آثار بطلان العقد فيما بين المتعاقدين.

أثر البطلان فيما بين المتعاقدين
يترتب على بطلان العقد عدم جواز المطالبة بتنفيذه ، وزواله بأثر رجعي بحق يعود المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد .

( أ ) عدم جواز المطالبة بالتنفيذ:
يترتب على بطلان العقد زواله ، ولا تتولد عنه الآثار المقصودة من إبرامه فإذا كان العقد الذي تقرر بطلان لم يبدأ تنفيذه بعد من أي من الطرفين ، فلا يلتزم أي من المتعاقدين بشىء نحو الآخر . لا يجوز لأي منهما أن يطالب الآخر بتنفيذ إلتزاماته التي يرتبها العقد فيما لو كان صحيحاً . فإذا طالب أحد العاقدين بشي من ذلك كان للطرف الآخر أن يدفع هذه المطالبة بالبطلان . فإذا كنا بصدد بيع باطل أو تم إبطاله وطالب المشتري البائع بتسليم المبيع كان للبائع أن يدفع هذه المطالبة بالبطلان . ونفس الشئ عند المطالبة بالثمن يحوز للمشتري توقي ذلك بالدفع بالبطلان .

( ب ) الإلتزام بالرد:
يترتب على صدور حكم بإبطال العقد أو ببطلانه زواله بأثر رجعى . يبطل العقد بأثر رجعى ويعتبر كأن لم يكن ويزول كل أثر له . فالحكم القضائي يكون كاشفاً وليس منشئاً لحالة البطلان أو الإبطال .
ويعني الأثر الرجعى عودة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد . ويلتزم كل منها بأن يرد للآخر ما حصل عليه بموجب العقد الذي تم إبطاله ويستوي في ذلك العقد الباطل و العقد القابل للإبطال .

ويثور ذلك في حالة ما إذا تم تنفيذ العقد الباطل كلياً أو جزئياً من أحد الطرفين أو منهما معاً ثم يتقرر البطلان بعد ذلك هنا يتعين ، إعمالا للأثر للرجعى للبطلان ، إعادة المتعاقدين للحالة التي كانا عليها قبل التعاقد . فإذا تنفيذ عقد بيع باطل وجب رد المبيع للبائع ورد الثمن للمشتري .

وأساس الإلتزام بالرد هو دفع غير المستحق . فمن المقرر أنه استرداد غير المستحق إذا كان الوفاء قد تم تنفيذاً لالتزام لم يتحقق سببه أو لالتزام زال سببه بعد أن تحقق . فنتيجة للأثر الرجعى لبطلان العقد أو لإبطاله يعتبر كل متعاقد أخذ ما أعطاه إليه المتعاقد الآخر من غير أن يكون له حق فيه ، ومن ثم يلتزم برده إليه .

( جـ ) نطاق الإلتزام بالرد:
إن قاعدة الإلتزام بالرد ليست مطلقة بل ترد عليها بعض القيود التي ترجع لاعتبارات الواقع واستقرار المعاملات ومراعاة بعض المصالح الجديرة بالحماية .
أولأ: الأصل أن يكون الرد عيناً بحيث يرد كل متعاقد للآخر ما حصل عليه بموجب العقد ، إلا إنه قد يتعذر على المتعاقد ، أحياناً ، رد عين ما حصل عليه ، كما إذا كان الشئ قد هلك أو تلف . هنا يمكن إلزام المتعاقد الذي بحسب قيمة الشئ المبيع مثلاً. وذلك أن التعويض المعادلة بقوم مقام الرد العيني . ولا يعتبر هذا التعويض من قبيل الثمن ولا يخضع لأحكامه ، وإنما يخضع لأحكام التعويض وحدها .

ثانيا: إذا ترتب علي تنفيذ العقد الباطل انتقال حيازة شئ إلى أحد الطرفين ، هذا يتعين حمايته إذا كان حسن النية لا يعلم بسبب البطلان وتتمثل الحماية فى عدة وجوه .
يعامل معاملة الحائز حسن النية فيما يتعلق بالثمار فهو يلتزم برد الشئ الذي تسلمه ويحتفظ لنفسه بالثمار سواء استهلكها أم لا . ويلتزم برد الفوائد والثمرات من يوم رفع دعوى البطلان .
يعامل المتعاقد معاملة الحائز الذي يلتزم برد ما يحوزه وذلك بالنسبة للمصروفات التي قد يكون أنفقها عليه .

إذا كان المتعاقد الحائز حسن النية فلا يلتزم بدفع أي تعويض مقابل الانتفاع بالشئ الذي يلتزم برده إلى الطرف الآخر . زمن ثم لا محل لأي تعويض معادل عن الاستهلاك في الفترة ما بين تسلم الشئ وإبطال العقد .

