فن التفاوض التعاقدي

 

1) مفهوم التفاوض التعاقدي
يرتكز مفهوم التفاوض على مبدأي حرية الإرادة وحرية التعاقد. ويعني ذلك أن كل طرف حر في أن يبحث شروط العقد وله أن يقبلها أو أن يرفضها. بيْد أنه إذا نشأ العقد، صار ملزما لطرفيه. ويتم العقد “بمجرد أن يتبادل طرفان التعبير عن إرادتين متطابقتين” (المادة 89 القانون المدني المصري). ويتمثل ذلك في وجود إيجاب (عرض) وقبول مطابق لذلك الإيجاب. وكقاعدة عامة في التفاوض، لا يعتبر الطرفان ملزمين بالاستمرار في التفاوض حتى ينشأ العقد بينهما، لأن كل طرف حر في الدخول في العقد أو عدم الدخول فيه.
ويُعرّف التفاوض التعاقدي بأنه عملية تقديم المقترحات والنظر فيها لحين تقديم عرض مقبول من أحد الطرفين وقبوله من قبل الطرف الآخر. ومن ثم، يُقصد بالتفاوض التعاقدي كل اتصال بين طرفين أو أكثر (سواء كان شفويا أو كتابيا أو بوسيلة إلكترونية أو غير ذلك من الوسائل) بقصد التوصل إلى أفضل شروط تعاقدية تحقق مصالح الأطراف وتحدد حقوق والتزامات كل منهم.
ووفقا لهذا التعريف، يتسع مفهوم التفاوض التعاقدي ليشمل ما يلي:
1. المقترحات الأولية التي يبديها أحد الطرفين وإن لم تصل إلى حد الإيجاب الكامل سواء أكانت شفهية أم مكتوبة.
2. دراسات الجدوى والدراسات التفصيلية
3. المحادثات التليفونية والمراسلات (الخطابات، الفاكسات، التلكسات، إلخ.)
4. خطابات النوايا letters of intent
5. الإطار العام للعقد Heads of agreement
6. خطابات التفاهم letters of understanding
7. الدعوة إلى المناقصة invitation to tender
8. الخطابات المرافقة للوثائق covering letters
9. محاضر الاجتماعات minutes of meetings
10. أية وثائق يقترحها الأطراف.

2) أثر الوثائق والاتفاقات السابقة للتعاقد
تعتبر الوثائق والاتفاقات السابقة للتعاقد مرجعا مهما في تفسير العقد. وتنص المادة 150-1 من القانون المدني المصري على أنه “… إذا كان هناك محل لتفسير العقد، فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ، مع الاستهداء في ذلك بطبيعة التعامل وبما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين، وفقا للعرف الجاري في المعاملات”.
وفي الدول التي تأخذ بنظام التقنين المدني، يمكن بصفة عامة اللجوء إلى الوثائق والاتفاقات التي تسبق التعاقد لتفسير بنود العقد في حالة نشوب نزاع بين أطرافه. وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن “لمحكمة الموضوع السلطة في تعريف حقيقة العقد المتنازع عليه واستظهار مدلوله مما تضمنته عباراته على ضوء الظروف التي أحاطت بتحريره وما يكون قد سبقه أو عاصره من اتفاقات عن موضوع التعاقد ذاته (الطعن رقم 478، سنة 26 ق، جلسة 24/5/1962).
وبينما يُنظر إلى هذه الوثائق، في معظم الدول التي تطبق نظام التقنين المدني، على أنها وسائل مساعدة لتفسير شروط العقد النهائي، قد لا يكون لها أي أثر في القانون الإنجليزي والقوانين المماثلة ما لم ينص العقد على غير ذلك. ولذلك، من الأفضل تسوية هذه المسألة في العقد النهائي عن طريق توضيح ما إذا كانت هذه الوثائق تشكل جزءا من العقد النهائي ويمكن استخدامها لتفسيره، أم لا. وإذا أراد أطراف العقد تجريد هذه الوثائق من أي أثر قانوني بعد توقيع العقد النهائي، فإن عليهم أن يجعلوا عقدهم شاملا لكل ما اتفقوا عليه.
ولتحقيق ذلك، يجب إدراج بند في العقدتحت عنوان “شمول العقد لكل الاتفاق”entire agreement. وينص هذا البند، بصفة عامة، على أن العقد يحتوى على كل التفاهم بين أطرافه، ويلغي ويحل محل كل الاتفاقات والتفاهمات والتبليغات والمراسلات السابقة سواء كانت شفوية أو مكتوبة.
بيْد أنه في بعض الأحيان يشير العقد بطريق الإحالة إلى وثيقة ما أو تفاهم حدث في مرحلة ما قبل التعاقد. وفي هذه الحالة، يجب قبل الدخول في العقد دراسة تلك الوثيقة أو التفاهم جيدا وإرفاق صورة منها بالعقد.

