ماهية السند التنفيذي في القانون المصري والنظام السعودي – بحث مقارن

 

السند التنفيذي وما يتصل به
السند التنفيذي هو حجة لها قوة النفاذ الجبري _ ويختلف بالتالي عن سند الدين _ يمسكها الدائن ليعتمدها ضد مدينه إستيفاء لحقه منه جبرا. لسند التنفيذي في القانون المصري هو ورقة مكتوبة بشكل حدده قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري، وثابت بها التزام قانوني لمصلحة الدائن حاملها، هذا الالتزام يُراد تنفيذه جبرًا لامتناع المدين عن تنفيذه اختيارًا.[1] الغرض من السند التنفيذي هو الشروع في التنفيذ الجبري للالتزامات؛ أي إجبار المدين على تنفيذ التزاماته بالاستعانة بالسلطة التنفيذية بعد امتناعه عن التنفيذ طوعًا.[2] ومن هنا، لا يجوز التنفيذ الجبري إلا بسند تنفيذي ثابت به الالتزام المُراد تنفيذه جبرًا.[3]

لا يحتاج حامل السند التنفيذي إلى أية إجراءات إضافية لإثبات أنه صاحب الحق الثابت في السند؛ لأنه وجود السند في يد حامله عاملٍ كافٍ بحد ذاته لإثبات ذلك.[1] وقد حدد قانون المرافعات المصري الشكل والمضمون اللازم تواجدهما في أي سند تنفيذي، كما حدد الأوراق التي يُمكن اعتبارها سندًا تنفيذيًا؛ وبالتالي، لا تعتبر أية ورقة[ملحوظة 1] سندًا تنفيذيًا ما لم ينص قانون المرافعات المصري على اعتبارها كذلك.[1] ولا يجوز أن يكون السند التنفيذي شفويًا، بل اشترط القانون المصري فيه أن يكون مكتوبًا.[1] ويكون السند التنفيذي في عدة صور؛ هي: الأحكام القضائية، والأوامر، وأحكام المُحكّمين، والمُحررات المُوثّقة، والأوراق الأخرى التي يعطيها القانون صفة السندات التنفيذية.[4]

فكرة السند التنفيذي
تعتبر فكرة السند التنفيذي من أهم الأفكار التي يختص بها التنفيذ الجبري في القوانين المقارنة نظراً للدور الخطير الذي يلعبه في حماية الحقوق والمراكز القانونية حماية تنفيذية لأنه بدونه لا ينشأ الحق في التنفيذ ، وهذه الفكرة تهدف إلى التوفيق بين اعتبارين متعارضين :-
الاعتبار الأول : مصلحة الدائن في تنفيذ فوري وسريع لحقه ، فلا يترك أمر البدء في التنفيذ إلى تقدير القائم على أمر التنفيذ القضائي أو حتى أطرافه ، بل يتم البدء فيه بمجرد تقديم السند التنفيذي لموظفي التنفيذ ، حيث يعد دليلاً موضوعياً كافياً على وجود الحق الموضوعي المطلوب اقتضاؤه .
أما الاعتبار الثاني : فيهدف إلى تحقيق العدالة التي تقضي بالا يسمح بإجراء التنفيذ إلا لصاحب الحق الموضوعي ، وأن يسمح للمدين دائماً بالمنازعة في شرعية التنفيذ قبل بدئه ولا يسمح بالتنفيذ إلا إذا ثبت حق الدائن على وجه التأكيد.

فيجب ألا يوصد الباب أمام المدين في إثارته للمنازعات حول بقاء الحق من عدمه أو شرعيته فالسند التنفيذي وإن كان كافياً للدلالة على وجود الحق الموضوعي ، إلا أنه لا يقدم لنا يقيناً مطلقاً ونهائياً على بقاء ذلك الحق في ذمة المدين ، لأنه قد يتضح عدم وجود الحق بالرغم من وجود السند ، عندما يكون المدين قد قام بوفاء الحق المثبت في ذلك السند قبل تقديمه إلى جهة التنفيذ ، أو أن ذلك الحق قد مرت عليه المدة القانونية لسقوط الحق في المطالبة به ، فلا بد إذن من إعطاء المدين فرصة الاعتراض على التنفيذ عن طريق الفصل فيما يثيره من اعتراضات حتى يتم التأكد بصفة نهائية من وجود الحق محل السند التنفيذي .
ويتضح مما تقدم أنه لا تنفيذ بدون سند تنفيذي ، لأنه السبب المنشئ للحق في التنفيذ فهو كما قيل بحق أنه مفترض ضروري للتنفيذ

