الغبن في العقود وفقا للقانون والقضاء المصري

الغبن في العقود وفقا للقانون والقضاء المصري.

المادة 129

( 1 ) إذا كانت إلتزامات أحد المتعاقدين لا تتعادل البتة مع ما حصل عليه هذا المتعاقد من فائدة بموجب العقد أو مع إلتزامات المتعاقد الآخر ، وتبين أن المتعاقد المغبون لم يبرم العقد الا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيشا بينة أو هوى جامحا ، جاز للقاضى بناء على طلب المتعاقد المغبون أن يبطل العقد أو أن ينقص إلتزامات هذا المتعاقد.
( 2 ) ويجب أن ترفع الدعوى بذلك خلال سنة من تاريخ العقد ، والا كانت غير مقبولة.
( 3 ) ويجوز فى عقود المعاوضة أن يتوقى الطرف الآخر دعوى الإبطال ، إذا عرض ما يراه القاضى كافيا لرفع الغبن.

الأعمال التحضيرية:

يعتبر الغبن عيبا من عيوب الرضاء يستتبع وجوده بطلان العقد بطلانا نسبياً ، بيد أنه يشترط لذلك توافر أمرين : أحدهما – مادي أو موضوعي ، وهو فقدان التعادل ما بين قيمة ما يأخذ العاقد وقيمة ما يعطي علي نحو يتحقق معه معني الإفراط ، والآخر نفسي أو ذاتي، وهو إستغلال المتعاقد الذي أصابه الغبن وتحسن الإشارة الى ان العقود الاحتمالية ذاتها يجوز ان يطعن فيها على أساس الغبن
مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني – جزء 2- ص 190 وما بعدها

الشرح:-

1 – الغبن هو عدم التعادل بين ما يعطيه العاقد وما يأخذه. وللإستغلال عنصران: احدهما- موضوعى، وهو اختلال التعادل اختلالا فادحا، والاخر نفسى- وهو إستغلال ضعف فى نفس العاقد.

فإذا اختل التوازن فى عقد البيع بين قيمة المبيع والثمن، تحقق العنصر الموضوعى للإستغلال، وفى هذه الحالة يكون الاختلال الفادح واقعا بين إلتزامات احد المتعاقدين وهو البائع وإلتزامات الاخر وهو المشترى، ويقع الاختلال فادحا لا فى عقود المعارضة المحددة فحسب، بل ايضا فى عقود المعاوضة الاحتمالية وفى عقود التبرع ذاتها.

اما العنصر النفسى فى الإستغلال ينحصر فى احد المتعاقدين يستغل فى المتعاقد الاخر طيشا بينا أو هوى جامحا، فكثيرا ما يعتمد رجل طاعن فى السن الى الزواج من امراة لا تزال فى مقتبل عمرها، وليس من النادر ان تعمد الزوجة الى إستغلال هو زوجها، فتكتسبه من العقود لنفسها ولاولادها ما تشاء. ويجب ان يقع الإستغلال من احد المتعاقدين على المتعاقد الاخر وان يكون هذا الإستغلال هو الذى دفع الى التعاقد، ويترتب على ذلك ان إرادة المتعاقد المستغل تكون إرادة غير مشروعة، وان إرادة المتعاقد المغبون تكون إرادة معيبة، ووقوع الإستغلال دافعا الى التعاقد مسألة واقع لا مسألة قانون، وعلى المتعاقد المغبون يقع عبء الإثبات.

