أنواع البريد الإلكتروني وبيان مدى حجيته في الإثبات

 

تمهيد:

نظراً لتطور وأنتشار شبكة الإنترنت وتزايد استخدام البريد الإلكتروني في المعاملات التجارية والتصرفات القانونية، وإزاء هذا التطور الهائل والسريع كان من الضروري الوقوف على كيفية إثبات التصرفات القانونية التي تتمم رسائل البريد الإلكتروني، ومعرفة مدى حجية مخرجات هذه الرسائل في الإثبات، لاسيما في ظل القواعد القانونية الحالية للإثبات، أو بعبارة أخرى مدى أمكانية تطويع النصوص الحالية للإثبات لأضفاء الحجية علي الرسائل الإلكترونية لا سيما الغير ممهورة منها بتوقيع إلكتروني.

ولا نبحث في هذا المجال الحجية القانونية للبريد التقليدي، بل الحجية القانونية للبريد الإلكتروني وتحديد القيمة القانونية لرسائل البريد الإلكتروني ومدي قدرة هذه الرسائل علي تحديد شخص مرسلها ومدي إمكانية نسبة هذه الرسائل إلي مُصدرها خاصة إذا كانت ممهورة أو غير ممهورة بالتوقيع الإلكتروني.

ولا شك أن هذا الوضع يتطلب التعرض لحجية البريد الإلكتروني في الإثبات وذلك في حالة إذا كان غير موقع، وحالة إذا كان ممهور بتوقيع إلكتروني، وحالة إذا كان موصي عليه بعلم الوصول، وهو ما سوف نتعرض له علي نحو مايلي.

أولاً : حجية البريد الإلكتروني الغير مُوقع

يقصد بالبريد غير المُوقع البريد التقليدي الذي يستخدم في الحياة اليومية وتختلف حجيته بحسب المجال الذي يستخدم فيه وعما إذا كان يستخدم في المعاملات التجارية أو المدنية.

وذلك علي النحو التالي:

أ) حجية البريد الإلكتروني في المواد التجارية والمختلطة:
فيما يتعلق بالمعاملات والمواد التجارية، يأخذ المشرع المصري والفرنسي بمبدأ حرية الإثبات Liberté de preuve في شأن المواد التجارية أيا كانت قيمتها وفي شأن التصرفات المدنية التي لا تزيد قيمتها علي مبلغ معين، وبموجب مبدأ حرية الإثبات يستطيع المدعي إثبات التصرفات القانونية التجارية، أيا كانت قيمتها، والتصرفات القانونية المدنية التي لا تزيد قيمتها علي خمسمائة جنيه بأي طريق من طرق الإثبات بما في ذلك البينة والقرائن ولا يتقيد بالدليل الكتابي.

وتأكيداً لمبدأ حرية الإثبات في التصرفات التجارية، نصت المادة ٦۹/۱ من قانون التجارة رقم ۱۷ لسنه ۱۹۹۹ علي أنه “يجوز إثبات الالتزامات التجارية أيا كانت قيمتها بكافة طرق الإثبات ما لم ينص القانون علي غير ذلك”. كما نصت الفقرة الثانية من ذات المادة علي أنه “فيما عدا الحالات التي يوجب فيها القانون الأثبات بالكتابة في المواد التجارية يجوز في هذه المواد إثبات عكس ما اشتمل عليه دليل كتابي أو إثبات ما يجاوز هذا الدليل بكافة الطرق”. غير أنه يشترط للأستفادة من مبدأ حرية الإثبات في المواد التجارية، يجب أن يكون التصرف تجارياً وبين تجار.

وبناء علي ذلك، فإنه وفي نطاق التصرفات والمعاملات التجارية القائمة علي مبدأ حرية الإثبات يمكن اعتبار رسالة البريد الإلكتروني قرينة قضائية لاثبات وجود التصرف الذي يتم عبر شبكة الإنترنت، حتى لو زادت قيمة التصرف عن النصاب المقرر للإثبات بالبينة وهو خمسمائة جنيه، إذ أن الأمر يخضع في جميع الأحوال لتقدير القاضي الذي له السلطة التقديرية في الأخذ بالمحرر الإلكتروني إذا ما إقتنع به أو طرحه جانباً إذا لم يطمئن إليه وساوره الشك قبله.