ماهية السند التنفيذي في القانون المقارن :
ينشأ الحق في التنفيذ الجبري بنوعيه سواء كان تنفيذاً مباشراً أو تنفيذاً بالحجز نتيجة لوجود سند مع الدائن يسمى بسند التنفيذ ، وجاءت فكرة السند التنفيذي كي تضمن وجود عمل قانوني يسمح للدائن في حالة وجود حق له بمباشرة إجراءات التنفيذ الجبري ، بحيث يكون هذا السند بمثابة تأكيد تام لوجود الحق الموضوعي أو أنه يقدم احتمالاً كبيراً لوجود هذا الحق ، ولا يزول أثر السند التنفيذي إلا إذا نجح المنفذ ضده في إثبات ما يدعيه من اعتراضات ويحصل على حكم قضائي نافذ بذلك .

التعريف بالسند التنفيذي :
لم يلق تعريف السند التنفيذي عناية الشراح الفرنسيين ، أما الشراح الألمان والإيطاليون فقدموا العديد من النظريات في تحديد طبيعة السند التنفيذي ، ويمكن ردها إلى اتجاهين أساسين الاتجاه الأول : يرى أن السند التنفيذي له طبيعة تأكيدية ، فهو يؤكد الحق الموضوعي ، وإن كان هذا التأكيد يستقل عن وجود الحق الموضوعي من حيث الواقع ، الاتجاه الثاني : ويرى أن السند التنفيذي ليس سوى مستند يقدم لعامل التنفيذ ، وهو كاف لإجراء التنفيذ إذا وجد ، وإذا لم يوجد فإنه يمتنع على عامل التنفيذ إجراؤه .

فالسند التنفيذي في جوهره عمل قانوني يعلن فيه شخص أو أكثر مزود بسلطة قانونية عن إرادته بتحقيق الجزاء القانوني لحق موضوعي ، وهو بهذا يعد للتنفيذ القضائي ويمهد له ، أي إن السند التنفيذي هو سبب للحق في التنفيذ ، أو أنه سبب للتنفيذ بالمعنى العام ونقصد بالسبب المصدر المنشئ لهذا الحق وليس السبب الدافع إلى مباشرة هذا الحق ، لأن السبب بالمعنى الأخير لا يمكن أن يكون هو السند التنفيذي بل هو الاعتداء على الحق الموضوعي محل السند التنفيذي إعمالاً للقواعد العامة.
فالسبب إذن في التنفيذ مزدوج : فهو معنوي إذا نظرنا إلى الحق الذي يجري التنفيذ بمقتضاه ومادي إذا نظرنا إلى الأداة المادية التي تستخدم لإجرائه ، وكلا الأمرين لا يغني أحدهما عن الآخر .

ويبدو لنا مما سبق أن السند التنفيذي مستند كتابي في شكل وثيقة ، وهذه الوثيقة ليست إلا شكلاً خارجياً للسند التنفيذي ، أما مضمون السند التنفيذي فهو ما تعبر عنه الكتابة الواردة في هذه الوثيقة والتي قد تكون حكمًا أو أمراً ….. الخ ، وهكذا يتبين لنا أن السند التنفيذي عمل قانوني شكلي وموضوعي يتكون من عنصرين عنصر المضمون ( العمل القانوني ) وعنصر الشكل ( الوثيقة المثبتة ) لهذا العمل ، ولهذا لا تكفي هذه الوثيقة لينشأ لحاملها الحق في التنفيذ طالما لم تحمل في مضمونها عملاً قانونياً من الأعمال التي يعترف لها القانون بالقوة التنفيذية.

