الخطأ في فهم الوقائع بإعتباره أحد صور الخطأ الجوهري للحكم

الخطأ في فهم الوقائع بإعتباره أحد صور الخطأ الجوهري للحكم.

فهم الواقع في الدعوى ،وفهم حكم القانون في هذا الواقع (7).  هو الأساس الصحيح الذي يمكن القاضي من معرفة الحل القانوني للنزاع ،وهذا ما سار عليه الفقه الإسلامي (8).

إذ جاء فيه “… ولا يمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم ، أحدهما فهم الواقع واستنباط حقيقة ما وقع بالقرائن والإمارات حتى يحيط بها علما …..”.

وقد استقر الإجماع في العراق ومصر وفرنسا (9). على أن عمل القاضي فيه ما يعتبر عملا قانونيا صرفا وبالتالي فأنه يدخل ضمن رقابة محكمة التمييز باعتبارها حامية القانون ، وفيه مالا يخضع لرقابة محكمة التمييز باعتباره عملا متصلا بوقائع الدعوى وموضوعها ، يتضمن مجرد التحري عن الصدق في الوقائع المدعاة ،

وما يعمل فيه القاضي من منطقه وذكائه وذوقه لذا فأن سلطة القاضي في تحصيل هذا الفهم (فهم الوقائع ) سلطة تامة ورأيه قطعي لا يخضع لرقابة التمييز من الناحية النظرية في الأقل ،لان من الناحية العملية وفي حال مدت محكمة التمييز رقابتها وسلطتها على قاضي الموضوع في تلك النقطة فلا يمكن لأية جهة أخرى أن تمنعها عن ذلك أو أن تلغي أو تبطل ما ينتج عن تلك الرقابة من قرار وأثار ،لذا يعيب البعض (10).

اتجاه المشرع العراقي في مد سلطة الرقابة على فهم القاضي للوقائع ،ذلك الفهم الذي يعتبر من السلطات التقديرية التي يفترض فيها عدم خضوعها لرقابة التمييز حيث يرى فيه خروجا عن المألوف وسببا لزيادة الطعون من دون ضابط يقيدها . ويذهب بعض الفقه المصري(11). إلى إمكانية ممارسة محكمة النقض الرقابة على الأسباب الواقعية للحكم خلافا للإجماع المصري(12)،

وذلك في حالة مخالفة الحكم للقاعدة الإجرائية التي تنظم طريقة تكوين تقرير محكمة الموضوع للوقائع في حكمها .ويمكن أن نبرر هذا الخروج غير المألوف لمشرعنا على أساس  وان كانت محكمة التمييز محكمة قانون ، فأن ذلك لا يمنع من أن تكون حارسة للعدالة عندما ترفع ما يمكن أن تكتشفه من الظلم الذي يحيق بأحد الخصوم بسبب فهم القاضي للوقائع فهما خاطئاً،

ومما وصل إليه الفكر القانوني في عدم وجود واقع يخرج عن القانون باعتباره واقعا بحتا، بل وحتى وان وجد فهو يخرج عن إطار النظر القانوني ، لذا ومن منطلق الواقعية فرض مشرعنا هذا التدخل(13). وعلى هذا الأساس ذهبت محكمة النقض المصرية في أحد أحكامها وفي بداية تأسيسها ؛ بما يؤيد اتجاه المشرع العراقي إذ جاء فيه ما نصه

” أن الحكم الخاطئ في فهم الواقع أو الحكم الذي به خطأ في فهم واقعة معينة ، إذا كان مؤثرا في الحكم تأثيرا خطيرا فأنه يدخل ضمن مخالفة القانون إذا سرى فساده إلى نتيجة الحكم  (14).

وحتى نضرب مثلا على ما جاء في القانون العراقي نقرب فيه الأمور نقول ؛الأصل أن رقابة التمييز على فهم قاضي الموضوع للوقائع لا تنصب على بحث الأدلة أو كيفية ترجيحها ، ويعود ذلك إلى أن الدليل واقعة من وقائع الدعوى ، طرحه أو عدم طرحه يخضع لسيادة الخصوم ، والأخذ به يكون داخلا في أطلا قات القاضي (15).

وتبدأ الرقابة ، منذ أعمال القانون على تلك الأدلة لاستخلاص النتائج التي يترتب على آثرها الحكم ، وبموجب هذه المادة “203/5 فهم الواقع ” تخضع صلاحية القاضي في اخذ الدليل أو تركه أو ترجيحه لرقابة محكمة التمييز ، فعلى القاضي أن يسبب ويوضح في حكمه أسباب طرحه الأدلة أو الأخذ بها ، أو ترجيح الدليل على غيره ، بل أن لمحكمة التمييز أن تحدد للقاضي ما يجب الأخذ به من تلك الأدلة وما يجب عليه أن يتركه وذلك وفق صلاحيتها(16).