لا يلتزم المتعاقد حسن النية ، في حالة الهلاك الكلي للشئ الذي يحوزه ، إلا بدفع مقدار ما عاد عليه من فائدة ترتبت على هذا الهلاك مثل أنقاض المنزل . وفى حالة سوء النية فإنه يكون مسئولا عن الهلاك أو تلفه ، ولو كان ذلك ناشئاً عن حادث مفاجئ إلا إذا أثبت أن الشئ أو يتلف ولو كان باقياً في يد صاحبه .

ثالثا: يستحيل إعمال الأثر الرجعى لبطلان عيناً في العقود الزمنية ، مثل عقد الإيجار وعقد العمل ، حيث يستحيل ماديا إزالة بعض الآثار التي ترتبت عليها في الماضي ، فلا يمكن رد المنفعة التي حصل عليها المستأجر أورد العمل الذي أداه العامل هنا يلتزم المستأجر بأن يدفع تعويضا عن الانتفاع الذي حصل عليه ، ويتم تقدير هذا التعويض ، في الغالب ، بمقدار الأجرة ، لكنه لا يعد أجرة ، ولا تضمنه ضمانات الأجرة ، فلا يكفله امتياز المؤجر ، ولا يتقادم بمدة الأجرة . ويلتزم صاحب العمل بأن يرد للعامل تعويضا معادلا لما أداه من عمل وبذل من جهد . يقدر القاضي غالبا ، هذا التعويض يما يعادل ما كان يستحقه العامل من أجر ، إلا أن ذلك التعويض لا يعد أجرا ولا يخضع لحكامه .

رابعا: إذا تم إبطال العقد بسبب نقص الأهلية ، فإن المتعاقد ناقص الأهلية يلتزم فقط برد ما عاد عليه من منفعة بسبب العقد . قرر المسرع هذا المبدأ لحماية ناقصي الأهلية واستثناهم من قاعدة الإلتزام بالرد . فناقص الأهلية لا يلتزم برد ما حصل عليه بموجب العقد الباطل إلا في حدود ما عاد عليه من منفعة ماديه كانت أو معنوية . فإذا باع القاصر عقارا وقبض ثمنه وأنفق أغلبه في اللهو وأنفق جزءا يسيرا منه في ضروريات الحياة ، فهو لا يلتزم ، في حالة إبطال العقد ، إلا برد هذا اليسير من الثمن للمشتري .

وبالرغم من أن النص يتكلم عن ناقص الأهلية إلا إن حكمه واجب التطبيق ، من باب أولى ، على عديم الأهلية لأنه أجدر بالحماية ويعد ذلك أعمالا للقاعدة العامة التي قررها المشرع بقوله إذا لم تتوافر أهلية التعاقد فمين تسلم غير المستحق فلا يكون ملتزما إلا بالقدر الذي أثري بت .

والأصل في الإنسان اكتمال الأهلية وعلى من يدعى نقص الأهلية لإثبات ذلك . فمتى ثبت نقص الأهلية كان الحكم هو عدم إلتزامه برد ما حصل عليه من العقد الباطل . ويقع على الطرف الآخر الذي يريد استرداد ما لدى ناقص الأهلية ، عبء الإثبات ما عاد عليه من منفعة بسبب تنفيذ العقد ، أي ينبغي على المتعاقد الآخر إقامة الدليل على أن ناقص الأهلية قد استفاد مما أخده منه . وتعبر محكمة النقض عن ذلك قبولها أن عبء الإثبات في بيان أن ناقص الأهلية قد أثري وفى تقدير مدي أثرائه يقع على عاتق الدافع الذي يطلب رد ما دفع فإذا عجز عن الإثبات كان ذلك موجباً في ذاته لرفض طلبه .

خامساً: قضت القاعدة الرومانية الشهيرة بأنه لا يحوز للطرف الملوث أن يتمسك بتلوثه . وأعمالا لتلك القاعدة تضمن المشروع التمهيدي للقانون المدني نصا يقضى بأنه لا يجوز لمن وفى بالتزام مخالف للآداب أن يسترد ما دفعه إلا إذا كان هو فى التزامه لم يخالف الآداب . بمعنى ذلك إن حق المطالبة بالرد قاصر على الطرف الذي لم يخالف الآداب . فمستأجر الأرض لزراعتها مخدرات لا يجوز له استرداد ما دفعه .

ولكن هذه القاعدة لقيت معارضه حيث تتعارض مع منطق البطلان . إذ يمكن تنفيذ العقد بالنسبة لطرف دون الآخر . وإذا كان كلا الطرفين ملوثاً ونفذ أحدهما إلتزامه فإن تطبيق القاعدة يؤدي إلى مكافأة المتعاقد الآخر رغم أنه هو الآخر ملوث . لذلك تم حذف هذه القاعدة وعدن الأخذ بها .

وبناء عليه إذا كان العقد باطل بسبب عدم مشروعيه المحل أو السبب فإن لكل طرف أن يسترد ما أداه ولو كان البطلان يرجع إلى عدم المشروعية من ناحية هو .