جريمة غسيل الأموال في التشريعات العربية المختلفة – بحث قانوني متميز

منذ ظهورها إرتبطت جرائم غسيل الاموال بالجريمة المنظمة واتسمت بطبيعة دولية، بل إنها من الجرائم التي لا يمكن أن تحدث بصورة فردية، فهي جريمة تبعية بالأساس، لأنه لا يتصور وقوع جريمة غسيل أموال دون أن تكون في الخلفية جريمة أخرى مثل تمويل التنظيمات الإرهابية أو تجارة المخدرات أو تجارة الرقيق الأبيض، أو حتى جرائم الرشوة ذات القيمة المالية الكبيرة.

غسيل الأموال:
وحظت جرائم غسيل الأموال بعناية التشريعات العربية، بل أن الدول العربية قامت في عام 2010 بتوقيع الإتفاقية العربية لمكافحة غسل الاموال وتمويل الإرهاب، والتي تعد بدورها نموذجا لعدد من تشريعات الدول العربية التي صدرت لاحقاً في ذات الشأن، حيث أن العديد من الدول العربية تتجه بشكل دائم ومستمر إلى تغليظ العقوبة في جرائم غسل الأموال وتوسيع دائرة التعريف لهذه الجرائم، في محاولة للحد من الظاهرة، لأنها من الجرائم الماسة بالاقتصاد والأمن القوميين.

جريمة غسيل الأموال
وبحسب احصائيات وتقارير دولية فإن حجم عمليات غسيل الأموال من 10 سنوات مضت بلغ 500 مليار دولار، والرقم يتضاعف باستمرار، لذلك فإن تشريعات مكافحة وحظر غسيل الأموال نصت على عدة صور لهذه الجريمة منها حظر إجراء أية عمليات تتعلق بعائد نشاط إجرامي أو اكتساب أو تلقى هذا العائد، وحظر إخفاء طبيعة عائد النشاط الإجرامي أو مصدره أو مكانه أو طريقة التصرف فيه أو حركته أو ملكيته أو أى حق يتعلق به، وكذلك حظر الاحتفاظ بعائد متحصل من نشاط إجرامي أو حيازته.

وفي التقرير التالي، نلقي الضوء على جرائم غسيل الأموال في التشريعات العربية، وكيف تصدت التشريعات العربية لمثل هذه الظاهرة وطريقة اختلاف كل منها في هذا التصدي، وذلك في الوقت الذى تُعد فيه جريمة غسل الأموال واحدة من أهم وأبرز الجرائم الاقتصادية المستحدثة التي ترتبط بالجريمة المنظمة، منها على سبيل المثال لا الحصر جرائم الإرهاب والاتجار بالمخدرات وتهريب المخدرات والقمار والآثار والسرقة والخطف وكذا الفساد السياسي، فهي إعادة تدوير الأموال الناتجة عن الأعمال غير المشروعة في مجالات وقنوات استثمار شرعية لإخفاء المصدر الحقيقي لهذه الأموال، واستخدامها في تمويل الإرهاب، وبذلك تُعد جريمة غسيل الأموال جريمة تابعة لجريمة أصلية.

مكافحة غسل الأموال في التشريع المصري:

عرف قانون مكافحة غسل الأموال المصري عملية غسيل الأموال بأنها: “كل سلوك ينطوي على اكتساب أموال او حيازتها أو التصرف فيها أو إدارتها أو حفظها او إستبدالها أو إيداعها أو ضمانها او إستثمارها أو نقلها أو تحويلها أو التلاعب في قيمتها إذا كانت متحصلة من جرائم المخدرات، أو جرائم الإرهاب، أو جرائم الآثار، أو جرائم الإعتداء على المال العام أو الخاص، أو جرائم الأسلحة والمفرقعات مع العلم بذلك، متى كان القصد من هذا السلوك إخفاء المال أو مصدر تمويله أو مكانه أو صاحبه، او تغيير حقيقته أو الحيلولة دون إكتشاف ذلك أو عرقلة التوصل إلى شخص من إرتكب الجريمة المتحصل منها المال”.

