إنتهاء عقد العمل في القانون العراقي

إنتهاء عقد العمل في القانون العراقي

يختص قانون عقد العمل كقاعدة عامة بحكم المسائل الداخلة ضمن انتهاء العقد. وسعياً للايجاز سنتطرق فقط الى المسائل المرتبطة بانهاء العقد التي يثور بصددها صعوبة في تحديد القانون الواجب التطبيق، اما المسائل الاخرى المتعلقة بالانتهاء كوفاة العامل او مرضه، فهذه لا تثير اشكالاً إذ يطبق بشأنها كقاعدة عامة قانون عقد العمل. وعلى هذا النحو سنتناول تباعا تحديد نطاق قانون عقد العمل فيما يتعلق بالانهاء المبتسر لعقد العمل محددة المدة، والانهاء التعسفي للعقد غير محدد المدة، والتقادم.

اولاً: الانهاء المبتسر لعقد العمل محدد المدة.
يراد الانهاء المبتسر، انهاء عقد العمل المحدد المدة بارادة منفردة من قبل احد اطرافه قبل حلول الاجل المحدد لانتهائه، وبدون عذر قانوني. فدعوى التعويض عن الانهاء المبتسر التي يرفعها المتعاقد الذي وقع الانهاء تجاهه – سواء كان عامل ام صاحب عمل – تخضع بشكل عام لقانون عقد العمل المتمثل على نحو ما تم ذكره بقانون مكان التنفيذ. واساس تطبيق قانون العقد في هذا الفرض هو ان مسؤولية المتعاقد في الانهاء المبتسر مسؤولية عقدية. وليست تقصيرية، لذا فانها لابد وان تخضع للقانون الذي يحكم العقد.

ثانياً: الانهاء التعسفي لعقد العمل غير محدد المدة.
قد يبرم طرفا عقد العمل – العامل وصاحب العمل – العقد من دون ان يحددا اجلاً معينا لانتهائه. ففي هذا العقد يحق لكل من طرفيه – من حيث الاصل – انهاؤه بالارادة المنفردة، وذلك حفاظاً على مصلحة العامل بالدرجة الاساس ومنعاً من تأبيد تبعيته لصاحب العمل. واذا كان الاصل هو جواز انهاء عقد العمل غير محدد المدة بإرادة احد طرفيه. إلا ان المشرع قد حدد شروطا معينة لهذا الانهاء. حيث اشترط وجوب توجيه انذار لمدة محددة نص عليها القانون. قبل قيام العامل او صاحب العمل بانهاء العقد بصورة فعلية. كما ويجوز انهاء عقد العمل غير محدد المدة من قبل العامل او صاحب العمل كذلك اذا كان هناك عذر مشروع او أي سبب قانوني آخر يبرر هذا الانهاء. وعلى هذا النحو فان صاحب العمل اذا ما قام بانهاء عقد العمل غير محدد المدة من دون عذر قانوني مشروع يبرر هذا الانهاء فانه، واستناداً للقواعد العامة – يعد متعسفا في استعمال حقه. وهو ما يسمى بالانهاء التعسفي للعقد. وهنا يثور التساؤل عن القانون الواجب التطبيق على هذا الانهاء؟ ان الاجابة عن هذا التساؤل تختلف بحسب تكييف المسألة مدار البحث أي هل ان الانهاء التعسفي يعد مسؤولية تقصيرية يرجع بشأنها لقانون مكان وقوع الفعل المنشئ للالتزام، ام انها مسؤولية عقدية تخضع لقانون العقد، ام انها مصدر مستقل من مصادر المسؤولية اساس الالتزام بها هو القانون. فاذا ما تم اعتبار الانهاء التعسفي للعقد …. داخلا ضمن نطاق المسؤولية التقصيرية باعتباره تطبيقا من تطبيقات الخطأ التقصيري وفقاً لما يذهب اليه الرأي السائد في بلاد الفقه اللاتيني كفرنسا ومصر . فان ذلك يترتب عليه اخضاع دعوى التعويض عن الانهاء التعسفي لعقد العمل الى القانون المحلي، أي لقانون محل وقوع الفعل المنشئ للالتزام بوصفه القانون المختص في دعاوى المسؤولية التقصيرية. والذي يتمثل في هذا الفرض بقانون المكان الذي حدث فيه الفعل الذي ترتب عليه انهاء العقد. اما بصدد الرأي الثاني والذي يذهب الى ضرورة اخضاع دعوى التعويض عن الانهاء التعسفي لقانون عقد العمل، فهو يستند الى ان اساس الدعوى يكمن في المسؤولية الناجمة عن الاخلال بالعقد وبالتالي فان المسؤولية المترتبة عنه هي مسؤولية عقدية. بالاضافة الى ذلك فان هذا الحل يضمن على نحو افضل وحدة القانون الواجب التطبيق بشأن الدعاوى المتعلقة بإنهاء عقد العمل، مما يتحقق معه التوافق والانسجام بين كافة الاحكام المرتبطة بعقد العمل محل البحث. كما انه يستجيب لمتطلبات التنظيم الأمر للقواعد المتعلقة بالتعويض عن الانهاء التعسفي. في حين يتجه رأي ثالث – وهو الاصوب – الى تكييف التعسف في استعمال الحق (الانهاء التعسفي لعقد العمل) بأنه مصدر مستقل من مصادر المسؤولية، باعتبار ان هذا الموضوع عادة ما يعالج في الباب التمهيدي من الالتزامات في القانون المدني – كما هو الحال في القانون العراقي والمصري – مما يدلل على ان هذه النظرية تعد نظرية عامة تنطبق على جميع التصرفات القانونية وليست تطبيقاً خاصاً من تطبيقات الخطأ التقصيري في المسؤولية التقصيرية. وعلى هذا فان التعسف في استعمال الحق الذي يكون منشأه تعاقدي، كما هو الحال في انهاء عقد العمل من جانب واحد انهاءً تعسفياً، يرتب مسؤولية عقدية. باعتبار ان الانهاء التعسفي للعقد يعد بمثابة اخلال بتنفيذ الالتزامات المترتبة بموجبه، وهو ما يتنافى مع مبدأ حسن النية السائد في العقود، مما يتحقق معه شروط الخطا العقدي الذي يوجب المسؤولية العقدية. وبما ان هذه المسؤولية تدخل في مضمون فكرة العقود لذا فهي تخضع للقانون الذي يحكم العقد، وهذا القانون كما سلف بيانه هو قانون مكان تنفيذ العمل. وبهذا الاتجاه اخذت العديد من الدول منها انكلترا وبلجيكا وهولندا. واياً كان امر الحلول السابقة فهي بالرغم من اختلافها في تكييف فكرة التعسف في استعمال الحق، إلا انها قد اتفقت من حيث النتيجة بشأن القانون الواجب التطبيق عليها بخصوص دعوى التعويض عن الانهاء التعسفي لعقد العمل محل البحث، حيث انتهت الى تطبيق قانون مكان تنفيذ العمل سواء أكان مصدر الالتزام مسؤولية تقصيرية باعتباره المكان الذي تم فيه انهاء العمل، ام كان مصدره مسؤولية عقدية باعتبار ان الانهاء التعسفي يدخل في مضمون الفكرة المسندة للعقد، او بوصفه يمثل مصدراً مستقلاً من مصادر المسؤولية ناشئاً بسبب التزام عقدي باعتباره شرطاً عقدياً يخضع لقانون العقد. ويلاحظ بأن تطبيق قانون مكان التنفيذ على المسالة مدار البحث يتناسب بطبيعة الحال مع وحدة الحلول المتطلبة بشان القانون المختص بحكم عقود العمل. وعلى ذلك يتم الرجوع الى قانون عقد العمل بكل ما يتعلق باسباب انهاء العقد وفي تقدير الصفة التعسفية للفسخ، وتقدير مبلغ التعويضات المترتبة على الانهاء او الفصل، كتعويض مهلة الانذار. وقياس الضرر الموجب للتعويض .

