مدى صحة القبض وتفتيش المتهم بإرتكاب جريمة في حال إقراره فقط دون التلبس

مدى صحة القبض وتفتيش المتهم بإرتكاب جريمة في حال إقراره فقط دون التلبس.

(1)قد يضع الشخص نفسه موضع الريب والظنون فيتدخل رجل الضبط القضائي لاستطلاع أمره وسؤالة عن تحقيق شخصيه فيعترف له بارتكاب جريمة ويثور التساؤول عندئذا هل يجوز لرجل الضبط القضائي في هذه الحالة القبص علي المتهم وتفتيشه بناء على هذا الإعتراف أو بعبارة أخري هل يغني الإعتراف عن التلبس؟

وسبب السؤال أن سلطه رجل الضبط القضائي في القبض والتفتيش تقتصر علي احوال التلبس والأذن القضائي وليس الإعتراف.

ويجري قضاء النقض في ثبات علي أنه يلزم أن يتحقق رجل الضبط القضائي من وقوع الجريمة بنفسة في احدي حالات التلبس ولا يغني عن ذلك تلقي نباها عن الغير سواء أكان شاهدا أو متهم يقر علي نفسه

(انظر علي سبيل المثال نقض ١٩٩٩/١١/مجموعة أحكام النقض س٤٨رقم ١٩٥ص١٢٩٣؛نقض ١٩٩٧/١١/١٩س٤٨رقم ١٩٥ص١٢٣٩؛نقض ١٩٩٠/١/٣س٤١رقم ٤ص٤١؛نقض ١٩٨٣/س٣٤رقم ١٨٦ص ٩٣٤؛نقض ٢٠٠١/١/١ المجموعة العشرية ص٤١٩رقم٦)

ومقتض هذا القضاء أن اعتراف المتهم لرجل الضبط القضائي أثر استيقافه بارتكاب جريمة لا يغني عن التلبس ولا يخول رجل الضبط القضائي القبض عليه وتفتيشه مادام أن رجل الضبط لم يتحقق بنفسه من الجريمة محل الاعتراف علي نحو يمكن معه القول أن سبب القبض والتفتيش التلبس وليس الإعتراف.

(2)غير أن محكمة النقض في العديد من احكامها لأ تلتزم المبدأ المار ذكره إذ ذهبت في بعض أحكامها إلي أن أن اعتراف المتهم لرجل السلطة العامة أثر استيقافة بأنه يحمل مخدرا يجيز لرجل السلطة اقتيادة الي قسم الشرطة تأسيسا علي توافر حاله التلبس طبقا للمادة ٣٨اجراءات جنائية

(نقض ١٩٩٨/٣/٣١مجنوعة أحكام النقض س٤٩رقم ٦٤ص٤٩٤)

وقضت أيضا بأن اعتراف المتهمه للضابط عقب اتمامها الاجراءات الجمركية وظهور علامات التعب والإرهاق عليها بأنها تحمل مواد مخدرة في اجزاء حساسة من جسمها فإن ذلك يوفر التلبس وتكون إجراءات ضبطها وتفتيشها قد تمت صحيحه

(نقض ١٩٧٦/١/٤س مجموعه أحكام النقض س ٢٧رقم ١ ص ٩)

وعلي الرغم من نقد الفقه لهذا القضاء لأنه قاس الإعتراف علي التلبس وساوي بينهما في الحكم حال أن التلبس استثناء من أصل والاستناء لا يقاس عليه

(د احمد فتحي سرور-الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية-الجزء الأول-٢٠١٦-ص٤٦٥؛د.عوض محمد عوض-قانون الإجراءات الجنائية-الجزء الأول-١٩٩٠-ص٣٧٦)

(3)إلا أن هذا النقد لم يكن من شأنه تثبيت محكمة النقض في احكامها الحديثة من الإلتزام بمبدأها المار ذكره وعدم الاستمرار في الخروج عليه إذ عادت في حكم حديث لها و قضت بأن استيقاف الضابط للمتهم أثر قيامه بالقفز من أعلى ماكينات المترو المخصصة للعبور وتقديمه له بطاقة رقم قومي مزورة أعترف للضابط باصطناعها يتحقق به حالة التلبس بالجريمة التي تبيح للضابط القبض عليه وتفتيشه.

