـويرها فيها(4) الخ.

ب- الإخفاء

وهو كل ما من شأنه منع وصول الخطاب أو البرقية إلى المرسل إليه، وتشترك الرسائل والبرقيات في إمكانية إخفائها سواء أكان ذلك بإلقائها أم بتسليمها إلى شخص آخر أم بحفظها عند المخفي، ويستوي في ذلك الاحتجاز المؤقت للرسالة والتأخير المتعمد في تسليمها إلى المرسل إليه إذ يعد بمثابة الإخفاء مما يوجب قيام المسؤولية والمعاقبة عليه(5) .

ج – الإفشاء

ويقصد اطلاع الغير على مضمون الرسالة أو البرقية بأية طريقة كانت، غير أن بعض التشريعات(6) قصرت الإفشاء على البرقيات دون الرسائل أو كما تطلق عليها مصطلح (الخطابات) إذا أنه عاقب على فتح الرسائل والاطلاع عليها وبهذا يكون قد أحاطها بالحماية باعتبار أن عملية الإفشاء متحصلة ، أما البرقيات فمن المعروف إنها لا تحتاج إلى تلك العملية وأنه من السهل الإطلاع عليها عند استلامها وتسلمها إلى المرسل إليه .

ولكن في تقديرنا المتواضع أن هذا التسويغ غير منطقي وعليه يجب أن تمتد حماية الرسائل إلى عدم وقوع إفشائها ، لكي لا تكون أكثر عرضة للغير ممن أطلع عليها. أما بعض التشريعات الأخر(7) فقد صرح بأن لايقع الإفشاء على ما تتضمنه الرسالة أو البرقية، وبذلك تكون قطعت الطريق لمن تسول له نفسه القيام بذلك.

كما أن طبيعة افشاء الرسائل والبرقيات لاتختلف عما أوردناه بصدد إفشاء الأسرار من حيث وسيلة الإفشاء أو صوره، وعليه يستوي أن تكون وسيلة الإفشاء كتابةً أو شفاهاً أو بالإشارة وما إلى ذلك ، كما يكفي لتحقق الجريمة أن يكون الإفشاء جزءً من الرسالة أو البرقية ، بل يكفي أن يكون لشخص واحد(8) ، فضلاً عن ان المشرع المقارن عاقب على جريمة إفشاء الأسرار المهنية سواء أكانت أسرارا تتعلق بالأفراد أم بالدوائر الرسمية ويلاحظ أنه أفرد عقاباً للموظفين المستخدمين في دوائر البريد والبرق والهاتف(9) حرصا على إحاطة هذه المصلحة بالحماية .

د- الاختلاس

يتحقق الاختلاس في هذه الجريمة إذا اتجهت نية الموظف أو غيره إلى تملك الرسالة أو البرقية ويعتبرها مملوكه له ويضيفها إلى ملكه ، وهنا يجب التفرقة بين ما إذا كانت الرسالة أو البرقية في حيازة الموظف بسبب وظيفته وغير نيته إلى تملكها ، فإنه يعد مرتكباً لجريمة الاختلاس(10) وفي بعض التشريعات(11) ، جاءت تحت عنوان إفشاء الأسرار بما لها من قيمة اعتبارية أو أدبية(12) ، أما إذا كانت الرسالة في حيازة غير الموظف ،

كما إذا كانت في حيازة المرسل الذي لم يسلمها بعد إلى هيئة البريد ولكن سلمها إلى موظف خارج هذه الدائرة ، وقام هذا الأخير باختلاسها . فإنه يعد في هذه الحالة سارقاً ، شأنه في ذلك شأن الأفراد العاديين ، ومن ثم توقع عليه عقوبة السرقة المنصوص عليها في القانون ، ومهما كانت قيمتها المادية تافهة ، يمكن أن تكون محلا للسرقة (13).

وقد يوصف الفعل بأنه خيانة أمانة لا سرقة، كما إذا أعطى شخص صديقا له رسالة وطلب منه تسليمها إلى مكتب البريد  ولكنه استولى عليها بنفسه، وقد يوصف الفعل كذلك بأنه جريمة نصب إذا استعمل الجاني طرقا احتياليه أو انتحل اسماً كاذباً أو صفة غير صحيحة وأدى ذلك إلى استيلائه على رسالة ليست له(14).