أما في المواد المختلطة، وهي التصرفات التي يكون فيها أحد طرفيها تاجر يتعاقد لأغراض تجارته والطرف الآخر غير تاجر يتعاقد لأغراضه الشخصية أو العائلية، فلا يستفاد من حرية الإثبات إلا غير التاجر في حين يتقيد التاجر بطرق الإثبات المدنية.

وعلي ذلك يمكن، مثلاً، للمستهلك الذي يتعاقد مع تاجر عبر شبكة الإنترنت أن يتمسك بالبريد الإلكتروني في الإثبات باعتباره قرينة قضائية، أما التاجر فلا يكون أمامه قبل المستهلك إلا اتباع القواعد المدنية في الإثبات، بحيث يلتزم بالإثبات كتابة إذا زادت قيمة التصرف عن خمسمائة جنيه، ومن ثم يمتنع عليه أن يتمسك برسالة البريد الإلكتروني في الإثبات.

ب) حجية البريد الإلكتروني في المواد المدنية :
ينص قانون الإثبات علي حالات يخرج فيها عن قاعدة وجوب اشتراط الكتابة، وبالتالي جواز إثباتها بجميع الوسائل بما في ذلك البينة والقرائن والخبرة، وهنا يكون لرسالة البريد الإلكتروني حجية في هذا النطاق، وهذه الحالات هي الأتفاق المسبق بين الأطراف، والتصرفات القانونية التي لا تتجاوز النصاب القانوني، وحالة الاعتداد برسالة البريد الإلكتروني في الإثبات من خلال الاستثناءات علي قاعدة وجوب الدليل الكتابي، ونعرض لها علي النحو التالي:

۱- الأتفاق المسبق بين الأطراف علي حجية رسائل البريد الإلكتروني:

يتفق غالبية الفقه على جواز اتفاق الأطراف المعنية على الخروج عن القواعد الموضوعية للإثبات دون القواعد الإجرائية، لعدم تعلقها بالنظام العام، ذلك لأن القواعد الإجرائية للإثبات تنظم الإجراءات التي يتعين اتباعها أمام المحاكم ومن ثم لا يملك الخصوم تغييرها أو الاتفاق على خلافها لتعلقها بالنظام العام.

وقد أيدت محكمة النقض ذلك، إذ قضت بأن ” قواعد الإثبات ليست من النظام العام فيجوز الاتفاق صراحة أو ضمناً على مخالفتها، سكوت الخصوم عن الاعتراض على الإجراء مع قدرته على إبدائه، اعتباره قبولاً ضمنياً له وتنازلاً عن التمسك بأي بطلان يكون مشوباً به”. وهو ما يعني عدم تعلق قواعد الإثبات الموضوعية بالنظام العام، وبالتالي جواز الاتفاق صراحة أو ضمناً على مخالفة أحكامها.

وتعتبر هذه الاتفاقات من قبيل الإعداد المسبق للدليل و الاحتياط لما قد يثور بين الأطراف من نزاع يتعلق بحجيته، وتبديد كل شك يثور حول مصدره أو نسبته إلى الشخص الذي يراد الاحتجاج به. كما تهدف هذه الاتفاقات إلى التعديل في وسائل الإثبات وطرقه، وفي حجية هذه الوسائل وقوتها في الإثبات.

وإذا انتهينا إلى اعتبار رسائل البريد الإلكتروني أدلة إثبات، إلا أن حجية هذا الدليل الاتفاقي تبقي خاضعة للسلطة التقديرية للقاضي، من حيث كونها دليلاً كاملاً أو ناقصاً، فقواعد حجية الأدلة الكتابية تتعلق بالنظام العام باعتبار أن هذه القواعد ترتبط بأداء القضاء لوظيفته، فهذا الاتفاق لا يجب أن يقف حائلاً أمام ممارسة القاضي لسلطته التقديرية لتقدير حجية الدليل المقدم في الإثبات.

وهو ما يعني أن رسالة البريد الإلكتروني لا تعتبر بحال دليل إثبات قاطع في النزاع، بل تخضع حجيتها في الإثبات لتقدير القاضي، فهي حجية نسبية، بحيث يستطيع قاضي الموضوع دائماً التحقق من عدم وقوع أي تلاعب أو تحريف في الرسالة الإلكترونية، وفي حالة عدم اقتناعه يمكنه عدم الأخذ بهذه الرسالة.

