النفقة الواجبة والنفقة المستحبة وفقاً لاحكام الشريعة الاسلامية

النفقة

النفقة هو قدر الكفاية من الإطعام، والكسوة، والمسكن وما يُحتاج إليه من زيادة الكسوة في الشتاء للتدثر يقظة ونوم، الذي يُنفقه الإنسان على نفسه وعلى من تجب عليه نفقتهم أو تستحب.

تعريف النفقة

لغة: قال الراغب الأصفهاني: «نَفَقَ الشَّيْءُ: مَضَى ونَفِدَ يَنْفُقُ، إِمَّا بالبيع نحو: نَفَقَ البَيْعُ نَفَاقاً، والإِنْفَاقُ قد يكون في المَالِ، وفي غَيْرِهِ، وقد يكون واجباً وتطوُّعاً، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿وأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ﴾، وقال: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات».اصطلاحا: قال المحقق الحلي في تعريف النفقة: «قدر الكفاية من الإطعام، والكسوة، والمسكن وما يحتاج إليه من زيادة الكسوة في الشتاء للتدثر يقظة ونوما».

أقسام النفقة

تُقسّم النفقة إلى قسمين:

1- النفقة الواجبة: وجوب النفقة من حيث كونها نفقة لا من حيث توقّف حفظ النفس المحترمة عليها لا يكون إلّا بأحد أسباب ثلاثة:

الزوجيّة.
القرابة.
الملك.

2- النفقة المستحبة: وهي ما تكون لغير الأسباب المتقدّمة، أو تكون لهذه الأسباب ولكن فوق حد الوجوب الشرعي – أي فوق حد الكفاية

من تجب عليهم النفقة

إنَّ النفقة واجبة على الأبوين والأولاد، ويُشترط في الوجوب الفقر والعجز عن الاكتساب، ولا تقدير في النفقة، بل يجب بذل الكفاية من الطعام، والكسوة، والمسكن،

وكذلك تجب النفقة على الزوجة، ومن كانت بحكم الزوجة، وهي المطلقة في العدة الرجعية دون المطلقة بالطلاق البائن، إذا لم تكن حاملا فلا نفقة لها، وكذلك تجب النفقة على العبد المملوك.

1.قال الشهيد الثاني في مسالك الأفهام: «لا خلاف بين أصحابنا في وجوب نفقة كلّ واحدٍ من الأبوين، والأولاد على الآخر».
2.قال المحقق الحلي في شرائع الإسلام: «تجب النفقة على الأبوين والأولاد إجماعاً» وأضاف صاحب الجواهر في ذيل هذا الكلام: «من المسلمين فضلًا عن المؤمنين، ونصوصاً‌ مستفيضةً أو متواترةً».

أدلة وجوب النفقة

ويدل على وجوب النفقة على واجبي النفقة كل من القرآن الكريم والسنة والإجماع:

الدليل الأول: القرآن الكريم

وتدل على وجوبها عدة آيات، ومنها:

1-قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
فلولا وجوب النفقة لم يأمر بإتيان أجورهنّ، فالأمر بإيتاء الأجرة للزوجات المرضعات دليل وجوب نفقة الصبيان على آبائهم، قال في مجمع البيان للشيخ الطبرسي في معنى الآية: فإن أرضعن الولد لأجلكم بعد البينونة فأعطوهنّ أجر الرضاع يعني أجرة المثل».فالآية تأمر بوجوب ردّ الأجرة للمطلّقات؛ لأنّ النفقة لا تكون مشروطة بـالرضاع، بل الزوجة تستحقّها ولو لم تكن مرضعةً؛ ولذا قال الطوسي في المبسوط استشهاداً بهذه الآية لوجوب نفقة الأولاد على آبائهم: «وأراد به المطلّقات دون الزوجات، بدلالة أنه أوجب الأجرة بشرط الرضاع، وهذه صفة المطلّقة؛ لأنّ الزوجة لا تستحقّ الأجرة بشرط الرضاع، ولأنّه سمّاه أجرة، والنفقةُ لا تسمّى بذلك».2 – قوله تعالى: ﴿لٰا تُضَارَّ وٰالِدَةٌ بِوَلَدِهٰا وَ لٰا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾.معنى الآية: لا تضرّ الوالدة ولا الوالد بالولد، وقيل: الضرر يرجع إلى الولد، كأنّه يقول: لا يضارّ كلّ واحدٍ من الأب والأمّ بالصبيّ، الأمّ بأن لا ترضعه، والأب بأن لا ينفق.3- قوله تعالى: ﴿وَلٰا تَقْتُلُوا أَوْلٰادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلٰاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيّٰاكُمْ﴾.أي لا تقتلوا بناتكم خوف فقر، وعجز عن النفقة.قال صاحب الميزان في تفسير القرآن في ردّه على من يقول: إنّ المقصود من الأولاد البنات-: «ولا موجب لحمل الأولاد على البنات مع كونه أعمّ … فالحقّ أنّ الآية تكشف عن سُنّةٍ سيّئةٍ أخرى غير وأد البنات دفعاً للهون، وهي قتل الأولاد من ذكر أو أنثى خوفاً من الفقر والفاقة».وقال الشيخ الطوسي في المبسوط في وجه الاستدلال بالآية: «فلولا أنّ عليه نفقته ما قتله خشية الفقر».