وقالت النقض تبريرا لذلك بأنه من المقرر أن الاستيقاف هو إجراء يقوم به رجل السلطة العامة في سبيل التحري عن الجرائم وكشف مرتكبيها ، ويسوغه اشتباه تبرره الظروف ، وهو أمر مباح لرجل السلطة العامة إذا ما وضع الشخص نفسه طواعية منه واختياراً في موضع الريبة والظن وكان هذا الوضع ينبئ عن ضرورة تستلزم تدخل المستوقف للتحري والكشف عن حقيقته عملًا بحكم المادة ٢٤ من قانون الإجراءات الجنائية ، وفي قيام المبرر للاستيقاف أو تخلفه من الأمور التي يستقل بتقديرها قاضي الموضوع بغير معقب مادام لاستنتاجه ما يسوغه ،

وإذ كان الحكم قد استظهر بحق أن الطاعن قد وضع نفسه طواعية واختياراً في موضع الشبهات والريب وذلك بقيامه بالقفز من أعلى ماكينات المترو المخصصة للعبور بالرغم أن القانون قد حظر ذلك ، وباستيقاف ضابط الواقعة له وسؤاله عن تحقيق شخصيته قدم له بطاقة رقم قومي اقر بانها مزورة وأنه انتحل صفة ضابط شرطة ، وانه اصطنع البطاقة المزورة على الكمبيوتر لاستخدامها في تأجير السيارات ،

فإن حالة التلبس بالجريمة تكون قد تحققت إثر هذا الاستيقاف ، وينبني على ذلك أن يقع القبض عليه إثر قيام هذه الحالة صحيحاً لا مخالفة فيه للقانون ، وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون غير سديد

(الطعن رقم ١٠٨٥٤ لسنة ٨٥ قضائيةالدوائر الجنائية – جلسة ٢٠١٨/٠١/١٧)

(4)ولقد سبق أن انتقدنا قضاء النقض في كتابنا القبض في ضوء الفقه والقضاء-٢٠١١-ص٥٤٣ وقلنا أنه يخالف اصلا مستقر حاصله أن الاحكام تدور مع علتها وجودا وعدما فحيثما توافرت العله وهي التلبس صح الحكم وهو التفتيش وأن تخلفت بطل التفتيش ولما كان التلبس هو عله وسند التفتيش فلا يجوز بناء التفتيش علي ما دونه ولو كان اعترافا صريحا حرا قاطعا الدلاله علي ارتكاب الجريمة

والقول غير ذلك يعني بناء الحكم وهو التفتيش علي الحكمه منه وهو الإعتراف حال أن الاحكام تناط بالعله من دون الحكمه.بل أن قضاء النقض المنتقد يفتح باب الكيد والتلفيق إذ بوسع رجل الضبط القضائي أن يزعم دائما أن المتهم اعترف له بارتكاب جريمة أثر استيقافه كي يثبت له الحق في القبض عليه وتفتيشه فتصير ضمانات الحرية الفردية حبرا على ورق.

ولهذا نعتقد أن اعتراف المتهم لرجل الضبط القضائي أثر استيقافة بارتكاب جريمة لا يخول لرجال الضبط القضائي القبض عليه وتفتيشه وكل ما له أن يتخذ الاجراءات التحفظية المناسبه طبقا للمادة ٣٥من قانون الإجراءات الجنائية ويطلب من النيابة العامة فورا أن تصدر له أمرا بالقبض على المتهم وتفتيشه علي حسب الأحوال والظروف.

اترك تعليقاً