۲- التصرفات القانونية التي لا تتجاوز النصاب القانوني

إذا كان المشرع المصري قد تبني مبدأ حرية الإثبات في التصرفات التجارية، فقد تبني ذات المبدا أيضاً في شأن التصرفات المدنية التى لا تجاوز قيمتها نصاب الإثبات بالبينة، وهو خمسمائة جنيه، ومن ثم يمكن لطرفي هذه التصرفات إقامة الدليل علي حصولها وعلي مضمونها بالبينة والقرائن.

ويهدف المشرع من وراء وضع نصاب يكون نصاب يكون الإثبات في نطاقه حراً وفيما يجاوزه مقيداً بالكتابة او ما يقوم مقامها، إلي التيسير علي الأطراف المتعاملة وعدم إعاقة معاملاتهم اليومية، لأن اشتراط الكتابة لإثبات التصرفات عديمة القيمة من شأنه إرهاق الناس وزعزعة الثقة في المعاملات.

ولما كانت التصرفات المدنية التي لا تزيد قيمتها عن خمسمائة جنية يجوز إثباتها بشهادة الشهود والقرائن القضائية والخبرة والمعاينة، فيمكن للأطراف تقديم رسالة البريد الإلكتروني كدليل إثبات علي حصول هذه التصرفات أو لإثبات مضمونها، إذا كانت قيمة العملية في حدودالنصاب المقرر.

إلا أنه من الملاحظ أن هذا الوضع سيقتصر علي نطاق ضيق يتمثل في المعاملات المدنية ضئيلة القيمة، كما أن الاعتماد علي المحرر الإلكتروني بوصفه إحدي وسائل الإثبات المقبولة في ظل مبدأ الإثبات الحر يعني بأنه يخضع في شأن قبوله وتقدير قيمته وحجيته في الإثبات للسلطة التقديرية للقاضي، وبالتالي فإن ذلك لا يحقق الاستقرار المنشود في المعاملات الإلكترونية عبر الإنترنت.

۳- الاعتداد برسالة البريد الإلكتروني في الإثبات من خلال الاستثناءات علي قاعدة وجوب الدليل الكتابي:

رأينا أن المشرع تبني مبدأ حرية الإثبات بالنسبة للمسائل التجارية أيا كانت قيمتها والتصرفات المدنية التي التى لا تزيد قيمتها علي خمسمائة جنيه، وفي المقابل فإن كافة التصرفات المدنية التي تزيد قيمتها عن المبلغ المذكور تخضع لمبدأ وجوب الإثبات بالكتابة، ومع ذلك فإن المشرع قد عاد إلي مبدأ حرية الإثبات وأجاز الإثبات بالبينة فيما كان يجوز لإثباته بالكتابة قانوناً، وذلك في حالات استثنائية وردت علي سبيل الحصر هي: –

(1) وجود دليل كتابي غير كامل من شأنه أن يجعل التصرف المدعي به قريب الاحتمال ( مبدأ الثبوت بالكتابة ). فقد جاء نص المادة ٦۲ إثبات علي أنه ” يجوز الإثبات بشهادة الشهود فيما كان يجب إثباته بالكتابة إذا وجد مبدأ ثبوت بالكتابة “.

ويتضح من هذا النص أنه حتى يوجد مبدأثبوت بالكتابة فلابد أولاً من وجود كتابة ولا تصلح بذاتها دليلاً كتابياً كاملاً، ولابد أن تكون الكتابة صادرة من الخصم الذي يُحتج عليه بها، وأن يكون من شأن الورقة الصادرة من الخصم أن تجعل التصرف المدعي به قريب الاحتمال وهو أمر يخضع للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع.

ويذهب البعض إلي جواز اعتبار رسالة البريدالإلكتروني مبدأ ثبوت بالكتابة بواسطة عمل نسخة من المحرر الإلكتروني الموجود بصندوق البريد الإلكتروني عن طريق الطباعة وعدم إنكار من يتمسك ضده بها أو يطعن عليها بالتزوير، إلا أن هذا الرأي يصطدم بعقبة تتمثل في صعوبة، إن لم يكن مستحيلاً التمييز بين أصل الرسالة الإلكترونية والنسخ المستخرجة منها عن طريق الطباعة.

ويخلص الرأي السابق إلي نتيجة مؤداها أن الرسالة الإلكترونية لا تتمتع بالثقة فيما يتعلق بهوية مرسلها ومدي إمكانية نسبة الرسالة إليه وسلامة محتواها، وبالتاليف إن قوتها في الإثبات ستخضع لسلطة القاضي التقديرية، ومدي إلمامه وتفهمه بالنواحي التقنية الخاصة بتكنولوجيا المعلومات والكمبيوتر والأدوات المعلوماتية.

