تعويض المضرور عن الضرر الطبي

تعويض المضرور عن الضرر الطبي.

يعد الضرر الطبي من اهم اركان المسؤولية المدنية، الامر الذي يترتب عليه تعويض المضرور في حالة ثبوت ذلك الضرر، ونظرا لعدم وضع قواعد خاصة للمسؤولية الطبية فانه لا بد من الرجوع الى القواعد العامة لبحث العناصر العامة في الضرر.

وعرف الفقهاء الضرر بانه الاذى الذي يصيب الانسان في جسمة او شرفة او مالة او عواطفة . هذا وقد عرفة الدكتور عبدالرزاق السنهوري بانه ما يصيب المضرور في جسمة او ماله او عاطفته او كرامته او شرفة او اي معنى آخر من المعاني التي يحرص الناس عليها . ويمكن استخلاص تعريف الضرر بانه ما يؤذي الشخص في نواحي مادية ومعنوية.

وبناء على ما سبق فان الضرر هو عبارة عن الاذى الذي يصيب الشخص من جراء المس بحق من حقوقه، ومصلحة مشروعة، ولا يشترط ان يكون الحق الذي يحصل به المساس ماليا مثل حق الملكية، حق الانتفاع، بل يكفي ان يكون هذا الحق يحمية القانون كالحق في الحياة وفي سلامة الجسم وحق الحرية الشخصية.

ويمكن تقسيم الضرر الى نوعين مادي وادبي.

1- الضرر المادي (المالي) وهو ما يصيب الشخص في ذمته المالية.

2- الضرر الادبي (المعنوي) وهو ما يصيب الانسان في شعوره نتيجة لمساس بعاطفته او كرامته او سمعته او شرفة، او في غير ذلك من الامور المعنوية، التي يحرص الانسان في حياته عليها، او بعبارة اخرى ما يصيب الانسان بناحية غير مالية .

هذا وقد ورد تعريف الضرر الأدبي في القانون المدني الاردني فنصت المادة (267/1) منه على “يتناول حق الضمان الضرر الادبي كذلك، فكل تعد على الغير في حريته او في عرضة او في شرفة او في سمعتة او في مركزة الاجتماعي او في اعتباره المالي يجعل المتعدي مسؤولا عن الضمان”.

المطلب الاول المبادئ العامة في الضرر:

والقاعدة ان المسؤولية الطبية هي كالقاعدة في المسؤولية المدنية، وعلى ذات المبدأ يمكن ان يتبع الضرر في مجال المسؤولية الطبية في تعريفة تعريف الضرر فقهيا وبذلك تجتمع جميع عناصر الضرر التقليدية في تعريف الضرر في مجال المسؤولية الطبية، فنعرف الضرر الطبي بانه حالة ناتجة عن فعل طبي مست بالاذى جسم الشخص وقد يستتبع ذلك نقص في مال الشخص او عواطفة ومعنوياته. ويجدر بنا ان نلاحظ ان الضرر المقصود هنا ليس هو الضرر الناجم عن عدم شفاء المريض او عدم نجاح العملية، او الجراحة في العلاج، لان مجرد عدم شفاء المريض شفاء تاما او جزئيا لا يكون في ذاته ركن الضرر، لان الطبيب في عقد العلاج لا يلتزم بشفاء المريض،

انما المطلوب منه بذل قصارى جهدة في سبيل الشفاء، ولا مسؤولية عليه اذا بذلك ما في وسعة ولم يتحقق الشفاء على يديه لان التزامه بالاصل هو التزام ببذل عناية لا بتحقيق نتيجة، فاذا اخفق الطبيب في الوصول اليها وكان ذلك بخطأ منه لا يسأل الا عن ما سببه للمريض من خسائر مالية كمصاريف العلاج واثمان الادوية واجور المستشفيات، وما فات على المريض من كسب بسبب تعطيلة عن عملة وقد يحاسب على ما سببة له من الآم اثناء العلاج، وبالتالي فلا مسؤولية على الطبيب بسبب عدم نجاح العلاج المترتب على خطئة ما دامت حالة المريض لم تسوء عما كانت عليه قبل العلاج.

ولا يقتصر الضرر الطبي على اضرار الجسد المادية، بل ان هناك اضرار الجسد النفسية وهي ما تتولد عن اخطأ المعالجة او العلاج النفسي والتي قد تستتبع اضرار جسمية في الجسد والاعضاء خاصة في حالة التعدى على الحياة وفوات الكسب والفرص، وكما يعد الضرر المعنوي الذي يحوي بدورة الضرر الادبي الذي يصيب العاطفة او الجسم او الشعور للشخص او لذوية، جزءاً مهما من الضرر.