وفي عام 2015 تم تعديل قانون مكافحة غسل الاموال ونص التعديل على حالات وصور جرائم غسيل الأموال وهي:

1-تحويل متحصلات أو نقلها، وذلك بقصد إخفاء المال أو تمويه طبيعته أو مصدره أو مكانه أو صاحبه أو صاحب الحق فيه أو تغيير حقيقته أو الحيلولة دون اكتشاف ذلك أو عرقلة التوصل إلى مرتكب الجريمة الأصلية.

2-اكتساب المتحصلات أو حيازتها أو استخدامها أو إدارتها أو حفظها أو استبدالها أو إيداعها أو ضمانها أو استثمارها أو التلاعب في قيمتها أو إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية لها أو لمصدرها أو مكانها أو كيفية التصرف فيها أو حركتها أو ملكيتها أو الحقوق المتعلقة بها.

وحدة مكافحة غسل الأموال:

وفي سبيل إنفاذ القانون تم النص على إنشاء وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وحدد إختصاصها بتلقي الإخطارات الواردة من المؤسسات المالية وأصحاب المهن والأعمال غير المالية، عن العمليات التي يشتبه في أنها تشكل متحصلات أو تتضمن غسل الأموال أو تمويل الإرهاب أو محاولات القيام بهذه العمليات، كما اجاز لها القانون أن تطلب من سلطات التحقيق اتخاذ التدابير التحفظية مثال اوامر المنع من السفر او الحجز على الحسابات البنكية المشتبه فيها.

عقوبة غسل الأموال:

الجهات والمؤسسات المالية وأصحاب المهن والأعمال غير المالية بإمداد الوحدة بما تطلبه من البيانات والمعلومات والإحصائيات اللازمة لمباشرة اختصاصاتها، وفقاً للقواعد والإجراءات التي تضعها، كما تتولى الوحدة إنشاء وتهيئة الوسائل الكفيلة بالتحقق من التزام كافة المؤسسات المالية وأصحاب المهن والأعمال غير المالية – التي لا تخضع لرقابة الجهات المشار إليها في الفقرة الأولى من هذه المادة في شأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب – بالأنظمة والقواعد المقررة في هذا الشأن، بما في ذلك وضع القواعد والضوابط ذات الصلة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتتولى الوحدة متابعة الجهات والمؤسسات المالية وأصحاب المهن والأعمال غير المالية المشار إليها فيما سبق.

وفي مجال العقوبات فقد حدد القانون المصري عقوبة جريمة غسل الاموال بالسجن لمدة لا تتجاوز السبع السنوات وغرامة تعادل مثلي الاموال محل الجريمة ومصادرة المال المضبوط، وساوى المشرع بين عقوبة إرتكاب الجريمة فعلاً وبين عقوبة الشروع فيها، وفي ذات الوقت أجاز المشرع الإعفاء من العقوبة للمتهم الذي يبادر بالتبليغ عن آخرين ويؤدي تبليغه إلى ضبط الجناة.

إنشاء نيابات غسيل الأموال:

وأصبح موضوع غسيل الأموال ومكافحته موضوعا هاما لرجال القانون والقضاء وأجهزة العدالة والأمن بالإضافة إلى أنه موضوعا مركزيا في إدارات البنوك والمؤسسات المالية وتحديا جديا لعملها وخاصة مع تطور وسائل الاتصالات والوسائل التكنولوجية المتطورة التي تستخدمها هذه البنوك والمؤسسات المالية، لأن المصارف والمؤسسات المالية تظل الأكثر استهدافاً لإنجاز أنشطة غسيل الأموال فهي مخازن المال أصلاً ويحاول المجرمون تلبيس الأموال القذرة صفة المشروعية من خلال سلسلة من العمليات المصرفية، ويمكن اعتبار الخدمات البنكية المتعددة والمتطورة باستمرار خير السبل لإخفاء المصدر غير الشرعي للمال، رغم وجود وسائل أخرى يقوم بها غاسلوا الأموال كشراء العقارات والأصول الثمينة الأخرى، لأن مكافحة الفساد باتت تقتضي تضافر كل الجهود على كافة المستويات وعلى الحكومات أن تدرك حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها في هذا الإطار وأن توفّر الدعم السياسي المطلوب.

مكافحة غسل الأموال في التشريع العراقي:

في نهايات عام 2015 سن مجلس النواب العراقي قانون مكافحة غسل وتمويل الإرهاب الذي شمل جميع العلميات المصرفية وعمليات التأمين وتجارة العملات وتجارة المعادن النفيسة والمهن الحرة التي تمارس أنشطة إدارة الاموال لصالح الغير أو إدارة وتجارة العقارات لصالح الغير.

وإتجه المشرع العراقي إلى بيان العلاقة بين غسل الأموال وبين تمويل الإرهاب بموجب نص خاص عرف فيه تمويل الإرهاب بأنه: كل فعل يرتكبه أي شخص يقوم بإرادته بتوفير الأموال أو جمعها أو الشروع في ذلك من مصدر شرعي أو غير شرعي، بقصد إستخدامها، مع علمه بأن تلك الأموال ستستخدم في تنفيذ عمل إرهابي، أو من خلال منظمة إرهابية، سواء وقعت الجريمة أو لم تقع.

شروط عقوبة غسل الأموال لتمويل الإرهاب:

ويتضح أن التشريع العراقي إشترط لقيام جريمة إستعمال المال المغسول في تمويل الإرهاب أن يتم ذلك بالإرادة الحرة للشخص، ولم يعتد القانون بالإجبار القسري على تمويل الإرهاب نظراً لسيطرة بعض الكيانات الإرهابية، وبالمقابل فقد اعتد القانون العراقي بقيام جريمة غسل الأموال بقصد تمويل الإرهاب سواء وقع العمل الإرهابي فعلاً أم لم يقع.

ثلاث صور لجريمة غسل الأموال:

وأورد التشريع العراقي ثلاث صور لجريمة غسل الأموال أولها أن يتم تحويل الأموال أو نقلها أو استبدالها من شخص يعلم أو كان عليه أن يعلم أنها متحصلة من جريمة، متى كان الغرض هو إخفاء المصدر غير المشروع لهذه الأموال، وثاني هذه الصور هي القيام بإخفاء وتمويه حقيقة الأموال المتحصلة من الجريمة ومصدرها وطريقة إنتقالها والتصرف فيها، وثالث الصور هي أن يتم اكتساب الأموال أو حيازتها أو استخدامها من شخص يعلم أو كان عليه ان يعلم أنها متحصلة من جريمة.

القصد الجنائى في الجريمة:

وفي كل الحالات السابقة، فإن المشرع العراقي إشترط توافر القصد الجنائي في جرائم غسل الاموال، حيث نص على ضرورة علم الشخص بطبيعة الأموال المغسولة، وكذلك أجاز معاقبة الجاني إذا كان موقعه الوظيفي أو علاقته بمصدر الأموال تسمح له بمعرفة مصدرها غير المشروع حتى وغن لم يعلم، لان القانون العراقي أخذ هنا بالعلم الحكمي.

وفي سبيل إنفاذ نصوص قانون مكافحة غسل الاموال تم إنشاء مجلس مكافحة غسل الاموال وتمويل الإرهاب برئاسة محافظ البنك المركزي العراقي وعضوية عشر جهات منها وزارة الداخلية وجهاز المخابرات وجهاز مكافحة الإرهاب وجهاز الأمن الوطني ووزارات العدل والخارجية والمالية والتجارة بالإضافة إلى عضوية قاض يتم ترشيحه من قبل المجلس الأعلى للقضاء، كما تم إنشاء مكتب مكافحة غسل الاموال وتمويل الإرهاب لتلقي وإحالة البلاغات والمعلومات المتعلقة بهذه الجرائم، وتم إعطائه صلاحية إتخاذ التدابير الإحترازية المؤقتة عند الخشية من تهريب المتحصلات أو الإضرار بسير التحقيق في الجريمة.

عقوبة غسل الأموال في التشريع العراقى:

الحبس 15 سنة عقوبة غسل الأموال في التشريع العراقى

وفي نطاق العقوبات فقد شدد المشرع العراقي عقوبة جرائم غسل الاموال لتصل للسجن مدة خمسة عشر عاماً مع مصادرة المال المضبوط، وشملت العقوبات أيضاً تغريم الشركات التي تشترك بأي صورة في جرائم غسل الاموال، حتى وإن إقتصر دورها على الإهمال في إمساك السجلات المالية التي كان يمكن من خلالها التعرف على عمليات غسيل الأموال.

مكافحة غسل الأموال في التشريع الإماراتي:

أصدرت دولة الإمارات قانون مواجهة جرائم غسل الاموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل المنظمات غير المشروعة في عام 2018، واعطى هذا القانون سلطة الرقابة وإنفاذ القانون للجهات الإتحادية والمحلية التي تنص عليها التشريعات المعنية بتنظيم المؤسسات المالية والمهن غير التجارية والجمعيات الأهلية، وفي ذات الوقت نص القانون على إنشاء وحدة المعلومات المالية للتنسيق والمتابعة مع كافة الجهات المعنية بمواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ونص القانون على إستقلالية هذه الوحدة وأن ترسل لها دون غيرها تقارير المعاملات المشبوهة والمعلومات المتعلقة بها من كافة المنشآت المالية والأعمال والمهن غير المالية المحددة، وتعمل على دراستها وتحليلها، وإحالتها إلى الجهات المختصة بشكل تلقائي أو عند الطلب، كما نص القانون على إنشاء لجنة برئاسة محافظ المصرف المركزي، تحت مسمى “اللجنة الوطنية لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل التنظيمات غير المشروعة”، وعد القانون مرتكباً لجريمة غسل الاموال كل من إشترك عمداً في تحويل أو نقل أو أي عملية أخرى خاصة بأموال متحصلة من جناية او جنحة، وكذلك نص القانون الإماراتي على عقوبة كل من ساعد مرتكب الجريمة الأصلية على الإفلات من العقوبة.

جريمة غسل الأموال كجريمة مستقلة في التشريع الإماراتى:

ويمتاز القانون الإماراتي بأنه نظر لجريمة غسل الاموال على إنها جريمة مستقلة بغض النظر عن منشأها ومدى وقوع الجريمة الأصلية التي تولدت عنها الاموال السوداء، بل ان القانون نص صراحة على عدم إشتراط صدور حكم بالإدانة في الجريمة الأصلية لإمكانية إنزال عقوبة في جريمة غسل الأموال، وفي مجال التدابير الوقائية، فقد اجاز المشرع الإماراتي إتخاذ أجراءات التجميد والحجز للأرصدة التي يشتبه في علاقتها بعمليات غسل الاموال وتمويل الإرهاب.

كما يلاحظ أن المشرع الإماراتي لم يتخلى عن منهجه في تفصيل المسائل التي ينظمها القانون والإحاطة بكل جوانبها، وهو مسلك حميد في التشريع الحديث، كذلك فإن المشرع الإماراتي فرق بين قيام جريمة غسل الأموال وبين الشروع فيها، ولم يسير على نهج تشريعات بعض الدول التي ساوت في العقوبة في كلتا الحالتين، وبالمقابل فقد اتفق التشريع الإماراتي من التشريعات النظيرة في فرض عقوبة السجن والغرامة والمصادرة، وغلق مقر الشركة أو المؤسسة التي يثبت إشتراكها في عمليات غسل الأموال المشبوهة أو عمليات تمويل الإرهاب والمنظمات الإرهابية.

مكافحة غسل الأموال في التشريع البحريني:

أصدرت مملكة البحرين قانون حظـر ومكافحـة غسـل الأمـوال خلال عام 2001، وخضع هذا القانون لعدد من التعديلات خلال عام 2018 ليستقر بصورته الحالية، وعرف القانون البحريني عائد الجريمة بأنها الأمــوال المتحصلة بطريق مباشــر أو غير مباشر، كلياً أو جزئياً من أي نشاط إجرامي، وعدد صور إرتكاب جريمة غسل الأموال باربع صور أولها إجراء أية عملية تتعلق بعائد جريمة مع العلم أو الاعتقاد أو ما يحمل على الاعتقاد بأنه متحصل من نشاط إجرامي أو من أي فعل يعد اشتراكاً فيه، وثانيها إخفاء طبيعة عائد جريمة أو مصدره أو مكانه أو طريقة التصرف فيه أو حركته أو ملكيته أو أي حق يتعلق به مع العلم أو الاعتقاد أو ما يحمل على الاعتقاد بأنه متحصل من نشاط إجرامي أو من فعل يعد اشتراكاً فيه، وثالثها اكتساب أو تلقى أو نقل عائد جريمة مع العلم أو الاعتقاد أو ما يحمل على الاعتقاد بأنه متحصل من نشاط إجرامي أو من أي فعل يعد اشتراكاً فيه، ورابعها الاحتفاظ.

مكافحة غسل الأموال في التشريع الكويتي:

في عام 2013 أصدرت دولة الكويت قانون مكافة غسل الاموال وتمويل الإرهاب الذي عرف الأداوات القابلة للتداول والتي تستخدم في عمليات غسيل الاموال بأنها الأدوات النقدية في الصادرة في شكل وثيقة لصالح حاملها كالشيكات السياحية والأدوات القابلة للتداول بما ذلك الشيكات والسندات الإذنية وأوامر الدفع التي تكون إما لحاملها أو مظهرة له دون قيود أو صادرة لمستفيد صوري أو في شكل آخر ينتقل معه الانتفاع لحاملها، والأدوات غير المكتملة التي تكون موقعة ولكن حذفت منها أسماء المستفيد، كما عرف القانون التحويل الإلكتروني بانه معاملة مالية تجريها مؤسسة مالية بوسيلة إلكترونية نيابة عن أمر التحويل، يتم من خلالها إيصال مبلغ مالي لشخص مستفيد في مؤسسة مالية أخرى، دون اعتبار لما إذا كان أمر التحويل والمستفيد هما نفس الشخص.

ولم يختلف القانون الكويتي عن بقية التشريعات العربية التي حددت صور جريمة غسل الاموال، حيث حصر الجريمة في ثلاث صور تقوم بها جريمة تبييض المال المتحصل من جريمة، وهذه الصور هي: تحويل الاموال أو نقلها أو استبدالها، بغرض إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع لتلك الأموال،أو مساعدة أي شخص ضالع في ارتكاب الجرم الأصلي التي تحصلت منه الأموال، على الإفلات من العواقب القانونية لفعلته.

أو إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للأموال أو مصدرها أو مكانها أو كيفية التصرف فيها أو حركتها أو ملكيتها أو الحقوق المتعلقة بها، أو إكتساب الأموال المتحصلة عن العمل الإجرامي أو حيازتها أو استخدامها.

وقد إتجه المشرع الكويتي إلى إلزام المؤسسات المالية والأعمال والمهن غير المالية المحددة العناية الواجبة المشددة لجميع المعاملات المعقدة والكبيرة غير العادية، وأنماط المعاملات غير العادية التي لا تتوافر لها أغراض أو أهداف اقتصادية مشروعة وواضحة، وتقوم بفحص خلفية تلك المعاملات والغرض منها، وتوثيق جميع المعلومات المتعلقة بها وبهوية جميع الأطراف المشاركة فيها، والاحتفاظ بتلك السجلات، وإتاحة هذه المعلومات للجهات المختصة لدى طلبها.

وكذلك ألزم القانون المؤسسات المالية التي تمارس نشاط التحويلات الإلكترونية الحصول على المعلومات المتعلقة بأمر التحويل ومتلقي التحويل لدى إجرائها المعاملات، والتأكد من أن هذه المعلومات تبقى ضمن أوامر التحويل أو الرسائل ذات الصلة من خلال سلسلة الدفع، وحظر القانون على المؤسسة المالية الآمرة بالتحويل الإلكتروني تنفيذه، إذا تعذر عليها الحصول على هذه المعلومات.

وتضمن القانون الكويتي أحكاماً خاصة بالإبلاغ عن العمليات المشبوهة حيث ألزم المؤسسات المالية والأعمال والمهن غير المالية المحددة بإخطار الوحدة دون تأخير بأي معاملة أو أي محاولة لإجراء المعاملة بصرف النظر عن قيمتها، إذا اشتبهت أو توافرت دلائل كافية للاشتباه في أن تلك المعاملات تجري بأموال متحصلة من جريمة أو أموال مرتبطة أو لها علاقة بها أو يمكن استعمالها للقيام بعمليات غسل أموال أو تمويل إرهاب.

واستثني المشرع المحامون وغيرهم من أصحاب المهن القانونية والمحاسبون المستقلون بالإخطار عن معاملة وفقًا للفقرة السابقة إذا كان قد تم الحصول على المعلومات المتعلقة بتلك المعاملات في الظروف التي يخضعون فيها للسرية المهنية.

وفي سبيل تفعيل مواد القانون نص المشرع الكويتي على إنشاء وحدة التحريات المالية الكويتية التي أناط بها العمل على تلقي وطلب وتحليل وإحالة المعلومات المتعلقة بما يشتبه أن يكون عائدات متحصلة من جريمة أو أموال مرتبطة أو لها علاقة بها أو يمكن استعمالها للقيام بعمليات غسل أموال أو تمويل إرهاب، وأوجب القانون على موظفي الوحدة الالتزام بسرية المعلومات التي يحصلون عليها ضمن نطاق أداء واجباتهم، حتى بعد توقفهم عن أداء تلك الواجبات داخل الوحدة، وألا يتم استخدام تلك المعلومات إلا للأغراض المنصوص عليها في هذا القانون.

واعطى القانون لهذه الوحدة صلاحية الحصول من أي شخص خاضع لالتزام الإبلاغ عن العمليات المشبوهة، على أية معلومات إضافية ترى أنها ضرورية لأداء مهامها بحيث يتم تقديم المعلومات المطلوبة خلال المدة الزمنية التي تقررها الوحدة، كما ان لها الحق في الحصول على أي معلومات ترى أنها ضرورية لأداء مهامها من الجهات المختصة وأجهزة الدولة.

العقوبة:

وفي مجال العقوبات، فقد تراوحت مدد العقوبة في التشريع الكويتي ما بين عشر سنوات إلى خمسة عشر سنة، حيث نص القانون على عقوبة الحبس مدة لا تجاوز عشر سنوات وبغرامة لا تقل عن نصف قيمة الأموال محل الجريمة ولا تجاوز كامل قيمتها، كل من ارتكب إحدى جرائم غسل الأموال، إذا كان قد علم بأن تلك الأموال والأدوات متحصلة من الجريمة، كما شدد العقوبة إلى خمسة عشر عاماً إذا إرتبطت جريمة غسل الاموال بإحدى جرائم تمويل الإرهاب وتمويل المنظمات الإرهابية.

وفي ذات السياق، فقد أخذ المشرع الكويتي بمبدأ الإعفاء من العقاب عند التبليغ بمعلومات إلى الشرطة أو النيابة العامة أو المحكمة المختصة بمعلومات لم تكن تستطيع الحصول عليها بطريق آخر، وذلك لمساعدتها في القيام بمنع ارتكاب جريمة غسل أموال أو تمويل إرهاب، أو تمكين السلطات من القبض على مرتكبي الجريمة الآخرين أو ملاحقتهم قضائيًّا، او تجريد المنظمة الإرهابية أو الجماعات الإجرامية من أي أموال لا يكون للمتهم حق فيها أو سيطرة عليها.

مكافحة غسل الأموال في التشريع الأردني:

أقر البرلمان الأردني قانون مكافحة غسيل الاموال في عام 2007 والذي أنشئت بموجبه اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال، ووحدة مكافحة غسل الأموال، و بموجب هذا القانون تم تعريف غسل الأموال بانه كل فعل ينطوي على اكتساب أموال أو حيازتها أو التصرف فيها أو نقلها اوادارتها أو حفظها أو استبدالها أو ايداعها أو استثمارها أو التلاعب في قيمتها أو حركتها أو تحويلها أو أي فعل يؤدي إلى اخفاء او تمويه مصدرها أو الطبيعة الحقيقية لها أو مكانها أو كيفية التصرف بها أو ملكيتها أو الحقوق المتعلقة بها مع العلم بأنها متحصلة من جريمة، كما عرف القانون العمليات المشبوهة بأنها أي عملية يعتقد ولاسباب مبررة أنها تتعلق بمتحصلات احدى الجرائم التي نص عليها قانون مكافحة غسل الأموال.

