سرية الجلسة او علانيتها في ضوء احكام القانون المصري

سرية الجلسة او علانيتها في ضوء احكام القانون المصري

لا شك أن المجلس الأعلى للقضاء سبق له وأن أصدر قراره بحظر نقل أو بث أو إذاعة وقائع المحاكمات في كل مراحل التحقيق أو المحاكمة بما من شأنه أن يخل بهيبة أو مقام أي من القضاء أو رجال النيابة العامة أوالتأثير فيهم أو في الشهود أو الرأي العام، الأمر الذى أثار معه وقتها شبهة حول عدم دستوريته.

فى التقرير التالى سوف نرصد إشكالية علانية الجلسات وحظر نقلها أو بث أو إذاعة وقائع المحاكمات في كل مراحل التحقيق أو المحاكمة من الناحية القانونية وما يجب أن يكون علنياَ من عدمه وشروط والآثار المترتبة على تلك العلانية أيضاَ من عدمها – وفقا للخبير القانونى والمحامى محمد الصادق.

علانية الجلسات تجسيد لديمقراطية القضاء: وهي العلانية التي تحرص الدول الديمقراطية على النص عليها في دساتيرها وقوانينها، تجسيداً للمبدأ الديمقراطي في الرقابة الشعبية على السلطات كافة، ومنها السلطة القضائية، فالمداولة في الأحكام وإن كانت تتم في كُنٍّ مستور، إلا أن النطق بها يجب أن يكون في جلسات علنية – بحسب «الصادق».

وأن المحاكمات التي تصدر فيها هذه الأحكام يجب، كأصل عام، أن تكون تحت سمع وبصر الرأي العام، وأن يسمح لمن يرغب من الأفراد في حضور المحاكمة ومتابعة ما يدور فيها، بما يخلق رأياً عاماً قادراً على بسط حمايته على العدالة ورقابته لكيفية سيرها والتزام القضاة بالحياد والنزاهة في إدارتهم للجلسات وسماعهم للمرافعات.

وقد حرصت على هذه العلانية دساتير مصر المتعاقبة، منها على سبيل المثال لا الحصر دستور سنة 1971 الذي ينص في المادة «169» على أن: «جلسات المحاكم علنية إلا إذا قررت المحكمة جعلها سرية مراعاة للنظام العام أو الآداب، وفي جميع الأحوال يكون النطق بالحكم في جلسة علنية» – الكلام لـ«الصادق».

والبادي من نص الدستور المصري، أنه لم يترك للقانون تحديد الحالات التي يصدر فيها الحكم بصفته سرية، بل حسم الأمر بأن قصر هذه الحالات على مراعاة النظام العام أو الآداب، وهو الأمر الذي تقدره المحكمة التي تتم أمامها المحاكمة أو المعروض عليها النزاع، إلا أن بعض الدساتير تقتصر على ترديد الأصل العام وهو علانية الجلسات، وتترك للقوانين تحديد الأحوال الاستثنائية التي تجري فيه المحاكمة في جلسة سرية ومنها دستور الكويت الذي ينص في المادة «165» على أن: «جلسات المحاكم علنية إلا في الأحوال الاستثنائية التي يبينها القانون».

والأصل في الجلسات العلانية ولكن القانون جعل للمحكمة حق عقد جلسة سرية خلال المحاكمة، وذلك بناءا علي المادة 268 من قانون الإجراءات الجنائية التي منحت المحكمة حق عقد جلسات القضية أو بعضها سرية، ومنحها كذلك الحق في منع فئة معينة من حضورها حسبما تقتضي الظروف العامة والنظام، حيث أن المحكمة تتخذ قرارها بجعل الجلسة سرية في حال سماع أقوال شاهد ذي شخصية أو منصب عام رفيع بالبلاد، حفاظا على حياته وضمانا لعدم تعرضه للخطر، وفي أحيانا أخري يكون الهدف من القرار الحفاظ علي سرية المعلومات التي يقولها الشاهد أو الدفاع أو غيرها من الأمر الخاصة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر محاكمة مبارك شهدت انعقاد عدة جلسات بشكل سري وحظر النشر فيها خلال سماع شهادة المشير حسين طنطاوي وزير الدفاع الأسبق، بإعتبار أنه في القضايا المهمة خاصة قضايا الإرهاب التي تقدم فيها نيابة أمن الدولة العليا المتهمين للمحاكمة باتهامات تتعلق بأمن البلاد، يمكن للقاضي عقدها في جلسة سرية.