وبناء على ما سبق يمكننا تقسيم الضرر الطبي الى قسمين:

1. الضرر الطبي المادي وهو الذي يمثل اخلالا بحق المضرور، وهذا الحق هو حق السلامة (سلامة الحياة وسلامة الجسم) ويتسع الضرر الجسماني ليشمل، الاعتداء المتمثل بالاصابة وما يترتب عليها من عجز جسماني دائم او مؤقت والضرر المالي المتمثل بالخسارة التي لحقت المضرور والكسب التي فاته بالخسارة مثل النفقات الطبية والعلاجية ، فخطأ ما قد يكلف الشخص المضرور نتيجة ذلك اضعاف ما تقاضاه الطبيب مرتكب الخطأ.

2. الضرر المعنوي اي الاضرار التي تترتب على الاصابة والتي يصعب تقديرها بالمال مثال الالام البدنية والنفسية التي يقاس منها المصاب والاضرار التمثلة في الحرمان من متع الحياة والنواحي الجمالية في الانسان او ضرر تشوية الجمال.

المطلب الثاني صور وشروط الضرر الطبي

للبحث عن مفهوم الضرر في العمل الطبي لا بد لنا الوقوف على صور الضرر والتي تتمثل في الضرر المباشر والغير مباشر والمتوقع والغير متوقع، ولا بد ايضا من الوقوف على الشروط الواجب توفرها فيه.

أولا: صور الضرر الطبي:

1- الضرر المباشر والغير مباشر

فالضرر المباشر هو ما كان نتيجة للفعل الخطأ، كعدم الوفاء بالالتزام، كأن يتوفى، المريض اثر علاج الطبيب الذي اهمل او ارتكب خطأ، ويعتبر نتيجة مباشر وضرر مباشر حالة المريض الذي مات بسبب مرض معدى انتقل اليه بسبب اهمال الطبيب في اتخاذ الاحتياطات والعناية المستوجبة وفق اصول الفن الطبي. وعليه فالضرر المباشر هو ما يكون نتيجة طبيعية للفعل الخطأ الذي احدثها وترتب عليه وهذا الضرر هو فقط الذي تكون بينة وبين الخطأ المنشئ له علاقة سببية وفق القانون. والضرر الغير مباشر لا يكون نتيجة طبيعية للخطأ الذي احدث الضرر،

فتنقطع العلاقة السببية بينة وبين الخطأ، وهنا لا بد من التمييز بين حالة تعدد الاسباب المحدثة للضرر، وتسلل النتائج او ما يسمى بتعاقب الاضرار، في حالة تعدد الاسباب فان الضرر واحد، وتعددت الاسباب التي ادت اليه، اما في الحالة الثانية (تسلسل النتائج) فان السبب واحد الا ان الاضرار هي التي تعاقبت وتولدت عن هذا السبب فصارت اضرار متعددة، وقد تختلط الحالتان فتتعدد الاسباب وتتعاقب الاضرار، فيعطي لكل حكمة، ويأخذ بالضرر المباشر ويترك الضرر الغير مباشر . ويعتبر الطب وتفرعاتة من تشخيص وعلاج وعمليات جراحية مجالا رحبا لتطبيقات الضرر بكل اشكاله ومجالاته.

2- الضرر المتوقع والغير متوقع

والضرر بنوعية المتوقع وغير متوقع يقعان ضمن ما تسمية الضرر المستقبل اي ما سيقع مستقبلا او ما قد يقع احتمالا، بينما الغير متوقع يدخل في دائرة المستقبل ولكن لم يدخل في الحسبان سببا او مقدارا. وعلى المدين في مجال المسؤولية العقدية ليس توقع الضرر بسببة وانما بمقدارة وعليه فان الوقت الذي ينظر فيه الى توقع الضرر هو وقت ابرام العقد، وتوقع المدين للضرر يقاس بمعيار موضوعي وهو الضرر الذي يمكن توقعة عادة، اي الضرر الذي يتوقعة الشخص المعتاد في مثل الظروف الخارجية التي وجد فيها المدين،

فاذا اهمل الطبيب في تبين الظروف التي كان من شأنها ان تجعلة يتوقع الضرر فان الضرر يعتبر متوقعا لان الشخص المعتاد لا يهمل في تبين هذه الظروف، الا اذا كان عدم توقع الطبيب للضرر يرجع الى فعل المريض. وفي حالة المسؤولية التقصيرية فأن المدين يسأل عن الضرر المتوقع والغير متوقع لان الخطأ في المسؤولية التقصيرية يعتبر مخالفا للنظام العام، فيتحمل الطبيب مسؤولية كل الضرر الذي يصيب المريض .