ويرتب القانون المدنى فى المادة 129 منه على الإستغلال احدى دعويين: دعوى الإبطال، ودعوى الإنقاص، ويجب ان كل منهما فى خلال سنة من وقت العقد، والسنة ميعادا إسقاط لا مدة تقادم، فلا تنقع ولا تقف بخلاف مدة التقادم التى يرد عليها الإنقطاع والوقف، والحكمة فى ذلك هى الرغبة فى حسم النزاع، فلا يبقى مصير العقد معلقا مدة طويلة على دعوى مجال الادعاء فيها واسع، وفى هذا إستقرار للتعامل، اما دعوى الإبطال للغلط أو التدليس أو الإكراه فهى لا تسقط الا بثلاث سنوات أو بخمس عشرة على حسب الأحوال، وهى مدة تقادم لا ميعاد اسقاط، ذلك ان كلا من الغلط والتدليس والإكراه يستطاع التثبت من وجوده عند رفع الدعوى بالإبطال بأيسر مما يستطاع التثبت من وجود الإستغلال، فلا ضير من ان تطول المدة وان تكون مدة تقادم لا مدة اسقاط…

فإذا اختار المتعاقد المغبون دعوى الإبطال، فإن رأى القاضى ان هذا المتعاقد لم يكن ليبرم العقد اصلا ولولا هذا الإستغلال. اجابة الى طلبه وابطل العقد، وان راى ان الإستغلال يفسد الرضا الى هذا لاحد وان المتعاقد المغبون دون إستغلال كأن يبرم العقد بشروط اقل ابهاظا، رفض إبطال العقد، معارضة كان أو تبرعا، واقتصر على انقاص الإلتزامات الباهظة، اما إذا رفع المغبون دعوى الانقاص من بادئ الأمر أو رفع دعوى الإبطال ولكن القاضى رأى الانتصار على انقاص إلتزاماته، قضى بإنقاص هذه الإلتزامات الى الحد الذى لا يجعلها باهظة، وهذا ايضا موكول لتقدير قاضى الموضوع وفقا لظروف كل قضية(1).

2 – اجاز الفقه الإسلامى الطعن فى العقد بالغبن المجرد فى حالات افترض فيها نشوء هذا التغبن نتيجة تغرير. واجازت التشريعات العربية كذلك الطعن فى العقد للغبن المجرد فى حالات خاصة، ويبدو منها كذلك انها لا تخلو من تغرير، ويلاحظ ان حد الغبن الفاحش فى القانون المصرى والليبى والسورى هو ما يزيد على الخمس كقاعدة عامة، اما حدة فى القانون التونسى فهو ما يزيد على الثلث، اما القانون اللبنانى فقد ترك ذلك للعرف، فالغبن الفاحش فيه هو ما يكون شإذا عن العادة المألوفة(2).

3 – من يدعى وجود الإستغلال عليه إثبات قيام هذه العناصر، وهذا العبء يقع هنا على عاتق المغبون، كما يثبت الوقائع التى أثرت على رضاه والتى دفعته الى قبول العقد، وبمعنى اخر ينبغى ان يثبت طيشه البين وهواه الجامح، والغبن ينبغى الا يكون من ذلك الغبن المألوف أو المسموح به فى المعاملات، بل هو ذلك الغبن الذى يحس به كل ذى ذوق سليم، وينبغى ان ينظر فى تحديد عدم التعادل الى وقت إبرام العقد(3).

4 – ليس الإستغلال الا انتقالا بالغبن من نظرية مادية الى نظرية نفسية، ولكن الغبن اذ يتكون من ركن واحد هو عدم التعادل بين إلتزامات الطرفين على صورة فادحة، يتطلب الإستغلال، بالاضافة الى ذلك، ركنا اخر هو إستغلال المتعاقد ضعف المتعاقد الاخر، ومن هنا كان للإستغلال ركنان: احدهما مادى والاخر نفسى.على انه يجب الانتباه، بدقة وحذر الى ان معنى عدم التعادل فى نظرية الإستغلال ليس ماديا وانما هو شخصى محض، وهذا ما تختلف فيه نظرية الإستغلال عن نظرية الغبن اختلافا تترتب عليه نتائج قد يكون بعضها أثرا لبعض:

