تشكيل المجالس الحسبية واختصاصاتها في ضوء احكام القانون المصري

مجلة المحاماة – العدد السادس
السنة السادسة – يناير 1926
مرسوم بقانون خاص بترتيب المجالس الحسبية
نحن فؤاد الأول ملك مصر،
بناءً على المادة (41) من الدستور، وبعد الاطلاع على الأمر العالي الصادر في 13 جمادى الثانية سنة 1314, (19 نوفمبر سنة 1896) الخاص بالمجالس الحسبية والمعدل بالقانونين رقم (10) لسنة 1918 و (38) لسنة 1922، وعلى القانون رقم (5) لسنة 1911 الخاص بتشكيل مجلس حسبي عالٍ، وعلى القانون رقم (35) لسنة 1923 بشأن نظام جلسات المجالس الحسبية والرقابة على الأوصياء والقامة والوكلاء عن الغائبين، وبناءً على ما عرضه علينا وزير الحقانية، وموافقة رأي مجلس الوزراء، رسمنا بما هو آتٍ:
الفصل الأول: تشكيل المجالس الحسبية الابتدائية واختصاصها:
مادة (1):
يُشكل في كل مركز مجلس حسبي بالكيفية الآتية:
أولاً: قاضٍ من المحاكم الأهلية يندبه وزير الحقانية ويكون رئيسًا, فإذا تعذر وجوده يحل محله مأمور المركز.
ثانيًا: قاضٍ شرعي يندبه وزير الحقانية فإذا تعذر وجوده يحل محله عالم من علماء المركز يعينه وزير الحقانية.
ثالثًا: أحد الأعيان يعينه وزير الداخلية.
وعند النظر في المسائل الخاصة بغير المسلمين يستبدل بالقاضي الشرعي أو العالم عضو يعينه وزير الحقانية يكون من أهل ملة الشخص المقتضي النظر في أمره، ويجب أن يكون هذا العضو من رجال القانون في حالة غياب القاضي الأهلي حلول مأمور المركز محله في الرياسة.
بحث في نظام المجالس الحسبية
إن القانون الصادر في 12 أكتوبر سنة 1925 بتوسيع اختصاص المجالس الحسبية للنظر في المسائل الخاصة بغير المسلمين من الرعاية المحلية قد أثار عاصفة استياء ونقد نريد بمقالنا هذا الخوض في مناقشتها.
رأى بعضهم أن إلغاء المجالس هذه وإضافة اختصاصها إلى المحاكم الأهلية ضمان أكبر لحسن إدارة أموال القاصر وعديم الأهلية وخطوة في سبيل توحيد جهات القضاء.
على أن التشريع الأجنبي وهو أقدم عهدًا منا بالتقاليد وبالخبرة القضائية ينبئنا بأنه لا يصح ترك هذه المادة إلى المحاكم النظامية تنفرد في النظر فيها وقد أشرك الشارع هناك مجلس العائلة – المشكل من أفراد العائلة برئاسة قاضي المصالحات – اشتراكًا فعليًا مع تلك المحاكم.
وقد ظهرت في هذا العصر متاعب جمة في إيجاد هؤلاء الأعضاء لأسباب عديدة منها رحيل العائلة بعد وفاة عميدها وعدم استقرارها في مكان سعيًا وراء المعيشة ما حال دون قيام المجالس العائلة بأعمالها خير قيام.
هذا نظام البلاد الغربية أما نظام ديارنا المصرية فقد مرت عليه أطوار عديدة لنا في ذكرها ما ينير ظلام الطرق التي كانت سببًا في تلك العاصفة.
قد أنشئت المجالس الحسبية بأمر عالٍ صادر في 1873 بناءً على طلب نظارة المالية التي لاحظت بحق أن مأمورية بيت المال قاصرة على إدارة تركات القصر وعند بلوغهم تسلمهم أموالهم وكثيرًا ما رأت عدم تبصرهم في تصريف أمورهم وهم على جانب عظيم من الجهل وسرعان ما تندثر أموالهم فيصبحون في حالة يرثى لها لذلك طلبت تشكيل المجالس هذه لحفظ وإدارة التركات ولتقديم المشورة لبيت المال ليقوم بتنفيذها (يراجع قاموس الإدارة والقضاء جزء رابع صـ 25).