الجلسات السرية أحياناَ قد تكون جزئية أو كلية وتقتصر في مجمل الأحيان على الجلسات المخصصة لسماع الشهود في قضايا كبرى، تتعلق بأمن الدولة أو الأمن القومي للبلاد، غير أن السرية هنا لا تنطبق على المحامين من المدافعين عن المتهمين، وتقتصر على الجمهور فقط من باقي الجمهور.

كما أن المادة 268 من قانون الإجراءات الجنائية جعلت سببين اثنين أولهما، مراعاة النظام العام، وثانيهما، المحافظة علي الآداب، لافتا إلى غموض مصطلح النظام العام والآداب حيث يعرفه فقهاء القانون على أنه مجموعة من الأسس السياسية أو الاقتصادية وخلافه، تقوم عليها نظام دولة، كما أن لفظ الآداب هو الآخر كفل للمحكمة حرية قرارها دون أن يضع المشرع أساسيات تلك الآداب.

كما أن المادة 34 من قانون الأحداث حددت نطاق من يسمح لهم بحضور محاكمة الحدث ولم ينص على جعل الجلسات سرية بإطلاقها، كما أن المحكمة ليست ملزمة بإجابة طلب الخصوم جعل الجلسة سرية إذا لم تر محلا لذلك ولا يترتب على رفضها هذا الطلب حرمان المتهم من تقديم البيانات التي يحتاجها.

ويعد حظر النشر لجلسات المحاكمة إجراءا وجوبيا تابع لسرية جلسات المحاكمة، ولكن حظر النشر المترتب علي السرية يعد استثناءا علي الأصل فيجب ألا يتم التوسع فيه، وبذلك فانه لا يرد إلا علي الإجراءات التي تتخذ بعد صدور قرار المحكمة بجعل الجلسات سرية ، لذلك فقد نص قانون العقوبات المصري في المادة 189 علي : «الحظر لا يشمل موضوع الشكوى أو نشر الحكم».

وعن المحاكمات التي تعد سرية بموجب القانون يقول رفعت، نص قانون الإجراءات الجنائية المصري في المادة «352» منه على إن جلسات محاكم الأحداث تعقد في غرفة المشورة ولا يجوز إن يحضر المحاكمة سوى أقارب المتهم ومندوبي وزارة الشؤون الاجتماعية والجمعيات الخيرية المشتغلة بشؤون الأحداث .

كما نصت المادة «31» من القانون رقم 31 لسنة 1974 ا بشأن الأحداث على انه لا يجوز إن يحضر محاكمة الحدث إلا أقاربه والشهود والمحامون والمراقبون الاجتماعيون ومن تجيز له المحكمة الحضور بأذن خاص، ونصت المادة «126» من قانون الطفل المصري رقم 12 لسنة 1996 على انه: «لا يجوز إن يحضر محاكمة الأحداث إلا أقاربه والشهود والمحامون والمراقبون الاجتماعيون، ومن تجيز لهم المحكمة الحضور بأذن خاص».

العلنية في الإسلام: ولقد حرص القضاء في صدر الإسلام على هذه العلانية في قضائهم فاتخذوا من المسجد مجلساً للقضاء لأنه مكان لا يمنع عنه أحد، وفيه كان يقضي رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، كما كان يقضي فيه الخلفاء الراشدون، وكان سيدنا علي ابن أبي طالب يقضي في السوق.

وقد أنكر سيدنا عمر بن الخطاب على أبي موسى الأشعري وعلى سعد بن أبي وقاص اتخاذهما دارهما مجلساً للقضاء لما يترتب على ذلك من احتجاب الناس عن حضور هذا المجلس، فامتثل كلاهما لأمر الخليفة.

وعندما كان بعض القضاة- بعد ذلك- يعقدون مجلس القضاء في دارهم حرصوا على أن يتخذوا له مجلساً يطل على الطريق وأمام باب للدار، حتى يتاح لكل من يرغب من الناس في حضور المجلس.

سرية الجلسات

سرية الجلسات: بيّنا فيما تقدم أن علانية الجلسات هي الأصل العام في الدساتير كافة، وأن تقرير سرية الجلسات، هو استثناء من أصل عام، وهو أمر تقدره المحكمة التي تنظر النزاع أو تجري أمامها المحاكمة، مراعاة للنظام العام أو الآداب في بعض الدساتير، أو في الأحوال الاستثنائية التي يبينها القانون في دساتير أخرى، وهو أحوال لا تخرج عن مراعاة النظام العام أو الآداب، مثل المحاكمات في جرائم العرض أو محاكمات الأحداث، أو في المحاكمات التي قد يترتب على العلنية فيها إفشاء أسرار عسكرية – هكذا يقول «الصادق».

وقد كان العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر من الأمم المتحدة بتاريخ 16 ديسمبر سنة 1966 مفصلاً للأحكام المتعلقة بجواز عقد الجلسات بصفة سرية، حيث أضاف إلى اعتبارات النظام العام والآداب، الأمن القومي ومقتضيات الضرورة ومصلحة العدالة فيما نصت عليه المادة «10» من هذا العهد من أنه “يجوز منع الصحافة والجمهور من حضور المحاكمة كلها أو بعضها مراعاة لاعتبارات الآداب العامة أو النظام العام أو الأمن القومي في مجتمع ديمقراطي أو عندما توجب ذلك مصلحة حماية أرواح الفرقاء في الدعوى، أو لمقتضيات الضرورة البحتة، حسب رأي المحكمة، في الظروف الخاصة التي تؤدي العلنية فيها إلى الإخلال بمصلحة العدالة.

علو المكانة الاجتماعية للخصوم: إلا أن علو المكانة الاجتماعية لأحد الخصمين أو لأحد الشهود لا يمكن أن يكون سبباً لعقد جلسة المحاكمة بصفة سرية، تحقيقا لمبدأ المساواة أمام القانون وأمام القضاء.

وقد رفض القاضي يحيى ابن أكثم أن يقضي بين الخليفة المأمون وخصم له في دار الخلافة، عندما أمره الخليفة بذلك، إلا بعد أن فتح الباب للعامة ونادى المنادي في الناس لمجلس القضاء، ثم قضى بين الخليفة وخصمه في علانية.

وأساس ذلك أن علو المكانة الاجتماعية يأتي معها التشديد في العقوبة، لا التخفيف منها، كما كان يحدث أيام الجاهلية، مصداقاً لقول الرسول «صلى الله عليه وسلم»، «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».

ويقول المولى عز وجل “يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا”… صدق الله العظيم. وجوب صدور الحكم في جلسة علنية: والنص في الدستور المصري على صدور الحكم في جلسة علنية في جميع الأحوال، لا يعني ترك التقدير للقاضي في أن يصدر أحكامه وراء جدران مغلقة، مهما كانت الأسباب والدوافع، بعد أن أسدل الحكم الستار على مراحل الدعوى كافة من تحقيق ومحاكمة، بما لا يجوز معه أن يكون النظام العام أو الآداب عائقاً دون صدور الحكم في جلسة علنية.

ولو كانت الدعوى قد نظرت في كل مراحلها أو بعضها في جلسة سرية، لما ينطوي عليه صدور الأحكام في جلسات سرية من إهدار لمبدأ ديمقراطية القضاء، وللرقابة الشعبية التي يمارسها الرأي العام على أعمال السلطة القضائية، فضلا عن أن ذلك يفوِّت إحدى وظيفتين للعقوبة وهي تحقيق الردع العام، وقاية للمجتمع من تكرار ارتكاب الفعل المعاقب عليه بما تحققه العلنية من ردع عام، إلى جانب الردع الخاص الذي توقعه العقوبة بالجاني.

وأيا كانت الدوافع والبواعث النبيلة وراء قرارات الجهات المختصة بحظر نقل أو بث أو إذاعة وقائع المحاكمات، وقبل أن نتطرق إلى أهداف هذا القرار، فإن السؤال المطروح هو هل يلزم هذا القرار القاضي، وألا يتعارض هذا الإلزام مع استقلال القضاء؟

«الصادق» تحدث عن بعض الشروط والمهام الواجب توافرها فى مسألة علانية الجلسات من عدمها من الناحية القانونية والعملية بعيداَ عن الأمور الأكاديمية. كالتالى:

1- الأصل العام فى الجلسات يجب أن تكون علنية، إلا أن هذا الأمر لا يمنع من عقدها سرية، وذلك إما أن يكون بحكم القانون نفسه مثل «قضايا الأحداث والأسرة»، أو تبعاَ لتقدير المحكمة إذا إرتأت فى العلنية اخلالاَ بالنظام العام أو الأداب.