ويختلف التشريع الأردني عن التشريعات العربية الأخرى في أنه قصر تعريف المال المغسول على المال المتولد عن جريمة يكون معاقبا عليها بعقوبة الجناية بمقتضى التشريعات النافذة في مملكة الأردن، ولم يتوسع في ضم الاموال المتولدة عن جرائم الجنح، كما شمل قانون غسل الأموال الجرائم التي تنص اتفاقيات دولية تكون المملكة طرفا فيها على اعتبار متحصلاتها محلا لجريمة غسل الاموال شريطة ان يكون معاقبا عليها في القانون الاردني.

كما إمتاز القانون الأردني بالنص على حق وحدة مكافحة جرائم غسل الاموال في نشر احصائيات دورية عن عدد العمليات المشبوهة التي تم تلقيها وعن عدد احكام الادانة الصادرة والممتلكات المصادرة المجمدة والمساعدات القانونية المتبادلة.

وفي سبيل تقنين أوضاع المال المستخدم في العمليات التجارية وما شابهها فقد ألزم المشرع الأردني الجهات الخاضعة لاحكام قانون مكافحة غسل الأموال ببذل العناية الواجبة للتعرف على هوية العميل واوضاعه القانونية ونشاطه والمستفيد الحقيقي من العلاقة القائمة بينها وبين العميل والمتابعة المتواصلة للعمليات التي تتم في اطار علاقة مستمرة مع عملائها، و عدم التعامل مع الاشخاص مجهولي الهوية او ذوي الاسماء الصورية او الوهمية او مع البنوك الوهمية، واخطار الوحدة فورا عن العمليات المشبوهة سواء تمت هذه العمليات ام لم تتم.

وقد نص التشريع الأردني على عدد من العقوبات للجرائم المرتبطة بعمليات غسيل الاموال، حيث نص على عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة مدة لا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن عشرة الاف دينار ولا تزيد على مليون دينار كل من ارتكب جريمة من جرائم غسل الاموال، كما عاقب الشريك والمتدخل والمحرض بالعقوبة ذاتها المقررة للفاعل الاصلي في هذه الجرائم، وبالاضافة الى العقوبة المقررة فإنه يحكم في جميع الأحوال بالمصادرة العينية للمتحصلات أو اموال تعادلها في القيمة في حال تعذر ضبطها أو التنفيذ عليها أو في حال التصرف فيها الى الغير حسن النية، كما اجاز القانون الأردني الأمر بالحجز التحفظي على الأموال التي يشتبه تولدها عن عمليات غسيل أموال ونص القانون على وقف جميع الاجراءات والمعاملات الجارية على ذلك المال.

مكافحة غسل الأموال في التشريع السوداني:

حدد المشرع السوداني الجرائم التي يعتبر المال الناتج عنها مالاً غير مشروع ومنها الاموال المتحصلة او المستخدمة في تمويل جرائم الإرهاب، وكذلك الاموال المتحصلة من جرائم جنائية مثل الإتجار بالمخدرات والدعارة وتزوير السندات المالية وغيرها من جرائم الاعتداء على المال العام.

وبموجب قانون مكافحة غسل الاموال السوداني فقد تم إنشاء جهات الرقابة والإشراف وسلطاتها التي أناط بها المشرع بالرقابة على أنشطة المؤسسات المالية والمؤسسات غير المالية التابعة لها أو التي تقع في نطاق اختصاصها والإشراف عليها، وأجاز لها أيضاً تطوير إجراءات التفتيش ووسائل ومعايير متابعة التزام المؤسسات المالية والمؤسسات غير المالية بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتحقق من وفاء المؤسسات المالية و المؤسسات غير المالية التي تخضع لإشرافها أو رقابتها بالالتزامات المقررة، بالإضافة إلى التعاون وتبادل المعلومات مع الجهات المختصة والجهات الأجنبية النظيرة المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ونص المشرع السوداني في نصوص خاصة على تجريم عمليات التحويل الإلكتروني المرتبطة بمصادر غير مشروعة، وأوجب على المؤسسات المالية التي تزاول عمليات التحويل الإلكتروني أن تحصل على معلومات أساسية عن طالب التحويل والمستفيد منه والتأكد من أن هذه المعلومات تبقى ضمن أوامر التحويل أو الرسائل ذات الصلة من خلال سلسلة الدفع، كما حظر على المؤسسات المالية المنشئة للتحويل الإلكتروني تنفيذ هذا التحويل إذا تعذر عليها الحصول على هذه المعلومات الأساسية.