(2) الحالات التي يستحيل فيها الحصول علي دليل كتابي كامل بسبب وجود مانع مادي أو أدبي.
حيث أجاز المشرع الإثبات بشهادة الشهود إذا استحال علي المكلف بالإثبات تقديم سند كتابي، ويستوي أن تكون الاستحالة مادية، أي راجعة لظروف أحاطت بإجراء التصرف،كتلف الدعامة الإلكترونية المثبت عليها الدليل كالأسطوانة المدمجة CD والقرص المرن Disk، او تغير محتواه بسبب العوامل الجوية أو سوء التخزين أو الهجوم الفيروسي أو ان تكون الاستحالة أدبية لوجود علاقة بين الطرفين تمنع من طلب الحصول علي دليل، كعلاقة القرابة أو الزوجية.

(3) حالات فقد السند الكتابي. ويفترض هذا الاستثناء أن الدائن قد راعي القواعد الخاصة بالدليل الكتابي وحصل عليه ولكن يتعذر الإثبات بهذا الدليل لفقده، وهو أمر كثيراً ما يحدث في المعاملات الإلكترونية حيث تتعرض المحررات الإلكترونية للمحو بطريق الخطأ أو نتيجة اعتراض الرسالة وتحريف ما بها أونتيجة أعمال القرصنة.

 

ثانياً : حجية البريد الإلكتروني المذيل بتوقيع إلكتروني

فى إطار تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ومواكبة التطور الهائل فى استخدامها فى كافة المجالات والأنشطة، تم التفكير فى تطبيق تكنولوجيا التوقيع الإلكتروني، والذى تكمن أهميته فى زيادة مستوى الأمن والخصوصية فى التعاملات، نظرا لقدرة هذه التقنية على حفظ سرية المعلومات والرسائل المرسلة وعدم قدرة أي شخص أخر على الاطلاع أو تعديل أو تحريف الرسالة، كما يمكنها أن تحدد شخصية وهوية المرسل والمستقبل إلكترونيا للتأكد من مصداقية الشخصية مما يسمح بكشف التحايل أو التلاعب .

ولعل هذا هو ما دفع الأمم المتحدة ممثلة في لجنة القانون التجاري الدولي، الأونسيترال unicitral، إلي إصدار القانون النموذجي بشأن التجارة الإلكترونية سنه ۱۹۹٦ ، والقانون النموذجي بشأن التوقيعات الإلكترونية الصادر سنه ۲۰۰۱ ، ومعاهدة استخدام وسائل الاتصال الإلكترونية في العقود الدولية لسنه ۲۰۰۵ ، وذلك بغرض تنتظيم العقود الإلكترونية الدولية وأضفاء الحجية القانونية عليها.

كما أصدر الاتحاد الأوربي التوجيه الأوربي رقم ۹۳/۱۹۹۹ في ۱۳ديسمبر ۱۹۹۹ في شأن التوقيع الإلكتروني ، والذي ألزم الدول الأعضاء بنقل مضمونه في داخل تشريعاتهم الوطنية في خلال ۱۸ شهر . كما أصدرت عدة دول قوانين تنظم التوقيع الإلكتروني ومنها أمريكا وأنجلترا وسنغافورة ومصر والأمارات العربية المتحدة والأردن وتونس والجزائر والبحرين.

وقد أحدث القانون المصري للتوقيع الإلكتروني رقم ۱۵ لسنه ۲۰۰٤ عدة تعديلات جوهرية علي قانون الإثبات، لعل أهمها المساواة في الحجية القانونية بين الكتابة علي محرر إلكتروني والكتابة التقليدية علي محرر ورقي وذلك شريطة تحديد هوية الشخص الذي صدرت منه الكتابة وإمكانية نسبة هذه الرسالة إليه وأن تتم الكتابة وتسجل وتحفظ علي نحو يضمن سلامتها.

مفاد ماتقدم، أن رسالة البريد الإلكتروني الممهورة بتوقيع إلكتروني تتمتع بحجية كاملة في الإثبات لا تقل عن حجية المحرر العرفي، بحيث يتعين علي القاضي أن يعتد بالرسالة الإلكترونية كدليل كتابي كامل دون أن يكون له سلطة تقديرية حياله.