3- الضرر المحقق والمستقبل والاحتمالي

فالضرر المحقق هو ما كان اكيدا سواء كان حالا او مستقبلا او حتمي الوقوع، والضرر الحال هو الضرر الذي يصيب المضرور فعلا، اما الضرر المستقبل فيستطيع المضرور الرجوع به على المدين عند تحققة او ان يؤخرة اجمالا الى حين انتهاء ترتب النتائج بتوقف تفاقم المرض او الضرر عند حد الوفاه او الشفاء او استقرار حال ما .

اما بالنسبة للضرر المستقبل الذي سيقع حتما فان الضرر يتوقف تقديره على امر مستقبل لا يزال غامضا، ومثال ذلك ان يجرى الطبيب جراحة التهاب في صيوان اذن المريض الذي يعاني من تشوش في السمع فيرتكب الطبيب خطأ لم يرقى الى مستوى الفقد الكامل للسمع الا انه فيما بعد قد يتطور الضرر ويتفاقم الى الحد الذي يمكن ان يفقد المريض سمعة كاملا. وبخصوص الضرر الاحتمالي الذي لم يقع بعد ويكون عرضة للشك حول ما اذا كان سيقع مستقبلا ام لا وهو الذي يجب التريث الى حين وقوعة لانه ضرر غير محقق قد يقع او لا يقع ومثال ذلك ان يحدث الطبيب بخطئة في علاج او جراحة نقصانا في وزن المريض فهنا الضرر المحقق هو نقصان الوزن، ويلتزم الطبيب بان يعوض عن ذلك اذا كانت النسبة بالنقص يغير بالشكل العام للمريض.

ويمكن اضافة نوع آخر من انواع الضرر والذي يعرفبالضرر المتغير :

وهو الضرر الذي لا يستقر في اتجاه بذاتة، انما يتحول تبعا لظروف طارئة بين فترة ارتكاب الخطأ ونشوء الضرر، كما في حالة اذا ما قام طبيب باجراء عملية جراحية فاخطأ فيها ونجم عنها للمريض ضرر، الا ان هذا الضرر غير نهائي فيمكن ان تتحسن حالة المريض كما يمكن ان تتردى.

ثانيا: شروط الضرر الطبي:

حتى يمكن التعويض عن الضرر الطبي، يلزم ان تتوافر فيه مجموعة من الشروط ويترتب على تخلفها عدم قيام الضرر بالمعنى المقصود، وهذه الشروط هي كالتالي:

1. ان يكون الضرر محققا:

اي ان يكون محقق الوقوع، اي وقع فعلا او انه سيقع في المستقبل، وهنا نفرق بين الضرر المستقبل والضرر المحتمل، فالضرر المستقبل المحقق الوقوع هو ضرر تحقق سببة وتراخت اثارة كلها او بعضها الى المستقبل، كاصابة شخص بعاهة دائمة تعجزه عن الكسب المادي، فالاصابة مؤكدة ولكن الخسارة المالية بسبب العجز تعتبر ضرر مستقبلي، كما يمكن تطبيقها ايضا على مسؤولية المقاول والمهندس عن الضرر الذي يحصل في البناء ويجعل هدمة لا بد منه مستقبلا، واما الضرر المحتمل فهو ضرر لم يقع ولا يوجد ما يؤكد انه سيقع، بل كل ما في الامر انه يحتمل وقوعة او عدم وقوعة وبالتالي لا يتم التعويض عن مثل هذا الضرر.