الدليل الثاني: السنة الشريفة

إنَّ النصوص الواردة لبيان هذا الحكم مستفيضة، بل متواترة إجمالًا، ومن أهمها:

1- في الصحيح أو الحسن، عن حريز قال: قلت الصادق عليه السلام: «من الذي أُجبر عليه، وتلزمني نفقتُه؟ قال عليه السلام: «الوالدان والولد والزوجة».
2- وفي الصحيح عن جميل بن درّاج، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «لا يجبر الرجل إلّا على نفقة الأبوين والولد».3- وفي رواية تحف العقول عن الصادق عليه السلام قال: «و أمّا الوجوه الخمس التي تجب عليه النفقة لمن يلزمه نفسه، فعلى ولده ووالديه وامرأته ومملوكه، لازم له ذلك في العسر واليُسر» .

الدليل الثالث: الإجماع

قال بهذا الإجماع الكثير من الفقهاء، ومنهم:

1.قال في رياض المسائل: «فالنفقة على الأبوين، والأولاد لازمة … بإجماع الأمّة».
2.قال السيّد السند في شرح النافع بأنّه قال: «أجمع العُلماء كافّةً على وجوب النفقة على الأبوين والأولاد».3.قال الفاضل الهندي في كشف اللثام: «أمّا النفقة على الأبوين والأولاد فعليه الإجماع»

من هم الأولاد المشمولون بالإنفاق؟

بعد ثبوت وجوب نفقة الأولاد، يقع البحث في أنّه مَن هم الأولاد والصبيان‌ الذين يجب الإنفاق عليهم من قِبل آبائهم؟ هل هم الأولاد الصلبيّون المباشرون أم هم، وفروعهم وإن نزلوا؟

ذهب فقهاء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) إلى ان الذين يجب الإنفاق عليهم هم الأولاد، وفروعهم وإن نزلوا ذكوراً كانوا أو إناثاً،
وذهب لهذا القول أيضا أكثر أهل السنة من الحنفية والشافعية والحنابلة خلافا للمالكية الذين ذهبوا إلى أن الأولاد الذين تجب نفقتهم هم الأولاد المباشرون لا فروعهم.

أدلة وجوب النفقة على فروع الأولاد

استدلوا على كون الأولاد الذين تجب النفقة عليهم هم الأولاد، وفروعهم وإن نزلوا ذكوراً كانوا أو إناثاً بـالإجماع، والسيرة القطعيّة من السلف والخلف، بل بعنوان الحكم المتّفق عليه عند الشيعة، قال في الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة: «لا خلاف ولا إشكال في‌ وجوب النفقة على الأبوين، وإن ارتفعا والأولاد وإن سفلوا، ولم يظهر من أحد من الأصحاب خلاف في ذلك إلّا ما يتراءى من تردّد المحقق الحلي في الشرائع، والنافع ،
ثمّ جزم بعد ذلك بالحكم المذكور، ووافق قول المشهور».قال السيّد السند في شرح النافع: «أجمع العلماء كافة على وجوب النفقة على الأبوين والأولاد – إلى أن قال- وهل يتعدّى الوجوب إلى من علا من الآباء، والامّهات أو سفل من الأولاد؟ المشهور بين الأصحاب ذلك، بل لم أقف فيه على مخالف صريح أو تردّد سوى المصنّف، وكأنّ منشأ التردّد من الشكّ في صدق الآباء والأمّهات والأولاد على مَن علا أو سفل منهم بطريق الحقيقة، وهو في محلّه وإن كان الأقرب وجوب النفقة على الجميع».قال صاحب الجواهر: «أنّ وجوب الإنفاق يشمل الجدّ والجدّة؛ لاستفاضة النصوص على حرمة إعطائهما الزكاة، فإنّه جاء في الصحيح: خمسة لا يعطون من الزكاة شيئاً: الأب والامّ والولد والمملوك والمرأة؛ وذلك أنّهم عياله لازمون له»، … وكذا الكلام في أولاد الأولاد، ولو البنات منهم وإن نزلوا، الذي لم‌ يتردّد فيهم المصنّف، بل يدلّ على الإنفاق عليهم – مضافاً إلى ما سمعت – قوله تعالى: ﴿وَلٰا تَقْتُلُوا أَوْلٰادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلٰاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّٰاكُمْ﴾. هذا كلّه بعد تسليم عدم انصراف إطلاق الوالدين والأبوين والولد لمن علا وإن نزل، وإلّا كما أوضحناه في كتاب الخمس، فلا إشكال حينئذٍ في أصل المسألة، ولعلّ المقام من الشواهد لما ذكرناه هناك أيضاً، واللّٰه العالم».