تطور فكرة السند التنفيذي :
تعتبر فكرة السند التنفيذي من أهم الأفكار الأساسية في التنفيذ الجبري والعلة في ذلك تكمن في الدور الهام الذي يلعبه السند التنفيذي في حماية الحقوق ، إذ أنه لا يمكن إجراء التنفيذ الجبري لاقتضاء هذه الحقوق ما لم يوجد سند تنفيذي ، وهذه الفكرة بصورتها الحالية حديثة في القانون ولكنها وليدة تطورات تاريخية .
فقد كانت النظم الجرمانية القديمة ترعى مصلحة الدائن في تنفيذ سريع لحقه وتبالغ في رعايته ، بينما كان القانون الروماني يهتم أساساً بمصلحة المدين ويبالغ في رعايته ، حيث يمكن للمدين أن يعمل على تأخير التنفيذ إلى ما لا نهاية لأن الحكم الذي يلزم المدين بالوفاء ليس له صفة السند التنفيذي بمفهومة الحالي حيث كان ذلك الحكم يحمل في طياته ميعاد وفاء المدين ، وإذا لم يقم المدين بالوفاء في ذلك الموعد لم يكن في اقتدار الدائن إجبار المدين على الوفاء ، وإنما يقتصر حقه في تكليف ذلك المدين بالحضور أمام “البريتور”( ) ، وإذا حضر المدين وأقر ( ) بالدين كان للدائن أن يتخذ إجراءات التنفيذ ، ولكن إذا نازع المدين فلابد لهذه المنازعة أن يحسمها القضاء .
وقد نتجت فكرة السند التنفيذي من تفاعل النظم الجرمانية القديمة والقانون الروماني بعد نهضة الدراسات الرومانية وزيادة نفوذ الكنيسة في أوربا في القرن الحادي عشر .
مميزات السند التنفيذي :
يتميز السند التنفيذي كفكرة قانونية بما يلي :-
1- إنه مفترض ضروري للتنفيذ :
فلا يجوز إجراء التنفيذ الجبري بغير سند تنفيذي ، باعتباره الوسيلة الوحيدة التي اعتبرتها القوانين مؤكدة لوجود حق الدائن عند إجراء التنفيذ ، ولا يقبل من الدائن تقديم أي دليل غيرة لموظفي التنفيذ لإثبات الحق في التنفيذ مهما كان حاسماً لأن التنفيذ يؤدي إلى آثار خطيرة بالنسبة للمدين ، لذلك يجب أن يكون هناك سند يعطي احتمالاً قوياً بوجود حق الدائن ويحوى عملاً قانونياً من الأعمال التي قدرها القانون مقدماً واعتبرها سنداً من السندات التنفيذية ، ويجب أن يوجد السند التنفيذي عند البدء في التنفيذ ولهذا فإنه إذا بدأ التنفيذ بغير وجود سند تنفيذي فلا يصح .
2- إنه مفترض كافي للتنفيذ :
فالسند التنفيذي له قوة ذاتية ، فهو يعطي بذاته الحق في التنفيذ ، فيبدأ التنفيذ بناء عليه بصرف النظر عن الوجود الحقيقي للحق الموضوعي ، ولهذا فالدائن الذي يتقدم إلى موظفي التنفيذ بسنده التنفيذي ، يتقدم طالباً التنفيذ وليس لإثبات حقه الموضوعي ، لأنه من المفترض أن يؤكد السند التنفيذي وجود ذلك الحق .
الشروط الواجب توفرها في الحق محل السند التنفيذي :
سبق وأن أوضحنا بأن التنفيذ لا يتم إلا بموجب سند تنفيذي ، والسند التنفيذي يدل على وجود حق موضوعي مفرغ فيه ، لذلك فإن هناك شروطاً يجب توفرها في هذا الحق وهي :-
1- أن يكون هذا الحق محقق الوجود
أي أن يكون الحق ثابتاً في ذمة المدين حالاً غير معلق على شرط واقف لم يتحقق بعد ، فالدين لا يكون محقق الوجـود إذا كان ديناً احتماليا أو معلقاً على شرط لـم يتحقق بعد .
وهذا يعني أن الحقوق المتنازع على ترتبها بالذمة يجب تصفية النزاع بشأنها قبل إجبار المدين على الوفاء بها ، فوجود الحق من عدمه في ذمة المدين لا يعتبر شرطاً في الحق الموضوعي بقدر ما هو شرط في السند التنفيذي ، فالسند التنفيذي يجب أن يدل على وجود الحق الموضوعي ، وهذه الدلالة هي التي توجب تمييز الحق من حيث أشخاصه ومحلة فيجب أن يميز السند التنفيذي صاحب الحق والمدين به ، وأن يميز محل الحق وإن لم يعين مقداره .
وبناء على ذلك لا يجوز التنفيذ بحكم بتقديم حساب ، لأنه قد يسفر الحساب عن براءة ذمة المدين كما لا يجوز تنفيذ حكم بأداء التزام تخيري قبل أن يختار المدين أحد الالتزامين .
2- أن يكون الحق معين المقدار :
ينبغي أن يكون محل الحق الوارد في السند التنفيذي معين المقدار ، وهذا شرط بديهي لأن الدائن لا يجوز له أن يقتضي بالتنفيذ إلا حقه ، وليس له أن يقتضي من المدين أكثر من ذلك ، فتعيين مقدار الحق يعطي المدين فرصة تفادي التنفيذ الجبري بالوفاء ، لذلك وجب أن يكون هذا الحق معين المقدار ، حتى يقوم المدين بالوفاء بهذا المقدار فقط ، ويجب أن يلاحظ في حالة بيع أموال المدين في التنفيذ الجبري أنه يلزم الكف عن البيع إذا وصل ناتج البيع إلى الحد الكافي لأداء حق الدائن ، لذلك وجب أن يكون هذا الحق معين المقدار حتى لا يكون هناك شطط في التنفيذ ، وتختلف طرق تعين الحق باختلاف محله ، فإذا كان محل الحق نقوداً وجب أن تكون مبلغاً معلوماً ، وإذا كان محل الحق غير نقود كتسليم شيء وكان هذا الشيء منقول ، وجب أن يكون معيناً بنوعه ومقداره أو معيناً بذاته وإذا كان عقاراً وجب أن يكون معيناً بذاته بأن يتضمن السند التنفيذي وصفاً تفصيلياً له ويتم التنفيذ مهما كان مقدار الدين لأن التنفيذ جائز مهما صغر مبلغ الدين .
كما يلاحظ أنه لا يلزم أن يكون تعيين الحق على وجه التحديد ، فيكون الحق معين المقدار إذا أمكن تعيينه بعملية حسابية بسيطة بناء على أرقام مأخوذة من نفس السند التنفيذي كأن يكون الحكم بسداد مبلغ ألف ريال و10% أرباحها ، ففي هذه الحالة من السهل تعيين مقدار الحق ، وتطبيقاً لذلك لا يجوز تنفيذ الحكم بالتعويض قبل تحديد مقداره ، ولا الحكم بالمصاريف قبل تحديدها .
ويرى البعض أن هذا الشرط يغني عن الشرط الأول ، إذ يقال أن كل دين معين نقداً يكون محقق الوجود ، لا العكس فقد يكون الدين ثابت الوجود ولكنه غير معين المقدار ( ).
3- أن يكون حق الدائن حال الأداء
أي غير مطافٍ إلى أجل ، فإذا كانت الدعوى لا تقبل للمطالبة بحق لم يحل أجله بعد فإنه من باب أولى لا يجوز اقتضاء هذا الحق من المدين وإكراهه على الوفاء به ، قبل حلول أجل الوفاء به ، وإذا كان التنفيذ يتم بمقتضى حكم ، فيغلب أن تكون الشروط الثلاثة المتقدمة متحققة ، لأن الفصل في الخصومة يقتضي تصفية الحقوق المتنازع عليها وقطع النزاع فيها ولكن في العقود الرسمية( ) يكثر أن تكون الديون الثابتة مؤجلة أو معلقة على شرط ، ويغلب أن ينازع المدين في مقدارها أو في وجودها ( ) .
ويجب توافر هذه الشروط عند البدء في التنفيذ ، وعلى ذلك لا يشترط توافرها عند تكوين السند التنفيذي ، فيكفي أن يحدد السند أجلاً أو يعلق على شرط ويجري التنفيذ عند حلول الأجل أو تحقق الشرط ، ومن ناحية أخرى لا يكفي أن تتوافر هذه الشروط في لحظة لاحقة على البدء في التنفيذ ، لأن التنفيذ إذا تم في هذه الحالة يكون باطلاً ، وعله ذلك أن التنفيذ يرتب آثاراً خطيرة في ذمة المدين تتمثل في حبس ماله والمساس بسمعته الأدبية والمالية ، ولا يستثني من ذلك إلا ملحقات الدين الأصلي كمصاريف التنفيذ.