هـ- الأتلاف

يلاحظ ان خطة المشرع المقارن جاءت مختلفة في تجريم الاعتداء على هذه المصلحة بطريق الأتلاف ، إذ أن بعض التشريعات(15) ، أوردت العقاب على إتلاف الرسائل أو البرقيات ضمن المادة القانونية ألتي تتعلق بالمحافظة على الأسرار وسرية المراسلات ، أما بعضها الآخر(16) فقد أوردت العقاب على ذلك في مواد قانونية أخرى تتعلق بتجاوز الموظفين حدود وظائفهم أو تحت عنوان التخريب والتعييب والأتلاف(17) ،

ومهما يكن من أمر يلاحظ أن المشرع الجنائي المقارن حاول بسط أكبر قدر من الحماية على المصلحة محل التجريم ، برغم أن بعض التشريعات(18) وصفت إتلاف الرسالة أو البرقية الذي يؤدي إلى عدم وصولها إلى المرسل إليه بأنه إخفاء لها، ولكن يجب اعتبار الجريمة ألتي عقوبتها أشد، وهي جريمة الأتلاف. وأخيراً نود في هذا المقام أن نوضح أن المراد بالرسائل هي المكتوبة أيا كان نوعها، ويستوي في ذلك أن تكون خطاباً أو طرداً أو نشرة أو جريدة أو تذكرةالخ ،

إذ يشترط لتحقيق الاعتداء وعده جريمة التعدي على الرسالة أن تكون داخل حرز مقفل بصرف النظر عن وسيلة قفل الحرز سواء كان بالصمغ أم بالأربطة وما إلى ذلك ، أما إذا كانت الرسالة مفتوحة كالبطاقات البريدية فلا ينطبق على من يطلع عليها أحكام المواد القانونية المتعلقة بفتح الرسالة(19) ، ولكن نود الإشارة إلى أن الموظف المسؤول في مصلحة البريد يعد أميناً على هذه الرسالة ، وإذا أفضى بمضمونها للغير، فإنه يعاقب بموجب أحكام المواد المتعلقة أو الخاصة بإفشاء الأسرار.

أما فيما يتعلق بالبرقيات فلا يتصور القيام بفتحها ، باعتبار أن المرسل هو الذي يملي الموظف مضمون البرقية ، ومن ثم يتحقق علم الموظف المختص بمضمون البرقية، وعليه يمكن تصور إخفائها او إفشائها ، ولكن قد يحصل في الغالب أن تكون البرقية التي يحملها الساعي إلى المرسل إليه موضوعة في مظروف أو ملصقة من طرفها ، مما يثير التساؤل :

هل إذا قام بفتحها يعد مرتكباً للجريمة ؟ يتضح أن موقف المشرع المقارن بهذا الشأن مختلف، فالمشرع العراقي في المادة (328) من قانون العقوبات أورد المعاقبة على فتح البرقية صراحةً ، في حين يتبين أن المشرع المصري في المادة (154) من قانون العقوبات عاقب على الإخفاء والإفشاء فقط دون الإشارة إلى المعاقبة على عملية فتـح البرقية(20) .

___________________________________________________________

1- تنص المادة(356/1) من قانون العقوبات الأردني على  : “يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة كل شخص ملحق بمصلحة البرق والبريد يسيء استعمال وظيفته هذه بأن يطلع على رسالة مظروفة أو يتلف أو   يختلس إحدى الرسائل أو يفضي بمضمونها إلى غير المرسل إليه “، كما تنص المادة (357) من القانون    نفســه على : ” كل شخص يتلف أو يفضي قصداً رسالة أو برقية غير مرسلة إليه يعاقب بغرامة لا    تتجاوز الخمسة دنانير” . وتنص المادة (328) من قانون العقوبات العراقي على : ” يعاقب بالسجن مدة لا   تزيد على سبع سنوات أو بالحبس كل موظف أو مستخدم في دوائر البريد والبرق والتلفون وكل موظف    أو مكلف بخدمة عامة فتح أو أتلف أو أخفى رسالة أو برقية اودعت او سلمت للدوائر المذكورة ، أو سهل    لغيره ذلك أو أفشى سراً تضمنته الرسالة أو البرقية، ويعاقب بالعقوبة ذاتها من أفشى ممن ذكر مكالمة    تلفونية أو سـهل لغيره لذلك “. وكذا فعل المشرع اليمني في المادة (255) من قانون العقوبات، إذ عاقب كل من يعتدي على الجريمة محل البحث بأية صورة كانت، ومن ثم أورد عقاب الموظف العام في حالة ارتكابه أية صورة اعتداء على الرسائل والبرقيات الخ، وعلى النهج ذاته سار المشرع السوري في     المادة (566، 567) من قانون العقوبات السوري.