ثالثاُ: التقادم المسقط للحقوق والتعويضات .
يدخل في نطاق انتهاء عقد العمل مسألة التقادم المسقط للحقوق المترتبة للعامل قِبل صاحب العمل . مما يبرر بحث هذا الموضوع ضمن دراستنا لانهاء عقد العمل . أن مسالة القانون الواجب التطبيق على التقادم قد أُختلف بشأنها ؛حيث يتجه القضاء الانكلوسكسوني الى اعتبارها من مسائل الاجراءات لذا فهم يخضعونها لقانون القاضي. بينما يذهب اخرون الى اعتبار التقادم من مسائل الموضوع المرتبطة بالحق محل النزاع كونه يمثل طريقة من طرق انقضاء الحقوق، ومن ثم فان القانون الذي يسري بشأنه لابد وان يكون هو ذات القانون الذي يحكم الحق موضوع النزاع. أي قانون عقد العمل. إلا انه يبدو بأن الحل السليم هو الذي ينطلق من تكييف التقادم فاذا ما كُيِّف بوصفه مسألة تتعلق بالموضوع، فان الاختصاص يكون لقانون العقد المتمثل بقانون مكان تنفيذ العمل، اما اذا عُدّ التقادم من مسائل الاجراءات، فيخضع عندئذ لقانون القاضي . وفي النهاية لابد من الاشارة الى ان قانون العقد متى ما تعارض مع النظام العام في دولة القاضي الذي ينظر النزاع – أي عندما يكون قانون القاضي اصلح للعامل – فان قانون العقد يستبعد في هذه الحالة ليحل محله قانون القاضي، وذلك تطبيقا لفكرة النظام العام الاصلح للعامل.

 

أحمد صبيح جميل النقاش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *