تصحيح العقد المقترن بالغبن المهدد بالبطلان

 

يُعرف الغبن بأنه:
((عدم التعادل بين ما يعطيه المتعاقد وما يأخذه أو بأنه الضرر المادي الذي يقع على أحد المتعاقدين نتيجة عدم التعادل بين مايأخذه وما يعطيه))

(1) فالغبن يقوم على مجرد عدم التعادل بين الالتزامات المتقابلة

(2) فهو يتنافى مع مبدأ المساواة فيما تقضي به العقود من الأخذ والعطاء ، فهو يقوم على التفاوت في قيمة الالتزامات المتقابلة على طرفي العقد ، فعقود التبرع لا محل للكلام فيها عن الغبن

(3) وعليه فالغبن يعد عيباً موضوعياً في العقد نفسه ، وليس عيباً شخصياً يتعلق بالمتعاقد

(4) ومن ثم لايعد في ذاته عيباً في الرضا فهو غبن يتجرد عن التغرير والاستغلال ، لذا لايترتب عليه أثر الا في بعض العقود التي خصها المشرع بذلك وبالشروط التي قررها

(5) وهذا الغبن الذي يعتد به في هذه العقود ينظر اليه طبقاً لمعايير يحددها المشرع فهو يعتد به في عقد القسمة إذا جاوز الخمس في القانون المدني المصري

(6) وإذا جاوز الربع في عقد القسمة وسبعة اجزاء من اثني عشر في عقد بيع العقار في القانون المدني الفرنسي

(7) أما في قانوننا المدني فأنه يعتد بالغبن في عقد القسمة اذا كان فاحشاً ، وهناك معياران للتحديد وكلا المعيارين مادي ، الاول يحدده بنسبة معينة من قيمة الشيء ويتحدد بين الثلث وربع العشر والثاني يحدده بما لايدخل في تقويم المقومين . وقد أخذ المشرع العراقي ، بالمعيار الاول ، حين عدّ الغبن فاحشاً متى كان على قدر ربع العشر من الدراهم ، ونصف العشر في العروض ، والعشر في الحيوانات ، والخمس في العقار

(8) والغبن المجرد الذي يعتد به قد يجعل العقد باطلاً وقد يجعله مهدداً بالبطلان ، ويتحقق في الحالة الاولى عندما يكون المغبون محجوراً أو وقفاً أو مال مملوك للدولة

(9)  والحكمة من بطلان العقد لمجرد الغبن دون أن يصحبه تغرير أو استغلال، هي المحافظة على هذه الاموال ، الا أن المشرع في هذه الحالات، لم يجعل العقد قابلاً للتصحيح ، فالأثر الذي يترتب على الغبن الفاحش هنا بطلان العقد . بينما في حالات أخرى يؤدي الغبن المجرد الى جعل العقد مهدداً بالبطلان، أي صحيحاً مرتباً لآثاره ، إلا إنه متردد بين الصحة والبطلان ، ومن تلك الحالات ، عقد القسمة الذي يكون فيه أحد المتقاسمين قد لحقه غبن فاحش ، فقد نصت المادة (1077) من قانوننا المدني ،على انه (( يجوز نقض القسمة الحاصلة بالتراضي ، أذا أثبت أحد المتقاسمين ، أنه قد لحقه منها غبن فاحش ، ولاتسمع الدعوى بذلك بعد مرور ستة أشهر من انتهاء القسمة ، وللمدعى عليه أن يوقف سيرها ويمنع القسمة من جديد اذا أكمل للمدعي نقداً أو عيناً ما نقص من حصته )).وكذلك الحكم في القانون المدني المصري

(10) سوى أن رفع دعوى نقض القسمة يجب أن يتم خلال سنة من انتهائها ، بينما في القانون العراقي يجب ان ترفع خلال ستة اشهر من وقت أنتهائها

(11) بينما في القانون المدني الفرنسي ، فأن مدة رفع دعوى نقض القسمة لم تحدد بنص خاص ، وإنما تُركت الى القواعد العامة في البطلان النسبي ، إذ يجب أنْ ترفع خلال خمس سنوات من وقت انتهاءها

(12) من جهة اخرى ، فأن الغبن يعتد به ويجعل العقد قابلاً للابطال ، إذا جاوز خمس قيمة المال الذي وقع في نصيب الشريك ، منقولاً كان او عقاراً ، وفقاً لأحكام القانون المدني المصري ، واذا جاوز الربع وفقاً لأحكام القانون المدني الفرنسي في المنقول والعقار ، على حد سواء

(13) بينما فرق قانوننا المدني ، بين المنقول والعقار ، إذ يعتد بالغبن اذا جاوز الخمس في العقار وتختلف النسب في المنقولات بأختلاف نوعها

(14) ومع هذا ، فأن هذه القوانين تتفق جميعاً، في أمكانية التخلص من دعوى البطلان ، التي يرفعها الشريك المغبون ، ومن ثم الابقاء على عقد القسمة بدلاً من أعادة القسمة بنقضها ،اذا أكمل الشركاء الاخرين ( المدعى عليه ) ما نقص من حصة الشريك المغبون في القسمة