وعلى كلّ حالٍ الإجماع القطعي الكاشف عن قول المعصوم عليه السلام هو دليل هذا الحكم، مضافاً إلى أنّ إطلاق الولد على ابن الابن وإن نزل حقيقي في المحاورات، ألم يُقل للإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام): «ابنا رسول اللّٰه Mohamed peace be upon him.svg»؟ وهل يخطر ببال أحد حين يسمع إطلاق «ابنا رسول اللّٰه Mohamed peace be upon him.svg» عليهما كان مجازياً؟!

وهكذا جاء في القرآن العظيم: ﴿يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلٰادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾،

وقد دلّت هذه الآية على أنّه لا فرق بين الأولاد الصلبيّين المباشرين وغيرهم، مثلًا إذا مات شخص ولم يكن له سوى أولاد ابنه أو بنته، فهل يشكّ أحد بأنّهم لم يكونوا أولاده حقيقة؟ بل يَرِثون منه كما لو كانوا أولاد نفسه بلا واسطة، ولا فرق بين الموردين.

وعلى كلّ حال كفانا في هذه المسألة الإجماع في المذهب. فعلى هذا يجب على الإنسان نفقة والديه وإن علوا وأولاده سيّما الصبيان وإن نزلُوا، يعني الصبيان من أولاده وأولاد أولاده وهكذا.

النفقة على المطلقة

إنَّ المطلقة على قسمين، وهما:

1.الرجعية.

2.البائن.

نفقة المطلقة الرجعية

لقد اتفقت كلمات فقهاء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) على ثبوت النفقة للمطلّقة الرجعية كما تثبت للزوجة، وهذا ظاهر في كلماتهم، ومنها:

1.ابن ادريس الحلي: «ويجب عليه النفقة في عدّة الطلاق الرجعي، ولا يجب في عدّة البائن إلا أن تكون حاملا، فإنّ النفقة تجب على الزوج لها بلا خلاف».
2.الشهيد الثاني: «الثانية: نفقة الرجعيّة لازمة في زمان العدّة، وكسوتها، ومسكنها يوما فيوما، مسلمة كانت، أو ذمّية.».

نفقة المطلقة البائن

لقد اتفق فقهاء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) على ان المرأة المطلّقة طلاقا بائنا لا نفقة، ولا سكنى لها إلا ان تكون حاملا، ومن أقوالهم في المقام:

1.الشيخ المفيد: «ولا نفقة للمطلّقة على العدة بعد التطليقة الثالثة إلا أن تكون حاملا».
2.الشيخ أبو الصلاح الحلبي: «ونفقة عدة الطلاق الرجعي واجبة، ولا تجب للبائن الا أن تكون حاملا».

من تستحب عليهم النفقة

قال المحقق الحلي في الشرائع: «ولا تجب – أي النفقة – على غير العمودين من الأقارب، كالإخوة والأعمام والأخوال وغيرهم، لكن تستحبّ، ويتأكّد في الوارث منهم».

دليل استحباب النفقة لمطلق الأرحام

1.قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللّٰهَ الَّذِي تَسٰائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحٰامَ﴾.
2.روی عن السكوني، عن الصادق (ع)|أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: «سئل رسول اللّٰه Mohamed peace be upon him.svg: أيّ الصدقة أفضل؟ قال: على ذي الرحم الكاشح».3.مرفوعة زكريا المؤمن عن الصادق عليه السلام قال: «من عال ابنتين أو أختين أو عمّتين أو خالتين حجبتاه من النار بإذن اللّٰه».فعلى هذا إذا جمعنا بين هذه النصوص، والنصوص التي تحكم بعدم جواز إيتاء‌ الزكاة لمن هو واجب النفقة من ناحيةٍ، و بجواز الزكاة على العمّ والعمّة والخال والخالة وأولادهم من ناحيةٍ أخرى نحكم باستحباب النفقة على الأقارب وصبيانهم.