غير أنه قد يحدث أن يحدث تعرض بين المحرر الإلكتروني والمحرر الورقي بحيث يتعارض مضمون المستندين، وفي هذه الحالة تثور مسألة الترجيح بين المحرر الورقي والمحرر الإلكتروني، ولأي منهما تكون الأفضلية كدليل إثبات حاسم في النزاع.

ولقد واجه المشرع الفرنسي هذا الفرض بأن ترك لقاضي الموضوع سلطة تقديرية واسعة في تقدير أي من الدليلين أولي بالترجيح أيا كانت الدعامة التي يثبت عليها المحرر، فقد جاء نص المادة ۱۳۱٦/۲ من القانون المدني المعدلة بالقانون الصادر في ۱۳ مارس ۲۰۰۰علي أنه ” إذا لم يكن هناك نص أو إتفاق بين الأطراف يحدد أسساً أخري فإنه علي القاضي مستخدماً كل الوسائل أن يفصل في التنازع القائم بين الأدلة الكتابية عن طريق ترجيح السند الأقرب إلي الاحتمال أيا كانت الدعامة المستخدمة في تدوينه “.

علي أن سلطة القاضي التقديرية في الترجيح بين الدليلين يحدها بعض الضوابط، فمن ناحية يتعين عدم وجود إتفاق بين الأطراف ( كما في حالة عقود إصدار بطاقات الأئتمان ) ، أو نص قانوني ينظم ويحدد الدليل المقبول في الإثبات ( حيث يجب ترجيح المحرر الرسمي علي غيره. وأيضاً يجب أن تتوافر في المحررات المتعارضة الشروط المتطلبة قانوناً لاعتبارها دليلاً كتابياً كاملاً، فإذا كان مثلاً أحد المحررين لا يحمل توقيع فيتم أستبعاده وبالتالي فلا مجال للترجيح بين المحررين.

ولعل السبب في ثقة المتعاملين عبرالإنترنت في اللجوء إلي التوقيع الإلكتروني وجود طرف ثالث أو وسيط بين الطرفين موثوق فيه، وهو طبقاً للقانون المصري هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات والتي تتبع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وهي الهيئة التي أوكل إليها خدمة التصديق علي شهادات التوقيع الإلكتروني.

وهو ما دفع البعض إلي التساؤل عن نوع المحرر المكتوب الذي يشكله البريد الإلكتروني، هل هو محرر رسمي أم محرر عرفي؟ ولعل الأجابة علي هذا السؤال تقتضي أن نرجع إلي تعريف المحرر الرسمي و العرفي وفق قانونالإثبات المصري، والذي عرف المحرر الرسمي بأنه “المحرر الذي يصدر عن موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة وذلك في حدود سلطته واختصاصه وطبقاً للأوضاع القانونية لتوثيق الأوراق الرسمية”. كما عرف المحرر العرفي بأنه “المحرر الذي يتم بين الأفراد طبقاً للعادات ودون تدخل من قبل موظف رسمي”. (م۱٤ إثبات) ، وعليه تعتبر رسالة البريد الإلكتروني التي تحمل توقيع صاحبها محرر عرفي في مجال الإثبات، أما مقدم خدمة التوثيق الإلكتروني فتنحصر وظيفته في إصدار شهادات التصديق الإلكتروني لمن يطلبها.

 

ثالثاً : حجية البريد الإلكتروني الموصي عليه

عرف التوجيه الأوربي الصادر في ۱۵ ديسمبر ۱۹۹۷ بشأن القواعد التي تحكم تنمية السوق الداخلي للخدمات البريدية وتحسين جودتها في المادة ۹/۲ منه البريد الموصى علي Courrier recommandé بأنه “خدمة تتم وفق إجراءات تكفل ضمان الأرسال ضد مخاطر الفقد أو السرقة أو التلف،وتوفي للمرسل لقاء مبلغ جزافي يدفعه، الدليل علي إيداع الارسال لدي هيئة البريد وكذلك عند الضرورة وبناء علي طلبه لإثبات استلام المرسل إليه له.