هذا إضافة  لما على القاضي عمله في فحص الوقائع ، والبحث في ماديتها وتقرير الصحيح منها واستبعاد ما يثبت عدم صحته . فإذا اخطأ القاضي في فهم الوقائع كان يثبت لاحقاً أن مصدر الواقعة كان وهميا لاوجود له في الحقيقة أو كان موجودا ولكن لا يصح إثباته ،أو كان موجودا ولكنه متناقض ، أو غير متناقض

ولكن يستحيل عقلا استخلاص الوقائع منه أو الاستدلال على ما يدعيه القاضي في حكمه ، فانه في مثل هذا يكون القاضي قد اخطأ في فهم الواقع الذي يكون تحت بند الاجتهاد القانوني الخاضع لرقابة التمييز وموجباً للنقض وهو ما ذهبت إليه محكمة التمييز في أحكامها (17).

بل أن محكمة الطعن التمييزي تمد رقابتها حتى على تكييف القاضي لوقائع النزاع (18).  أما الفقه (19). والقضاء (20). المصري ، فقد ترك الحرية لقاضي الموضوع في بسط سلطته التقديرية على وقائع النزاع عند بحثه الدلائل والمستندات المقدمة له تقديما صحيحا ،وفي الموازنة بين بعضها البعض الأخر وترجيح ما تطمئن إليه كأصل عام …

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

7 -حامد ومحمد حامد – المرجع  السابق – ص128 0

8 -ابن القيم الجوزية –أعلام الموقعين –ج1 ص 83 –89-القاهرة –بلا سنة طبع 0

9 -سعدون القشطيني –المرجع  السابق  –ص426، وجدي راغب – مبادئ  – المرجع  السابق –ص669 ، وهو اتجاه القضاء المصري –نقض 7/1/1985 طعن رقم 105السنة 50 ق ، نقض 21/2/1984طعن رقم 1528السنة 53ق مشار إليهم في احمد أبو ألوفا –المرافعات – المرجع  السابق – ص 894 هامش 1 0

Chinon Oriqines ،Conditions  et Effects de Cassation ،1882،p65. Faye ، La Cour de Cassation ،Paris،1940، p .168 .

10 – سعدون القشطيني – المرجع  نفسه – ص426 0

11 -انظر وجدي راغب – مبادئ  – المرجع  السابق – ص 671، وانظر عكس ذلك – احمد السيد صاوي – نطاق رقابة محكمة النقض على قاضي الموضوع في المواد المدنية والتجارية – ص 161 بند 98 –القاهرة 1984 0

12 -احمد ابو الوفا –التعليق على نصوص قانون المرافعات المدنية الجديد –ط1-منشاة المعارف بالإسكندرية –1968-ص557 0

13-ونظر  نبيل إسماعيل– المرجع  السابق – ص 150 ونظر كذلك

Jacaue Miguet : Immutabilite  et Evolution Dulitig ،1977 .P.62  .

 OMAR:La Cause dela Demaudeen Justice These ، Precitee ،P.400 ets.

14- نقض مدني 19/11/1931 منشور في مجلة  المحاماة المصرية س 12 العدد رقم 158ص293 0

15 -وجدي راغب – المرجع  السابق – ص661 0

16 -انظر المادة 215م0م0ع

17-انظر القرار 54/هيئة موسعة أولى /82بتاريخ 1982منشور في إبراهيم المشاهدي –مختارات من قضاء التمييز –ج1-القسم المدني 1999-ص117،والقرار178/م1/في 11/9/1990 غير منشور 0

18 -انظر القرار 178/هيئة موسعة أولى /81بتاريخ 28/3/1983مشنشور في إبراهيم المشاهدي – المرجع   نفسه  –ص124 0

19 -انظر عبد الحميد الشواربي – الطعن –المرجع  السابق –397، نبيل إسماعيل –المرجع  السابق – ص160 ، حامد ومحمد حامد –المرجع  السابق –ص 113 0

20 -نفض 24/1/1981 الطعن رقم 1007السنة 47ق ، ونقض 14/12/1981 الطعن رقم 1437 السنة 47ق ،ونقض 19/12/1980الطعن رقم 161السنة 47ق مشار إليهم في عبد الحميد الشواربي-المرجع نفسه-ص405

اترك تعليقاً