أنشئ المجلس الحسبي وانعقد برئاسة المدير أو المحافظ أو المأمور ومن حل محلهم من الموظفين وظلت مجالس إدارية حافظة صفتها هذه إلى أن أدخلت الحكومة تعديلاً قيمًا في سنة 1922 كان من شأنه تغيير الرئاسة وإسنادها إلى قاضٍ من قضاة المحاكم الأهلية ولا يخفي ما في هذا التغيير من المغزى الكبير وقد نمسك القلم عن تسطير ما لا يجهله أحد مكتفين ببيان وزارة الحقانية الآتي بعد.
قال دولة وزيرها (أنه قد أظهر الاختبار عيوبًا كثيرة في سير الأعمال بالمجالس الحسبية ولهذا تبحث النظارة في إصلاح حالها بحيث تكفل لذوي الشأن مصالحهم)
(ملحق الوقائع المصرية عدد 34 الصادر في 27 مارس سنة 1911, الصحيفة الخامسة منه).
وأورى جناب المستشار القضائي في تقريره لسنة 1914, (إن كثيرًا ما أشرت في تقاريري إلى سوء حال الأعمال في هذه المجالس وإلى الشكوى العامة منها ومما لا شك فيه أن السبب يرجع إلى العيوب اللاصقة بتشكيل هذه المجالس ونظامها)
(ملحق الوقائع المصرية عدد 54 الصادر في 4 مايو سنة 1914, الصحيفة التاسعة عشر منه).
ظهرت المجالس هذه في ثوبها الحقيقي من ذاك الحين ما حفظ لها حسن السمعة وجميل الثناء وكنا نتمنى أن يقدس القانون الجديد تلك الرئاسة وألا يعود إلى التبرع بها إلى رجال الإدارة في حالة غيبة القاضي.
أما أعضاء المجلس فهم في حقيقة الواقع خير عون يؤدي اشتراكهم مع الرئاسة إلى الحكم على أحسن حال فقد نرى عضو الأعيان يبدي من الملاحظات على ما يسمعه ويراه من حسن سير الوصي أو القيم في معاملاته مع أفراد الناس ولا يخفى أن الدين المعاملة، ويرشد فضيلة القاضي الشرعي أو من يحل محله من أهل الملة عملاً بقانون سنة 1925, إلى قواعد الشرع وإلى العرف الذي قدسته الملة.
وهذا التشكيل يقرب مجالس الحسبية من مجالس العائلة التي ما وجدت إلا للوقوف على حسن المعاملة ولعدم الخروج على العرف والمتبع.

كانت أحكام مجالس الحسبية نهائية لا يقبل عنها استئناف إلى أن سنت الحكومة في سنة 1896, درجة استئنافية هي مجلس الحسبي العالي ومحكمة الاستئناف الأهلية وجعلت لكل منهما اختصاصًا.
وكان المجلس العالي مشكلاً وأغلبية أعضائه من كبار الموظفين بما فيها الرئاسة وكان مختصًا بما يرفعه له ناظر الحقانية من القرارات الصادرة بعزل الأوصياء والقوامة وبإعادة فحص حساباتهم.
(المادة (7) من قانون سنة 1896).
وأما القرارات الصادرة في طلبات توقيع الحجر أو رفعه أو في استمرار الوصاية على القاصر الذي بلغ الثامنة عشر فيرفعها ذو الشأن أو النيابة العمومية إلى محكمة الاستئناف الأهلية.
(المادة (6) من القانون المحكي عنه).
ظلت هاتان الهيئتان تنظران الاستئنافات المرفوعة عن أحكام المجالس الحسبية إلى أن حل بالمجلس الحسبي العالي ما تضمن تشكيله من عيوب إذ أن وكيل مجلس حسبي مصر الذي له رأي في المسائل التي عرضت على المجلس الابتدائي نجده جالسًا في المجلس العالي وعضويته والحالة هذه كانت سببًا في عدم استئناف قرارات مجلس حسبي مصر وأما قرارات مجالس الأقاليم فما عرض منها كان تافهًا لذلك صدر الأمر العالي في 4 يونيه سنة 1900, بإلغاء المجلس العالي هذا وانفردت محكمة الاستئناف الأهلية في النظر في المسائل التي خصها بها قانون سنة 1896, وأصبحت المجالس الحسبية تحكم نهائيًا في المواد التي كانت قراراتها تستأنف أمام المجلس العالي إلى أن أحيته وزارة الحقانية في سنة 1911, لما رآه دولة وزيرها في طوافه في أقاليم الوجه القبلي من ضروب الخلل والإهمال في أقدس واجبات المجالس الحسبية.