3) مبدأ حسن النية وأمانة التعامل
من القواعد القانونية المستقرة في الدول التي تطبق نظام التقنين المدني أن “الغش يفسد كل ما يقوم عليه”. وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن “الغش وحده يفسد الرضا…” (الطعن 87 لسنة 2 ق، جلسة 18/5/1933).
ويرتبط مبدأ حسن النية ارتباطا وثيقا بالأخلاق، وهو ما أدى إلى ظهور مبدأ “الغش يفسد كل ما يقوم عليه”. ويُعبّر عن هذا المبدأ من خلال نوعين من الواجبات؛ أحدهما سلبي ويفرض عدم غش أو خداع المتعاقد الأخر أو استغلال ضعفه، والثاني، إيجابي ويُلزم كل طرف بتقديم المعلومات الضرورية حتى يكون رضاء الطرف الآخر قائماً على أساس واضح وسليم.
وقد أصبح مبدأ حسن النية يشمل الالتزام بالجدية في إجراء المفاوضات، وبالنزاهة والصدق fairness and correctors وبالإفصاح عن المعلوماتduty to disclose.ومثال للالتزام بالجدية في إجراء المفاوضات أنه إذا رفض أحد الأطراف مقترحات معقولة وقدم بدلا منها مقترحات غير معقولة لتضييع الوقت، يعتبر في حكم نظام التقنين المدني مخالفا لمبدأ حسن النية. وكذلك إذا تفاوض طرف ما وهو يعلم عدم قدرته على تنفيذ العقد، اعتبر مخالفا لمبدأ حسن النية. ومثال للالتزام بالنزاهة والصدق أنه لا يجوز أن ينسحب أحد الأطراف فجأة من المفاوضات بعد أن أوشكت على الانتهاء.
وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن “المفاوضة ليست إلا عملا ماديا لا يترتب عليها بذاتها أي أثر قانوني فكل متفاوض حُر في قطع المفاوضة في الوقت الذي يريد دون أن يتعرض لأية مسئولية أو يطالب ببيان تتحقق معه المسئولية التقصيرية إذا نتج عنه ضرر بالطرف الآخر المتفاوض، وعبء إثبات الخطأ وهذا الضرر يقع على عاتق ذلك الطرف، ومن ثم فلا يجوز اعتبار مجرد العدول عن إتمام المفاوضة في ذاته هو المكون لعنصر الخطأ أو الدليل على توافره بل يجب أن يثبت الخطأ من وقائع أخرى اقترنت بهذا العدول ويتوافر بها عنصر الخطأ اللازم لقيام المسئولية التقصيرية” (الطعن رقم 167، سنة 33 ق، جلسة 9/2/1967).
وبموجب المادة (1-7) من مبادئ اليونيدروا، يقع على كل طرف متعاقد التزام بأن يتصرف وفقا لما يقتضيه حسن النية وأمانة التعامل في التجارة الدولية، ولا يجوز للأطراف استبعاد هذا الالتزام أو تقييده.
وكقاعدة عامة، لا تقتصر حرية الأطراف على تحديد متي يتم الدخول في المفاوضات ومع من يجرى التفاوض بهدف إبرام العقد فحسب بل تمتد كذلك إلى كيف، ولأية مدة، تستمر جهودهم في التوصل إلى اتفاق. ولكن، يجب ألا تتعارض هذه الحرية مع مبدأ حسن النية وأمانة التعامل. ومثال على التفاوض بسوء نية، دخول أحد الأطراف في تفاوض أو استمراره فيه دون أن تتوافر لديه نية عقد الاتفاق مع الطرف الآخر، وقيام أحد الأطراف، عن عمد أو عن إهمال، بتضليل الطرف الآخر في شأن طبيعة أو شروط العقد المقترح، سواء بطرح وقائع بصورة غير صحيحة أو بعدم الإفصاح عن وقائع كان واجبا الإفصاح عنها، نظرا لطبيعة الأطراف أو العقد (المادة 2-15).
وتقتصر مسئولية أي من الأطراف عن التفاوض بسوء نية على ما يلحق الطرف الآخر من خسائر. وبعبارة أخرى يجوز للطرف الدائن أن يسترد المصروفات التي تحملها في أثناء المفاوضات بالإضافة إلى التعويض عن الأضرار الناجمة عن ضياع فرصة تعاقد آخر كان سيبرمه الدائن مع آخرين (وهو ما يسمي “بمصلحة الارتكان” reliance interest أو المصلحة السلبية)، لكن لا يجوز للدائن بصفة عامة أن يسترد الأرباح التي كانت ستجني لو أن العقد الأصلي كان قد أبرم (وهو ما يسمي “بمصلحة التوقع” expectation interest أو المصلحة الإيجابية).
ويخضع الحق في قطع المفاوضات أيضا لمبدأ حسن النية وأمانة التعامل. فإذا تم التقدم بإيجاب فلا يجوز الرجوع عنه إلا إذا كان الإيجاب غير قابل للإلغاء. وكذلك فإنه حتى قبل الوصول إلى هذه المرحلة، أو في عملية تفاوض يصعب فيها تحديد توالي الإيجاب والقبول، قد لا يكون لأي طرف أن يوقف المفاوضات بصورة مفاجئة ودون مبرر. ويتوقف تحديد اللحظة التي لا رجعة بعدها على ظروف الحال، وبوجه خاص، أسباب الطرف الآخر في التعويل على نتيجة إيجابية للمفاوض نتيجة لمسلك الطرف الأول، وعلي عدد الموضوعات المرتبطة بالعقد المزمع إبرامه والتي سبق أن توصل الطرفان إلى الاتفاق عليها.
ويعترف القانون الأمريكي بمذهب حسن النية. وتنص المادة 1-203 من القانون التجاري الأمريكي الموحد علي أن “كل عقد أو واجب في إطار هذا القانون يفرض التزاما بحسن النية في تنفيذه أو إنفاذه”. وتُعِّرف المادة 1-201 حسن النية بأنه”الأمانة الحقيقية في السلوك المعني أو المعاملة المعنية”.
وعلى عكس مختلف النظم القانونية في العالم، لا يعترف القانون الإنجليزي بأي مبدأ عام يلزم أطراف العقد بممارسة حقوقهم التعاقدية “بموجب حسن النية” in good faith.
ويمكن التعرف علي العداء التقليدي الذي تنتهجه المحاكم الإنجليزية تجاه مبدأ حسن النية من قرار مجلس اللوردات في قضية “والفورد ضد مايلز” لسنة 1992 Walford v. Miles. وفي هذه القضية رفض “اللورد كيث” الأخذ بوجود التزام ضمني على أطراف العقد بالاستمرار في التفاوض بحسن نية علي أساس أن “واجب مواصلة إجراء المفاوضات بحسن نية يتنافى أساسا مع المواقف المتعارضة للأطراف المشتركة في المفاوضات” وأصر اللورد “كيث” علي أن كل طرف من حقه السعي إلى تحقيق مصالحه الذاتية ما دام قد تحاشي تضليل الطرف الآخر.