وفي سبيل تفعيل نصوص القانون فقد أنشأ التشريع السوداني وحدة خاصة بإسم وحدة المعلومات المالية للتحقق من مشروعية مصادر الأموال التي تتعامل فيها المؤسسات المالية غير المالية وغتخاذ الإجراءات الخاصة بالكشف عن جرائم غسل الاموال وإحالتها للجهات القضائية المختصة، بالإضافة إلى حق إتخاذ التدابير الوقتية اللازمة لمنع تهريب الأموال المشتبه في تحصلها نتيجة عمليات غير مشروعة.

ولم تختلف العقوبات في التشريع السوداني عن بقية التشريعات العربية الاخرى، حيث نص على توصيف جريمة غسل الاموال بأنها تحويل الاموال المتحصلة من جرائم أو نقلها أو استبدالها بغرض إخفاء أو تمويه مصدرها غير المشروع أو بغرض مساعدة أي شخص يشترك في ارتكاب الجريمة الأصلية التي نتجت عنها الأموال أو المتحصلات، من الإفلات من المساءلة القانونية، إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للأموال أو المتحصلات أو مصدرها أو مكانها أو كيفية التصرف فيها أو حركتها أو ملكيتها أو الحقوق المتعلقة بها.

ونص القانون السوداني على عقوبة السجن التي لا تقل عن خمس سنوات وعقوبة الغرامة التي تساوي ضعف المال المتحصل من جريمة غسل الأموال لمرتكبي جرائم غسل الاموال، بالإضافة إلى عقوبة مصادرة المال الذي يثبت نشاته عن مصدر غير مشروع.

مكافحة غسل الأموال في التشريع المغربي:

حدد المشرع المغربي عدد من الجرائم التي يعتبر المال الناتج عنها مالاً غير مشروع ومنها الاتجار في المخدرات والمؤثرات العقلية، والمتاجرة بالبشر، وتهريب المهاجرين، والاتجار غير المشروع في الأسلحة والذخيرة، والرشوة والغدر واستغلال النفوذ واختلاس الأموال العامة والخاصة، والجرائم الإرهابية، وتزوير النقود وسندات القروض.

وبموجب قانون مكافحة غسل الأموال المغربي فقد تم إنشاء وحدة معالجة المعلومات المالية التي أناط بها المشرع تحقيق مصادر الأموال المشتبه فيها، واجاز لها الإعتراض على تنفيذ
أي عملية مالية يشتبه في إرتباطها بجريمة غسل أموال، وأجاز لها أيضاً جمع ومعالجة المعلومات المرتبطة بغسل الأموال واتخاذ القرار بشأن مآل القضايا المعروضة عليها، وإجراء التحريات عن الأشخاص الطبيعية والمعنوية الخاضعة لقانون مكافحة غسل الأموال.

غير أن القانون المغربي أجاز الطعن على قرارات هذه الوحدة أمام المحكمة الإدارية المختصة، وكذلك إمتاز القانون المغربي بالنص على عدم جواز الرجوع بتهمة البلاغ الكاذب ضد كل من قدم بلاغ عن إشتباه بوجود عملية غسل أموال، وكذلك حظر الرجوع بدعوى التعويض عن الأضرار التي قد تقع نتيجة إتخاذ التدابير المتعلقة بحجز الأموال والتي يتم إيقاعها بناء على أحكام قانون مكافحة غسل الاموال.

ولم تختلف العقوبات في التشريع المغربي عن بقية التشريعات العربية الاخرى، حيث نص على عقوبة السجن وعقوبة الغرامة لمرتكبي جرائم غسل الاموال، بالإضافة إلى عقوبة مصادرة المال الذي يثبت نشاته عن مصدر غير مشروع.