أعيد المجلس العالي إلى عالم الوجود متحليًا بلباس عصري نابذًا ذلك الثوب القديم الذي تعودنا أن نراه به وتشكل لا من موظفين بل من ثلاث مستشارين أفاضل من قضاة محكمة الاستئناف الأهلية برئاسة أحدهم ومن عضو محترم من المحكمة العليا الشرعية أو من أهل ملة الشخص عند النظر في المسائل الخاصة بغير المسلمين عملاً بقانون سنة 1925, ومن أحد الموظفين الموجودين في الخدمة أو المتقاعدين.
اختص هذا المجلس بما كان من اختصاصه في ماضي أيامه وما كان داخلاً في اختصاص محكمة الاستئناف الأهلية التي أصبحت والحالة هذه عنصرًا جديدًا في عضويته.

هذا نظام المجالس الحسبية وهي اليوم تختلف عن أمسها اختلافًا كليًا فبعد أن كانت محاكم إدارية يجلس الموظفون فيها أصبح يجلس فيها رجال القضاء الأهلي والشرعي ورجال القانون من أهل ملة الغير مسلم, وأصبح لها ما للمحاكم النظامية من الحقوق فالمواد (37) و(38) و(29) من القانون النظامي الجديد لهذه المجالس توافق المواد (85) وما بعدها من قانون المرافعات الأهلي الخاصة بالإجراءات والعقوبات والجنح والجرائم التي تقع في الجلسات.
ولنبحث الآن عمن يحق له أن يرفع الاستئناف عن كيفية رفعه.
نصت المادة (12) من القانون الجديد على أن لوزير الحقانية أن يرفع إلى المجلس الحسبي العالي أي قرار في الموضوع صادر من المجلس الحسبي وذلك بناءً على بلاغ من النيابة العمومية أو من أي شخص ذي شأن أو من تلقاء نفسه.
يحق لنا والحالة هذه أن نتساءل من أين يتسنى للنيابة العمومية استعمال حق البلاغ هذا وهي غائبة عن المحكمة ولم يشترط القانون ما اشترطه غيره من ضرورة استطلاع رأيها في هذه القضايا.
إن الشرائع الأجنبية ونظام المحاكم المختلطة في هذه الديار التي أقامت النيابة العمومية حارسة ومهيمنة على مصالح القصر وعديمي الأهلية أفسحت لها مجال الاطلاع والحضور في جلسات المحاكم ومدتها من السلطة ما سهل عليها القيام بمأموريتها هذه.
(المواد (68) وما بعدها من قانون المرافعات المختلط، و(72) وما بعدها منه).
لا يملك الوزير وحده رفع الاستئناف بل قضت المادة (13) من القانون الذي نحن بصدده أن للأوصياء المختارين أن يستأنفوا إلى المجلس الحسبي العالي القرارات الصادرة بعزلهم أو استبدال غيرهم بهم, وللأولياء الشرعيين هذا الحق أيضًا فيما يتعلق بالقرارات التي تسلبهم سلطتهم على أموال الأشخاص المشمولين بولايتهم أو تحظر عليهم إجراء بعض التصرفات في هذه الأموال بلا إذن سابق.
وسكت النص عن حق الأوصياء المعينين وقد كان لهم أن يستأنفوا القرارات الصادرة بعزلهم أمام مجلس الحسبي العالي:
(المادة (2) من قانون نمرة (5) سنة 1911) فأصبحوا لا يملكون إلا الالتماس من معالي وزير الحقانية أن يستعمل حقه في رفع الاستئناف ولم تذكر المذكرة الإيضاحية سببًا لسلب حق كان لهم بموجب ذلك القانون.
أما القرارات الصادرة من المجالس الحسبية في طلبات توقيع الحجر أو رفعه أو في رفع الوصاية أو استمرارها أو في منع القاصر الذي بلغ الثامنة عشرة من التصرف فاستئنافها حق لكل ذي شأن وللنيابة العمومية.
ويرفع من ذكروا الاستئناف بعريضة تقدم إلى وزير الحقانية وعلى الوزير تقديم هذا الاستئناف إلى المجلس الحسبي العالي (المادة (13) من القانون الجديد).
ولا نقف على قصد الشارع من اتباع هذه الطريقة ما دام الوزير ملزم بتقديم هذا الاستئناف ولو رأى ما لا يدعو إلى استئنافه, ألم يكن من المستحسن اختصار الطريق واتباع القاعدة المقررة في قانون تحقيق الجنايات من أن الاستئناف يرفع بتقرير في قلم كتاب المجلس.
إن المادة (13) المشار إليها يرجع أصلها إلى نص كان في مشروع قانون سنة 1911 الخاص بتشكيل المجلس الحسبي العالي ومن مقتضاه أقام وزير الحقانية رئيسًا لذلك المجلس ولما تعدل المشروع بناءً على مشورة مجلس شورى القوانين وجعل الرئاسة لأحد المستشارين الثلاث أبقى النص كما هو بعد ما زال عنه ما علله.
هذا من جهة ومن الأخرى فلم تنص المادة (13) من القانون المذكور على البيانات الواجب ذكرها في العريضة المرفوعة لوزير الحقانية بطلب رفع الاستئناف, على أن إيضاح الأسباب التي يبني عليها الاستئناف مما يجعل للتروميزان ويعدم الرعونة الملازمة للحالة العصبية التي يتواجد فيها من خسر دعواه.
ألم يكن من المستصوب اتباع القاعدة المقررة في المادة (231) من قانون تحقيق الجنايات التي تقضي بوجوب بيان الأسباب التي بني عليها الطعن في الميعاد المحدد لقبوله وإلا سقط الحق فيه أو على الأقل بيان بعضها كما قررت ذلك المادة (263) من قانون المرافعات في المواد المدنية.
على أن هذا الاستئناف لا يوقف تنفيذ قرار المجالس الحسبية إلا إذا استعمل الوزير حقه المخول له في المادة (14) من القانون الجديد ذلك الحق الذي قيدته المادة المذكورة بنصها (إذا رأى) أن يرفع قرارًا إلى المجلس الحسبي العالي، وقد بينا أن الأحوال المنصوص عنها في المادة (13) تلزم الوزير بتقديم عريضة الاستئناف المرفوعة إليه من ذي شأن إلى المجلس العالي، فهل يملك الوزير في تلك الأحوال إيقاف التنفيذ ؟
إن لفظة (إذا رأى أن يرفع قرارًا)، وهو في حقيقة الواقع لا يرفع قرارًا بل يقدم عريضة الاستئناف الواردة إليه إلى المجلس العالي لا تسمح له بإيقاف التنفيذ.
على أن هذا قيد ورد في القانون الجديد وأما ما كان متبعًا حتى الآن فوارد في المادة الرابعة من قانون سنة 1911, ونصها لناظر الحقانية (عند رفعه) قرارًا إلى المجلس العالي إلخ، ولما لم نرَ في المذكرة الإيضاحية تعليلاً لهذا التعديل رجعنا إلى النص الفرنسي للمادة (14) المحكي عنها لعلمنا أن القوانين تخرج من اللجنة التشريعية فرنسية العبارة فوجدنا نصها مطابقًا للنص الفرنسي للمادة الرابعة من قانون سنة 1911, المشار إليها فتحققنا أن التعديل لم يكن عملاً تشريعيًا بل آتٍ من طريق النقل إلى اللغة العربية ولو رجع الناقل إلى النص العربي للمادة الرابعة المذكورة لوفر عليه عناء التعريب وعلينا متاعب البحث والتنقيب.
على أننا نتساءل ألم يكن كافيًا الضمان الوارد في الفقرة الأولى من المادة (15) من قانون سنة 1925, وهو ويقضي بأن للمجلس الحسبي العالي أن يوقف تنفيذ قرار مجلس الحسبي المرفوع إليه عند الاقتضاء ؟
ألم يكن هذا الضمان أقرب إلى العدل من ضمان حق الوزير بما أن المجلس العالي لا يقرر بإيقاف التنفيذ إلا بعد سماع أقوال ذوي الشأن من الطرفين فهل لدى الوزير من الوقت ما يسمح له بسماعهم.
هذا نظام مجالسنا وهذا طريق الطعن في قراراتها أمام المجلس الحسبي العالي ولنا في عدله وفي نظره السامي ما يرفع التشريع إلى درجة الكمال كما لنا في الأسباب التي دعت إلى إنشاء محكمة استئناف أسيوط ما يشفع لدى وزارة الحقانية لإنشاء مجلس حسبي عالٍ لأقاليم الوجه القبلي.
إلياس روفائيل عباشي
المحامي بقسم قضايا المالية