(15) فأذا تحقق الغبن الذي يجعل عقد القسمة قابلاً للأبطال ، جاز رفع دعوى نقض القسمة عند توافر الشروط التي نص عليها القانون ، وعندها يكون العقد خلال المدة التي حددها القانون لرفع دعوى الابطال مهدداً بالبطلان ،إلا ان هذا التهديد ، يزول ويستقر العقد صحيحاً بشكل نهائي أذا أنتهت تلك المدة دون رفع دعوى الأبطال ، أو بأجازة عقد القسمة صراحة أو ضمناً من قبل الشريك المغبون

(16) وعندها يصحح عقد القسمة ، ولكن دون أن يحصل الشريك على ما نقص من حصته ، أي يصحح العقد مع بقاء الغبن دون زواله ، وهنا نكون مع تطبيق لتصحيح العقد دون تغيير في عنصر من عناصره . إلا أن عقد القسمة يمكن تصحيحه ، عن طريق أكمال المدعى عليه ما نقص من حصة الشريك المغبون نقداً أو عيناً ، وهذا التغيير يحصل عن طريق الأضافة الى عناصر العقد ، يترتب عليه تصحيح عقد القسمة

(17) ورفع الغبن نهائياً عن الشريك المغبون إذ يحصل على نصيبه من القسمة يعادل تماماً حصته الشائعة دون نقص ، فهذا التصحيح يتحقق معه زوال الغبن نهائياً

(18) وعندها نكون امام تطبيق لتصحيح العقد القابل للابطال بتغيير في عنصر من عناصره

(19) علاوة على ما تقدم ، فأن تصحيح العقد القابل للأبطال بسبب الغبن ، في القانون الفرنسي ، لايقتصر على عقد القسمة ، فقد أضاف القانون المدني ، تطبيقاً آخر ، هو حالة عقد بيع العقار الذي يلحق البائع غبناً يفوق (7/12) من ثمن العقار ، يجوز للبائع رفع دعوى الأبطال ضد مشتري العقار ، بسبب الغبن الذي لحق به

(20) ويجب ان تقام دعوى الابطال خلال سنتين من تاريخ البيع

(21) لذا فأن العقد يصحح بعد أنقضاء هذه المدة دون رفع دعوى البطلان ، وعندها يصحح العقد دون تغيير في عنصر من عناصره ، ودون أنْ يحصل بائع العقار على ما يسد النقص الحاصل في ثمن العقار ، والذي أدى الى تحقق الغبن . بينما اعطى القانون في المادة (1861) للمشتري ( المدعى عليه ) أمكانية التخلص من خطر البطلان ، والابقاء على العقد ، في حالة أكماله الثمن العادل شرط اسقاط عشر الثمن الاجمالي

(22)  وفي هذه الحالة نكون أمام تطبيق لتصحيح العقد القابل للابطال بالتغيير،عن طريق الزيادة في ألتزامات الطرف الغابن وبناء على طلبه ، اذ يتحقق زوال الغبن وتصحيح العقد في آن واحد . من جهة أخرى ، أضاف المشرع الفرنسي تطبيقاً آخر لتصحيح العقد القابل للابطال ، المعيب بالغبن ، هو المادة (7) من قانون (29) نيسان 1916 المستعادة في المادة (15) من قانون (7) تموز 1967 بشأن مادة المساعدة والأنقاذ ، فقد نصت على (( كل اتفاق بشأن المساعدة البحرية والأنقاذ البحري ، يُوَقَعْ تحت تأثير الخطر ، يستطيع احد طرفيه أن يُبطله أو يُعدله عن طريق المحكمة ، اذا كانت الالتزامات غير متكافئة بين طرفيه ، طالما ثبت ان ارادة احد طرفيه كانت معيبة بالتدليس والكتمان ، أو ان المقابل ( المبالغ الموعود بها ) لاتتناسب مع الخدمات التي قُدمت في سبيل الأنقاذ أو المساعدة ))

(23) فالعقد هنا يكون قابلاً للابطال لمصلحة من له الحق في ذلك، لذا يتحدد مصير العقد بأحد أمرين ، أما البطلان عند طلب الطرف المغبون ذلك ، وأما تعديل التزامات الطرفين بما يرفع الغبن الذي اصاب المتعاقد المغبون وبناءً على طلب الأخير ، فأن اختار الامر الثاني ، يكون التغيير الذي يجري في عنصر من عناصر العقد ، هدفه انقاذ العقد من البطلان ، لأن المصير الآخر للعقد هو بطلانه، لذا يكون العقد قد تم تصحيحه بالتغيير في عنصر من عناصره، بالزيادة أو النقصان في التزامات الطرفين

(24) يتبين لنا مما تقدم ، بأن تطبيقات تصحيح العقد المهدد بالبطلان ، بسبب الغبن ، تتحقق بالطريق الاول ، التغيير في عنصر من عناصر العقد بما يؤدي الى المساس به وزوال الغبن عنه ، والثاني ، لايترتب عليه مساس بالعقد ومن ثم يبقى مقترناً بالغبن على الرغم من تصحيحه.