2-  تنص المادة(154) من قانون العقوبات المصري على : ”  كل من أخفى من موظفي الحكومة أو البوستة  أو مأموريها أو فتح مكتوباً من المكاتيب المسلمة للبوستة أو سهل ذلك لغيره، يعاقب بالحبس أو بغرامة لا تزيد عل مائتي جنيه مصري . وبالعزل في الحالتين وكذلك كل من أخفى من موظفي الحكومة أو مصلحة التلغرافات أو مأموريها تلغرافاً من التلغرفات المستلمة إلى المصلحة المذكورة أو أفشاه أو سهل ذلك لغيره يعاقب بالعقوبتين ” .

وقد جعلت بعض التشريعات النص عاماً كما فعل المشرع الجزائري في المادة (303) من قانونالعقوبات  وذلك بعبارة: ” كل من يفضي أو يتلف رسالة أو مراسلات موجهة إلى الغير وذلك بسوء نية وفي غير الحالات المنصوص عليها في المادة (137)الخ.” .

3- ينظر : جندي عبدالملك، الموسوعة الجنائية، ج(1)، بند (11)، ص 478.

4- ينظر : د. كريم كشاكش، حماية حق سرية المراسلات، مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون، المجلد  (23)، العدد (2) تصدر عن عمادة البحث العلمي في الجامعة الأردنية، عمان، 1996م، ص 261-262.

5- ينبغي التنويه إلى أن الاحتجاز المؤقت أو التأخير المتعمد لايقع إلا من قبل الموظف وعليه يعد مرتكباً لجريمة إخفاء، ينظر ::- د.إدورار غالي الذهبي، التعدي على سرية المراسلات، سلسلة الكتب القانونية، عمان، 1998م ، ص18 وما بعدها، مشيراً إلى مجموعة من القرارات القضائية المتعلقة بهذا الخصوص.

6- ينظر : المادة (154) من قانون العقوبات المصري.

7- ينظر : المادة (328) من قانون العقوبات العراقي.

8- ينظر : المواد (328،437) من قانون العقوبات العراقي.

9- ينظر : د.محمود محمود مصطفى، شرح قانون العقوبات/ القسم الخاص، ط (6)، بدون مكان نشر ،1964م  ، ص400.

10-  ينظر : المادة (315) من قانون العقوبات العراقي والتي تنص على : ” يعاقب كل موظف أو مكلف بخدمة عامة اختلس أو أخفى مالا أو متاعا أو ورقة مثبته لحق أو غير ذلك مما وجد في حيازته……” وتنص المادة (112) من قانون العقوبات المصري على : ” كل موظف عام اختلس أموالا أو أوراقا أوغيرها وجدت في حيازته بسبب وظيفته يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة “.

11-  ينظر : المادة (356/1) من قانون العقوبات الأردني.

12- ينظر : قرار محكمة  النقض المصرية في 12 مارس 1962م ، مجموعة أحكام النقض (جنائي) السنة (13) رقم (56)، ص 215.

13- وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض الفرنسية بأن الشخص الذي يفتح صندوق خطابات الغير ويستولي و بسوء نية على الخطابات التي وضعها موزع البريد بالصندوق يعد سارقاً، نقض جنائي فرنسي في 22 يوليو 1928م، ينظر ::- د. إدوار غالي الذهبي، التعدي على سرية المراسلات، سلسلة الكتب القانونية،عمان، 1998م ، ص 14 هامش رقم 50. ولكن أركان جريمة السرقة لا تتوافر إذا تم تسليم الرسالة بطريق الخطأ وقام مستلم الرسالة بفتحها.

14- ينظر : د. إدوار غالي الذهبي، المصدر السابق، ص 24-25 هامش رقم (51).

15- ينظر : المواد (356/1)، (357) من قانون العقوبات الأردني والمادة (303) من قانون العقـوبات الجزائري .

16- ينظر : المادة (328) من قانون العقوبات العراقي.

17- ينظر : المادة (365)من قانون العقوبات المصري.

18- ينظر : المادة (365)من قانون العقوبات المصري.

19-  لقد تمت الإشارة إلى نصوص مواد قانون العقوبات المقارن المتعلقة بالمعاقبة على عملية فتح الرسالة.

20- ينظر : د. رمسيس بهنام، الجرائم المضرة بالمصلحة العمومية، منشأة المعارف، الإسكندرية،   1986م ، ص387.

اترك تعليقاً