فعدم التعادل فى الغبن هو مادى محض فى قيمة الشئ ذاته فى السوق لا فى نظر المتعاقدين، واما فى الإستغلال فهو فى قيمته عند التعاقد، فالقيمة هنا شخصية وليست مادية كما هى فى الغبن، فمقياس اختلال التعادل وان كان ماديا الا ان تحديد مقداره يتصل بشخص المتعاقد، ويترتب على ما تقدم عدم امكان تحديد مقدار عدم التعادل فى الإستغلال برقم محدود وبنسبة معينة كما هو فى الغبن، لان القيمة على ماديتها مادامت شخصية، فمن الطبيعى ان تختلف باختلاف إعتبارات الناس فى تقييم الاشياء، فلا بد من ترك تحديد القيمة وعدم التعادل الى ظروف كل شخص وإعتباراته، وهو ما يقدره القاضى حق قدره،

وما يترتب على ذلك ان يكون الغبن عيبا مستقلا بذاته، وان يكون الإستغلال عيبا من عيوب الرضا، فمادام الغبن فى العقد يتحقق برقم معين من عدم التعادل بين الإلتزامين، فلا صلة ما بينه وبين إرادة المتعاقد المغبون، بخلاف عدم التعادل فى الإستغلال فإنه يرتبط مباشرة برضاء المتعاقد، وقد ينشأ من ذلك ان لا يقع تغبن الا فى عقود المعارضة غير الاحتمالية، دون العقود الاحتمالية وعقود التبرع، لان عدم التعادل برقم معين لا يكون الا فى عقود المعارضة التى تتعين فيها إلتزامات الطرفين وفائدتهما من العقد تعيينا محددا، وهو غير ممكن فى العقود الاحتمالية ولا فى عقود التبرع، اما الإستغلال فإنه يشمل كل العقود بما فيها العقود الاحتمالية وعقود التبرع، فهو اكثر شمولا من الغبن.

ويتألف الركن النفسى من عنصرين: احدهما- العمل الذى يقوم به احد المتعاقدين، وهو الإستغلال والاستثمار، وثانيهما- الوضع الذى يكون عليه المتعاقد الاخر ويستغله أو يستثمره المتعاقد الأول. وقد إتفقت نصوص القوانين: المصرى والسورى والليبى واللبنانى على إستغلال المتعاقد المغبون من المتعاقد الاخر، أو استثماره كما جاء فى القانون اللبنانى، الا انها اختلفت فيما يستغله من الطرف المغبون، فبينما قصرها القانون المصرى والسورى الليبى على حالتى الطيش البين والهوى الجامح، اخذ القانون اللبنانى بالطيش ولم يقيده بأن يكون بينا، واضاف إليه حالتى الضيق وعدم الخبرة، اما القانون العراقى فكان اكثر القوانين العربية فى هذا الموضوع، فقد اضاف الى الطيش والهوى حالات الحاجة وعدم الخبرة وضعف الإدراك، ولم يقيد الطيش بأنه يكون بيناً، ولا الهوى بأن يكون جامحا(4).

5 – اثمرت فكرة الغبن فكرة الإستغلال بعد تطور طويل، تأثر بإعتبارات اقتصادية وإجتماعية وأدبية، فكلما ساد مبدأ الفردية، وما يستتبعه من سيطرة مبدأ سلطان الإرادة، كلما ضاقت فكرة الغبن، وكلما ضعف المذهب المذكور وضعف تبعا له مبدأ سلطان الإرادة إتسعت الفكرة- ولقد إستحدث القانون المدنى المصرى الجديد عيبا للرضا اضافة الى عيوب الرضا التقليدية (الغلط، والتدليس، والإكراه)- ذلك هو الإستغلال (م 129).

ويقع عبء إثبات توافر عنصرى الإستغلال على عاتق الطرف المغبون، وذلك متفق مع قواعد الإثبات العامة لانه هو الذى يتمسك بأن ارادته قد عيبت بالإستغلال، وتقدير توافر العنصرين مرده الى القاضى دون رقابة من محكمة النقض، الا فيما يتعلق بالتكييف القانونى للوقائع المكونة للإستغلال.

لا شك فى ان البطلان الذى يلحق العقد فى حالة الإستغلال هو بطلان نسبى (المذكرة الايضاحية للقانون)، وينبنى على ذلك انه لا يتمسك به الا من شرع البطلان لمصلحته وهو المتعاقد المغبون عملا ينص المادة 138 مدنى، كما ينبنى عليه ايضا ان التمسك بالبطلان لا ينتقل الى الخلف العام أو الخاص أو الدائن، ولا يجوز لهؤلاء ان يتمسكوا به بطريق مباشر، وانما يجوز لهم ذلك عن طريق الدعوى غير المباشرة بإعتبارهم دائنين للتعاقد، وأخيرا ينبنى عليه ان المحكمة لا تستطيع ان تقضى به من تلقاء نفسها إذا لم يتمسك به المتعاقد الذى شرع لمصلحته(5).

أحكام النقض

يشترط لتطبيق المادة 129 من القانون المدنى التى تجيز إبطال العقد للغبن أن يكون المتعاقد المغبون لم يبرم العقد إلا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيشاً بيناً أو هوى جامحاً بمعنى أن يكون هذا الإستغلال هو الذى دفع المغبون إلى التعاقد وتقدير ما إذا كان الإستغلال هو الدافع إلى التعاقد أم لا هو من مسائل الواقع التى يستقل بتقديرها قاضى الموضوع.

الطعن رقم 1862 – لسنــة 59 ق – تاريخ الجلسة 17 / 02 / 1994 – مكتب فني 45 – رقم الجزء 1 – رقم الصفحة 382

المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه يشترط لتطبيق المادة 129 من القانون المدني أن يكون المتعاقد المغبون لم يبرم العقد إلا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيشاً بيناً أو هوى جامحاً بمعنى أن يكون هذا الإستغلال هو الذي دفع المتعاقد المغبون إلى التعاقد وإذ كان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه برفض دعوى الطاعن المبنية على الغبن على أنه لم يدع أن المطعون ضده قد استغل فيه طيشاً بيناً أو هوى جامحاً وأن ما ذهب إليه الطاعن من أن الأخير استغل فقط حاجته وعدم خبرته – بفرض صحته لا يعتبر غبناً في مفهوم المادة 129 من القانون المدني فإنه يكون قد التزم صحيح القانون.

الطعن رقم 713 – لسنــة 48 ق – تاريخ الجلسة 31 / 12 / 1981 – مكتب فني 32 – رقم الجزء 2 – رقم الصفحة 2508 – تم رفض هذا الطعن

يشترط لتطبيق المادة 129 من القانون المدني أن يكون المتعاقد المغبون لم يبرم العقد إلا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيشاً بيناً أو هوى جامحاً بمعنى أن يكون هذا الاستغلال هو الذي دفع المتعاقد المغبون إلى التعاقد. وتقدير ما إذا كان الاستغلال هو الدافع إلى التعاقد أم لا هو من مسائل الواقع التي يستقل بتقديرها قاضي الموضوع.

الطعن رقم 45 – لسنــة 34 ق – تاريخ الجلسة 11 / 05 / 1967 – مكتب فني 18 – رقم الجزء 3 – رقم الصفحة 974

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسيط – 1- الدكتور السنهوري – ط 1952- ص 355- وما بعدها ، وكتابه : الوجيز – ص 138 وما بعدها ، ويراجع : القانون المدني السوري – للاسقاط مصطفي الزرقا – المرجع السابق – ص 107وما بعدها ، والقانون المدني العراقي – الدكتور حسن الدنون -المرجع السابق – 52 وما بعدها .
(2) نظرية الإلتزام – الدكتور عبد الناصر العطار – المرجع السابق – ص 172 وما بعدها.
(3) نظرية الإستغلال في القانون المدني المصري – رسالة – الدكتور توفيق حسن فرج- طبعة 1957- بنودة 82و 91 و 114 و 115.
(4) الإستغلال والغبن في العقود – مقال – للاستاذ أسعد الكوراني المحامي السوري – المحاماه المصرية – السنة 41 العدد 6- ص 922 وما بعدها .
(5) الإستقلال-مقال – للقاضي أحمد سالم الشوري – المحاماه – السنة 35- العدد 2- ص 385 وما بعدها .

اترك تعليقاً