فكرة السند التنفيذي في الشريعة الإسلامية
لما كانت فكرة السند التنفيذي وليدة تطورات تاريخية عديدة ، وجب علينا أن نعرض لحالة العرب قبل بزوغ فجر الإسلام حتى يتبين لنا موقف الشريعة الإسلامية من هذه الفكرة .
وبالجملة يمكن القول : أن النفوس والأموال والأعراض لا حرمة لها عند العرب إلا في القليل النادر قبل بزوغ فجر الإسلام ، فليس عندهم في أخذ الأموال حداً ينتهون إليه ، وليست لهم عناية بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد ( ) ، ( ) .
فكانوا قبائل متخالفة في النزاعات خاضعة للشهوات ، فخر كل قبيلة في قتال أختها ، وسفك دماء أبطالها ، وسبي نسائها ، وسلب أموالها ، تسوقها المطامع إلى المعامع ، ويزين لها السيئات فساد الاعتقاد ، وبالجملة كانت ربط النظام الاجتماعي قد تراخت عقدها وانقصمت عراها ( ) ( ).
هذا هو عرض موجز لحالة العرب قبل الإسلام ومنه نرى أنهم كانوا في حالة لا يحسدون عليها من فوضي في الدين واضطراب في النظام ، الأمر الذي يجعلنا نقول أنه لم يكن هناك قضاء ، وبالتالي أحكام حتى يكون هناك تنفيذ لها فلم يكن هناك قوة تستطيع أن تقوم بالفصل في الخصومات ، وبالتالي تقوم بتنفيذ الأحكام .
ولما بزغ فجر الإسلام لم يكن الطريق ممهداً أمام النبي صلى الله عليه وسلم لأن الناس كانوا أسيرين لشهواتهم ورغباتهم ، إلا أنه لما استقر الإسلام في نفوسهم وذاقوا حلاوة الإيمان بعد أن من الله عليهم بهذه النعمة امتثلوا لشرع الله قال تعال قال تعالى(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) ( ) .

ومن هذا المنطلق جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم للقضاء ، وقضى في جميع نواحي الحياة مما يتعلق بالشؤون المدنية والأسرة والجنايات والعقوبات وغيرها ، وهكذا جمع رسول الله صلى الله علية وسلم بين التشريع والقضاء والتنفيذ ولما اتسعت الدولة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم استعان ببعض أصحابه في القضاء منهم على بن أبي طالب ، ومعاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري .

والمتتبع للأحكام القضائية في عهده صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين رضي الله عنهم أجمعين ، يجد أنه عندما كان الإيمان متمكناً من النفوس وراسخاً في القلوب لم يثر تنفيذ الأحكام أية مشاكل لأنها كانت تنفذ عقب صدورها ، والمنفذ لها هو القاضي أو من ينيبه وكان المدين في أغلب الأحيان هو الذي يبادر بتنفيذها من تلقاء نفسه دون الحاجة إلى إكراهه أو حمله على ذلك حتى أنه إذا أجرم الرجل جرماً جاء مقراً بجرمه من تلقاء نفسه كما جاء ماعز مقرا بالزنا ، وكذلك الغامدية .
فقد روي أن ماعز أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَزَنَيْتُ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي فَرَدَّهُ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا فَقَالُوا مَا نَعْلَمُهُ إِلا وَفِيَّ الْعَقْلِ مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نُرَى فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ وَلا بِعَقْلِهِ فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ و جَاءَتِ الْغَامِدِيَّةُ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي وَإِنَّهُ رَدَّهَا فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ تَرُدُّنِي لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَحُبْلَى قَالَ إِمَّا لا فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ قَالَتْ هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ قَالَ اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ فَقَالَتْ هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ فَسَبَّهَا فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّهُ إِيَّاهَا فَقَالَ مَهْلا يَا خَالِدُ فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ ( ) .

ولم تكن الأحكام في هذه الحقبة المبكرة من تاريخ الدولة الإسلامية تدون لعدم الحاجة إلى ذلك ، لأن الحكم كان ينفذ فور صدروه ، وبعد تطور الدولة الإسلامية واتساع رقعتها أصبحت لها أجهزتها وموظفوها العموميون مثل إدارة الشرطة التي كانت تتولى تنفيذ الأحكام القضائية تحت إشراف القضاء لتكفل لتلك الأحكام احترامها وهيبتها ، وقد ظهر أول تدوين للأحكام القضائية في العهد الأموي ، حيث كان سليم بن غر قاضي مصر هو أول من دون الأحكام القضائية في عهد معاوية ، وسبب ذلك التدوين أنه حكم في ميراث بين ورثة متخاصمين ثم تناكروا فعادوا إليه فحكم بينهم وسجل حكمه فكانت هذه الواقعة هي أول واقعة في تدوين الأحكام في الدولة الإسلامية ( ) .
وإذا نظرنا إلى تطور فكرة السند التنفيذي في القوانين الوضعية نجد بأنه قد ظهر نتيجة لتفاعل النظم الجرمانية القديمة والقانون الروماني بعد نهضة الدراسات الرومانية وزيادة نفوذ الكنيسة في أوربا في القرن الحادي عشر الميلادي ، أي أن فكرة السند التنفيذي ظهرت بعد قرون عديدة من وجود الدين الإسلامي ، ولم نر في كتب الفقه الإسلامي من يعترض عليها فإقرار تلك الفكرة من عدمها راجع إلى احتياجات البشر وأعرافهم ، فتدوين الأحكام كما رأينا لم يكن موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم أجمعين لعدم وجود الحاجة إليها ، وعندما ظهرت الحاجة إليها في عهد معاوية رضي الله عنه تم تدوين أول حكم في الإسلام ولم يعترض على ذلك التدوين أي من الفقهاء المسلمين ، لأن الأصل في الشريعة الإسلامية هو التوثيق لا التفريط وإذا كان السند التنفيذي بمفهومه الحالي يؤدي إلى توثيق الحقوق عند المطالبة بها لإجبار المدين على الوفاء ، فإننا نرى والحال هذه بأنه ليس هناك ما يمنع من الأخذ بفكرة السند التنفيذي في الشريعة الإسلامية ، وخاصة إذا نظرنا إلى مكونات ذلك السند حيث نجد بأنه مكون من شكل ومضمون ، فالمضمون هو الحق المثبت في السند التنفيذي وقد عرفته الشريعة الإسلامية وفقهاؤها ، أما الشكل فهو الوثيقة المكتوب فيها ذلك الحق فلم تتطرق إليه الشريعة الإسلامية وفقهاؤها .
أي أن فقهاء الشريعة الإسلامية قد عرفوا مضمون فكرة السند التنفيذي الموجود في القوانين الوضعية ولكنهم لم يعرفوه من حيث المبنى شأنه في ذلك شأن سائر المصطلحات القانونية الأخرى .

وانطلاقا من روح المبادئ الإسلامية وتطبيقاتها ، فإن الباب يظل مفتوحاً أمام ولاة الأمور لكي يصدروا النظم والقواعد الخاصة بهذا الشكل تحقيقاً للمضمون الذي عرفته الشريعة الإسلامية وفقهاؤها ، وليس في هذا خروج على شرع الله في شئ لأن ذلك بمثابة النظم والقواعد التفصيلية ، فإذا نظرنا إلى الفقه الإسلامي نجد بأنه يحتوى على المرونة الكافية التي تجعله صالحاً لكل زمان ومكان ولحل مشاكل الحياة على مختلف ضروبها وتنوع مطالبها مما يظهر عظمة التشريع الإسلامي وصلاحيته للاحتكام إليه بما يحويه من ثروات تشريعية وفقهية لا تقارع مقارنة بالقانون الوضعي ( ) .

فكرة السند التنفيذي في النظام السعودي
إذا نظرنا إلى السند التنفيذي بصورته السابق الإشارة إليها ، نجد أنها موجودة في النظام السعودي طبقاً لنص المادة (196 ) من نظام المرافعات الشرعية والتي تنص على ” يتم التنفيذ بموجب نسخة الحكم عليها الصيغة التنفيذية وهي : ” يطلب من كافة الدوائر والجهات الحكومية المختصة العمل على تنفيذ هذا الحكم بجميع الوسائل النظامية المتبعة ولو أدى إلى استعمال القوة الجبرية عن طريق الشرطة ” .
وتوضع الصيغة التنفيذية على نسخة الحكم بموجب ختم يحمل العبارة المشار إليها أعلاه ولا يسلم الحكم إلا للخصم الذي له المصلحة في تنفيذه ، ويرجع في تقدير صاحب المصلحة إلى القاضي مصدر الحكم أو خلفه ( ) .
والحكام القطعية التي تذيل بالصيغة التنفيذية هي :-
1- الحكام التي صدرت أو صدقت من محكمة التمييز .
2- الأحكام الصادرة في الدعاوي اليسيرة التي يحددها مجلس القضاء الأعلى بقرار يصدر من هيئته العامة بناء على اقتراح من وزير العدل .
3- الأحكام التي فات آخر ميعاد للاعتراض عليها .
4- الأحكام التي قضي فيها بكل الطلبات وقنع بها المحكوم عليه ، وكذلك الحكام التي قنع بها طرفي القضية .
ومن هذه النصوص يتضح أن النظام السعودي وإن كان لم يحدد مفهوم السند التنفيذي بشكل مباشر إلا أنه يفهم منها ، أن النظام السعودي عرف فكرة السند التنفيذي في صورة الأحكام القضائية النهائية من خلال أنه يجوز التنفيذ بمقتضاها جبراً عن المدين ( المحكوم عليه ) .

مادة (280)
لا يجوز التنفيذ الجبري إلا بسند تنفيذي اقتضاء لحق محقق الوجود ومعين المقدار وحال الأداء.

والسندات التنفيذية هي الأحكام والأوامر والمحررات الموثقة ومحاضر الصلح التى تصدق عليها المحاكم أو مجالس الصلح والأوراق الأخرى التى يعطيها القانون هذه الصفة.

ولا يجوز التنفيذ فى غير الأحوال المستثناة بنص فى القانون إلا بموجب صورة من السند التنفيذي عليها صيغة التنفيذ التالية ” على الجهة التى يناط بها التنفيذ أن تبادر إليه متى طلب منها وعلى السلطات المختصة أن تعين على إجرائه ولو باستعمال القوة متى طلب إليها ذلك”.

مادة (281)
يجب أن يسبق التنفيذ اعلان السند التنفيذى لشخص المدين أو فى موطنه الأصلى وإلا كان باطلاً.

ويجب أن يشتمل هذا الاعلان على تكليف المدين الوفاء وبيان المطلوب وتعيين موطن مختار لطالب التنفيذ فى البلدة التى بها مقر محكمة التنفيذ المختصة.

ويجب عند الشروع فى تنفيذ عقد رسمي بفتح اعتماد أن يعلن معه مستخرج بحساب المدين من واقع دفاتر الدائنين التجارية.

ولا يجوز إجراء التنفيذ إلا بعد مضى يوم على الأقل من إعلان السند التنفيذى.

مادة (282)
على المحضر عند إعلانه السند التنفيذي أو عند قيامه بالتنفيذ قبض الدين عند عرضه عليه مع إعطاء المخالصة وذلك دون حاجة إلى تفويض خاص.

مادة (282)
على المحضر عند إعلانه السند التنفيذي أو عند قيامه بالتنفيذ قبض الدين عند عرضه عليه مع إعطاء المخالصة وذلك دون حاجة إلى تفويض خاص.

مادة (283)
من حل قانوناً أو اتفاقاً محل الدائن فى حقه حل محله فيما اتخذ من إجراءات التنفيذ.

مادة (284)
إذا توفى المدين أو فقد أهليته أو زالت صفة من يباشر الإجراءات بالنيابة عنه قبل البدء فى التنفيذ أو قبل إتمامه فى يجوز التنفيذ قبل ورثته أو من يقوم مقامه إلا بعد مضى ثمانية أيام من تاريخ إعلانهم بالسند التنفيذى.

ويجوز قبل انقضاء ثلاثة أشهر من تاريخ وفاة المدين أن تعلن الأوراق المتعلقة بالتنفيذ إلى ورثته جملة فى آخر موطن كان لمورثهم بغير بيان أسمائهم وصفاتهم.

مادة (285)
لا يجوز للغير أن يؤدى المطلوب بموجب السند التنفيذى ولا أن يجبر على أدائه إلا بعد اعلان المدين بالعزم على هذا التنفيذ قبل وقوعه بثمانية أيام على الأقل.

مادة (286)
يجوز للمحكمة فى المواد المستعجلة أو فى الأحوال التي يكون فيها التأخير ضاراً أن تأمر بتنفيذ الحكم بموجب مسودته بغير إعلانه وفى هذه الحالة يسلم الكاتب المسودة للمحضر وعلى المحضر أن يردها بمجرد الانتهاء من التنفيذ.