و وفقاً للقانون المصري نجد أمثلة علي البريد الموصى عليه، كما في حالة الإعذار، إذ يجب علي الدائن قبل أن يشرع في التنفيذ العيني أو بمقابل أن يعذر مدينة ويكون ذلك بإنذاره أو ما يقوم مقام الإنذار عملاً بنص المادة ۲۱۹ مدني، بل لقد أوجب القانون ذاته فيبعض الحالات استخدام البريد الموصى عليه كما في حالة الإعلان القضائي إذا لم يجد المحضر في موطن المعلن إليه شخصاً يصح تسليم صورة الإعلان إليه أو وجد المحل مغلقاً، أو أمتناع من وجد به من استلامه، وجب علي المحضر أن يسلم ورقة الإعلان إلي جهة الإدارة في نفس اليوم م۱۱ مرافعات.
ولا شك أن استخدام البريد الموصى عليه يقدم العديد من الفوائد منها، إثبات عملية الأرسال حيث تتم عن طريق موظف عام ،وإثبات عملية الاستلام حيث أن موظف البريد المختص يحصل علي توقيع المرسل إليه ويقوم بإثبات ذلك في سجلاته، كما يفيد في إثبات هوية الأطراف.

ويمكن تطبيق تلك المبادئ علي البريد الإلكتروني الموصى عليه بشرط وجود علاقة بين أشخاص ثلاثة هم: المرسل والمرسل إليه والطرف الثالث محل الثقة وهو مقدم الخدمة.

حيث يقوم الراسل بتعيين هويته لدي مقدم الخدمة – الذي يقوم بدور مصلحة البريد – وذلك إما باختيار أسم الدخول وكلمة دخول سرية، أو أن يحصل علي شهادة مصدق عليها من مقدم الخدمة، هذا الأختيار يبلغ للمرسل إليه وذلك في علم الوصول الذي يقدم إليه للتوقيع عليه حتي يرد إليه مره أخري للمرسل، ويقوم مقدم الخدمة بإرسال إيصال للمرسل يثبت حقيقة الارسال و هوية المرسل و عنوان المرسل إليه و ساعة و تاريخ الأرسال البريدي.

وبعد ذلك يرسل مورد الخدمة رسالة إلكترونية إلي المرسل إليه يخطره فيها بأن له رسالة يمكن تحميلها من علي الموقع الإلكتروني الخاص بمورد الخدمة، ويقوم المرسل إليه بالدخول علي هذا الموقع ويبدأ الإجراءات المطلوبة لتعيين هويته بواسطة شهادة التصديق الإلكتروني أو أسم الدخول وكلمة المرور، ويتم اخطار المرسل باختيار المرسل إليه، ثم يضغط هذا الأخير علي أيقونة معينة فيتم تحميل الرسالة، عندئذ يقوم مقدم الخدمة بارسال علما لوصول إلي المرسل مبيناً به تاريخ و ساعة إطلاع المرسل إليه علي الرسالة.

و وفق هذا التصور فإن البريد الإلكتروني الموصى علي يؤدي نفس وظائف البريد التقليدي، بل أنه أفضل منه في أن البريد التقليدي لا يحمل الدليل علي قيام المرسل إليه بقراءته بالرغم من تسلمه له، في حين أن البريد الإلكتروني الموصي عليه يقدم إمكانية إثبات أن المرسل إليه تسلمه وقام بفضه وقراءاته وساعة وتاريخ القراءة.

ومن أجل ذلك تدخل المشرع الفرنسي بالقانون الصادر في ۲۱ يونيه ۲۰۰٤ الخاص بالثقة في الاقتصاد الرقمي، والذي أعطي للحكومة سلطة إصدار الأوامر الخاصة بتعديل النصوص المطبقة بهدف الوصول إلي إبرام العقود بالطريق الإلكتروني، وإعمالاً لذلك، صدر المرسوم رقم ٦۷٤/۲۰۰۵ في ۱٦ يونيه ۲۰۰۵، والذي سمح باتمام بعض الشكليات التي يستلزمها القانون بطريق إلكتروني، وأصبح البريد الإلكتروني الموصي عليه معترفاً بهمن الناحية التشريعية، ونص المشرع الفرنسي في المادة ۱۳٦۹/۸ من القانون المدني عليأن الخطاب الموصي عليه والخاص بإبرام العقد أو تنفيذه يمكن إرسالة بالبريد الإلكتروني.

ولذلك يجب علي المشرع المصري أن يتدخل بتعديل تشريعي ينظم البريدالإلكتروني الموصى عليه ويبين حجيته القانونية وقوته الثبوتية، لا سيما مع تزايد الأفراد في استخدام البريد الإلكتروني في التعامل واتجاه الدولة نحو نظام الحكومة الإلكترونية …