4) الواجبات التي يفرضها مبدأ حسن النية
يفرض مبدأ حسن النية على الطرفين مجموعة من الواجبات في أثناء مرحلة التفاوض، ويمكن تلخيص هذه الواجبات فيما يلي:
1. عدم إفشاء ما قد يدلي به أي طرف من معلومات في أثناء المفاوضات؛ وهو ما يعرف باسم الالتزام بضمان السرية.
2. الامتناع عن القيام بأي تصرف من شأنه إشاعة آمال كاذبة تبعث ثقة زائدة لدى الطرف الآخر في جدية المفاوضات.
3. عدم التفاوض لمجرد التسلية أو الدعاية أو استطلاع السوق دون نية حقيقية في التعاقد.
4. عدم قطع المفاوضات أو الانسحاب منها على نحو مفاجئ بصورة تعسفية خاصة عند اقتراب المفاوضات من مراحلها النهائية.
5. امتناع كل طرف عن إجراء مفاوضات موازية مع الغير بشأن الصفقة ذاتها دون علم الطرف الآخر وعلى نحو يضر به.
ومن الملاحظ أن كل هذه الواجبات لا تقتضي تدخلا إيجابيا وإنما تعتبر التزامات سلبية. وبعبارة أخرى، تقتصر هذه الواجبات على الامتناع عن القيام بعمل معين لكنها لا تشمل الالتزام بالقيام بعمل معين.

المستشار محمود محمد على صبرة