2- سواء كانت جلسات المحاكمة علنية أم سرية فى جميع الأحوال النطق بالحكم يجب أن يكون فى جلسة علنية، ويجب أيضاَ أن يتضمن الحكم ما يفيد أنه تُلى بجلسة علنية وإلا كان باطلاَ.

3- لو أن الأصل فى المحاكمة أنها فى جلسات سرية طبقاَ للقانون والمحكمة نظرتها فى جلسات علنية، فإن المحاكمة تكون باطلة.

4- لو الأصل فى المحاكمة أنها علنية والمحكمة نظرت جلساتها فى جلسة سرية «دون مسوغ» المحاكمة تكون باطلة.

5- لو المحكمة قررت نظر الدعوى فى جلسات سرية – خلافاَ للأصل – فيجب أن يصدر القرار بإجماع الأعضاء وإلا كان باطلاَ.

6- فى الوقت الذى تقرر فيه المحكمة عودة نظر الدعوى فى جلسات علنية، فيجب أن يكون ذلك بإجماع الأعضاء، وكذلك لا يلزمه تسبيب، لأنه عودة إلى الأصل.

7- من الضرورى على المحكمة تسبيب قرارها بنظر الدعوى فى جلسة سرية – خلافاَ للأصل – إلا أن التسبيبل فى هذه الحالة ليس من الضرورى أن يكون مفصلاَ، بل يكفى ذكر أنها رأت أن نظر الدعوى فى جلسة علنية فيه اخلالا بالنظام العام أو الآداب.

8- المحامى يجوز له أن يقدم طلب للمحكمة لنظر الدعوى بجلسة سرية، غير أن المحكمة غير ملزمة بالإستجابة له، بينما هناك رأبياَ أخر يقول أن المحكمة غير ملزمة أصلاَ بتسبيب رفضها لطلب المحامى، لأن الطلب نفسه مخالف للأصل العام وهو علنية الجلسات.

9- لو أردت تطعن في المحاكمة أنها كانت سرية خلافا للقانون، فإثبات السرية هنا يعود لمحاضر الجلسات، للتأكد من تدوين قرار أن الجلسة سرية أم علنية، أما إذا كان محضر الجلسة مخالف للواقع، فليس هناك أمامك حل غير الطعن بالتزوير، وهذا الأمر موضوع إثباته صعب للغاية ومرهق.

10- سواء نظرت الدعوى فى جلسة علنية أم سرية، فهذا لا يمنع أبداَ أطراف الدعوى من الحضور، وبالخصوص محاميهم، مع عدم الإخلال بحق المحكمة فى ابعاد المتهم عن الجلسة إذا ما حصل منه تشويش يخل بنظام الجلسة، وتلتزم المحكمة بإخباره بما تم فى غيابه، وفى جميع الأحوال لا يجوز إبعاد محاميه عن قاعة الجلسة.

11- لا يعتبر إخلالاَ بمبدأ العلانية أن يتم نظر الدعوى فى غير أبنية المحاكم «مثل معهد أمناء الشرطة» لأن شرط العلنية متوافر طالما الجمهور مسموح له بحضور الجلسات.

12- لا يخل كذلك بمبدأ العلنية أن يكون حضور الجمهور بتذاكر أو تصاريح « مثل عدد من المحاكمات الحالية» طالما أن هذه التصاريح يتم توزيعها على الجمهور بغير تمييز.

13- لا يخل كذلك بمبدأ العلانية، منع فئة معينة من حضور الجلسات، إذا ما إرتأت المحكمة ضرورة ذلك، مثل النساء من أهل المجنى عليه فى قضايا القتل أو مثل فئة الصحفيين.

14- فكرة العلانية عموماَ تكون متوافره لو استطاع أياَ من آحاد الناس أن يغشى قاعة الجلسة ويستمع إلى المرافعات.

15-أخيراَ.. موضوع القفص الزجاجى لا يبطل المحاكمة، طالما ثابت أنه لا يحول بين المتهم وبين سماع ما يدور بالجلسة «وإن كنت لا أرى صحة هذا الرأى على الإطلاق».

اترك تعليقاً