2. يجب ان يكون الضرر شخصيا:

اي ان يكون الضرر قد اصاب المدعى المضرور والذي يطالب بالتعويض سواء كان الشخص طبيعي او معنوي، ويتحقق ايضا بالنسبة للضرر المرتد عن الضرر الاصلي ومثال ذلك الضرر الذي يصيب العمال بسبب وفاة رب عملهم، لما واجهوه من بطالة عن العمل نتيجة لموت رب العمل. والضرر المرتد ايضا الذي يصيب الورثة والزوجة والاولاد بسبب وفاة المورث الزوج، فمن لهم الحق بالنفقة من المتوفي نتيجة خطأ في العلاج مثلا، ان يطالبوا بالتعويض عن الاضرار المادية التي لحقتهم من جراء فقد عائلهم الى جانب هؤلاء نعتقد ان كل من يتلقى معونه من المتوفي له ان يطالب الطبيب بالمسؤولية عن الاضرار التي تحملها لان الطبيب قد فوت بفعلة على الطالب فرصة حقيقية في الحصول على مساعدة،

كما يمكن ان يكون الطبيب مسؤولا امام من كانت تربطهم بالمتوفي علاقات تقوم على عقود ذات صبغة شخصية، كدائن المتوفي الذي لا يستطيع مطالبة الورثة بتنفيذ عقد ذي طابع شخصي . ومن البديهي ان يكون طالب التعويض مستندا الى حق مشروع، فالعشيقة لاحق لها في طلب التعويض عن فقد عشيقها الذي كان ينفق عليها، اذ لا يجوز لها ان تطالب بالتعويض لان العلاقة التي كانت بينهم مخالفة للنظام العام والاداب.

3. ان يكون الضرر مباشر.

اي ان الضرر ناتج مباشرة عن خطأ المدين، اما الاضرار الغير مباشرة فهي غير قابلة للتعويض فمثلا الخطأ الذي يرتكبة الطبيب ويؤدي الى وفاة شاب في الثانوية العامة، فالضرر هو وفاة الشاب واصابته ويكون التعويض عن حالة الوفاة فقط، اما الاضرار الاخرى التي تتولد عن ذلك مثل نجاحة وحصولة على معدل واحتمالية دخولة كلية الطب وتعيينة وحصولة على راتب .. الخ، فهذه الاضرار لا يمكن التعويض عنها لانها اضرار غير مباشرة. كما ويجوز التعويض عن تفويت الفرصة ،

ذلك انه اذا كان موضوع الفرصة امرا احتماليا فان تفويتها امر محقق ويجب التعويض عنها، وتبدو الفرصة للمريض من عدة وجوه، سواء ما كان امامة من فرص الكسب او النجاح في حياته العامة، وقد يبدو الضرر ايضا فيما كان للمريض من فرص الشفاء لو لم يرتكب الخطأ الطبي، وما كان له من فرصة في الحياة.

ومن خلال ما سبق نستخلص ان الاضرار التي تصيب المريض او ذوية يمكن ان تكون مادية او ادبية فالمساس بسلامة الجسم وما ينتج عنة من ضرر يشكل ضررا ماديا يتمثل في نفقات العلاج او اضعاف القدرة على الكسب، وقد يصيب الضرر المادي ذوي المريض، ليس فقط زوجته واولادة، ووالدية فهو يلتزم باعالتهم قانونا، وانما كل من يثبت ان المريض المضرور – خاصة في حالة الوفاة –كان يعولهم فعلا وبشكل مستمر وقت عجزة او وفاتة.

ويتمثل الضرر الادبي في الالام النفسية والجسمانية التي يمكن ان يتعرض لها المريض، وما ينتج عنها من تشوهات وعجز في وظائف الاعضاء، والتقدير في الضرر الادبي يختلف من شخص الى آخر، فالشاب ليس كالمسن والفتاة تختلف عن الشاب فالتعويض يقدر على ضوء الاثار التي يتركها الضرر وحسب حالة المريض بالنظر الى عملة او مهنتة وظروفة الاجتماعية، ويدخل في عناصر الضرر تفويت الفرصة مثل تفويت الفرصة على فتاة بالزوج نتيجة لاصابتها بتشوهات، وقد يكون تفويت الفرصة هي فرصة الشفاء للمريض لو لم يرتكب الخطأ الطبي.

والقاضي يعتمد في تقدير ذلك على القرائن القوية والمحددة بالنظر الى طبيعة المرض فيما اذا كان يمكن الشفاء منه ام لا، ويتشدد القضاء في التعويض عن تفويت الفرصة، وفي الحالات التي لا تثبت العلاقة السببية بين الخطأ المنسوب للطبيب والضرر الذي اصاب المريض قد يحكم بتعويض جزئي باعتبار ان الخطأ الطبي قد فوت على المريض فرصة الشفاء.

اترك تعليقاً