توسع القضاء في نظرية الضرورة الإجرائية.

(١)نظرية الضرورة من النُظم القانونية العامة التي لها الأثر الواضح في إضفاء المشروعية على بعض الأعمال المخالفة للقانون،وجوهرها واحد في مختلف فروع القانون،وإن اختلفت تطبيقاتها باختلاف المصالح التي يحميها وينظمها كل فرع من هذه الفروع،

وهي في جميع الأحوال تقوم على ركنين

أولهما :موضوعي يتمثل في قيام خطر ملجئ يهدد إحدى المصالح المحمية،

وثانيهما:شخصي يتمثل في رد الفعل تجاه الخطر لحماية المصلحة المهددة، ودرء الضرر عنها وهو ما يسمى بالعمل الضروري.

ولقد حظيت فكرة الضرورة باهتمام أغلب فروع القانون،حيث تضمنت نصوصاً عامة تحدد شروطها وتٌبيّن أثارها،وبالتالي فإن شرعيتها مستمدة من تلك النصوص التي نظمتها وأوضحت احكامها.

أما في الإجراءات الجنائية فالأمر مشكل حيث لم تنص التشريعات الإجرائية على إعمال الضرورة كمبدأ عام، بل أوردت عدة تطبيقات لها في بعض النصوص المتفرقة.

ولأ يمكن اعمالها كقاعدة عامة ذلك أن جوهر النظرية في الإجراءات الجنائية أنها تقوم عندما يكون هناك خطر يهدد مصلحة المجتمع في كشف الحقيقة في شأن الجريمة ويقتضى الأمر لإنقاذ تلك المصلحة مخالفة الضمانات المقررة لحماية المتهم.

وهو أمرا محفوف بالمخاطر إذ يتكفل قانون الإجراءات الجنائية بوجه عام بإقامة التوازن بين حق المجتمع في العقاب وملاحقة الجناة وبين حماية المتهم من خلال السماح بمباشرة بعض الاجراءات الماسة بالحقوق والحريات ولكن مع احاطتها بضمانات تحول دون التعسف في اتخاذها

بل أن الدستور في العديد من الحالات يسلب من المشرع في قانون الإجراءات الجنائية مكنه تقييد بعض الحقوق والحريات ويستاثر هو بتنظمها وهذا واضح في احوال القبض والتفتيش والتنصت علي المحادثات وضبط الرسائل الإليكترونية.

في حين أن الضرورة أو ما يصطلح كثير من الفقهاء وقضاء النقض علي تسميتة بنظرية “الضرورة الإجرائية” فحواها التغاض عن الضمانات الإجرائية المقرره لصالح المتهم متي توافرت حالة ضرورة بحيث يعد إجراء مخالف للقانون وينتهك ضمانات المتهم مشروعا متي تحقق خطر بصوالح المجتمع يجعل اتخاذة لازم.

(٢)والملاحظ توسع القضاء في تلك النظرية يساعدة في ذلك عدم تنظيم المشرع لها بنصوص صريحة في قانون الإجراءات الجنائية لدرجه يمكن معها القول ان تلك النظرية أن لم يتم ضبطها وتحديدها فإنها ستؤدي الي هدم الضمانات الإجرائية المقرره لصالح المتهم.

فعلي سبيل المثال تجيز محكمة النقض لرجل الضبط القضائي تجاوز حدود اختصاصة المكاني عند مطاردة متهم لضبطه وتفتيشه وتصف ذلك بانة ظرف اضطراري تبرره الضرورة

(الطعن رقم ٤٦٧٩٣ لسنة ٧٥ قضائيةالصادر بجلسة ٢٠١٠/١٢/٠٦؛الطعن رقم ٥٩٢٨٣ لسنة ٧٣قضائيةالصادر بجلسة ٢٠١٠/٠٢/٢١)

وتجيز للمحقق استجواب المتهم دون محام بسند الضرورة لغلق نقابة المحامين

(الطعن رقم ١٠٠١٧ لسنة ٨٨ قضائيةالصادر بجلسة ٢٠١٩/١٠/١٠طعن رقم ١٤٤٨٩ لسنة ٨٧ قضائيةالصادر بجلسة ٢٠١٨/٠٦/٢٣)

أو لأن المتهم معترف بالاتهام وكان الوقت متأخرا

(الطعن رقم ٩٧ لسنة ٨٠ قضائيةالدوائر الجنائية – جلسة ٢٠١١/٠٧/١٦)

وتجيز للمحقق كذلك الاستعانة باي رجل من رجال السلطة لكتابة محضر التحقيق عند غياب سكرتير التحقيق للضرورة

(نقض ١٩٥٢/١١/٢٤مجموعة أحكام النقض س٤رقم ٥٥ص١٣٥)

بل تري النقض أن صدور إذن بضبط واحضار المتهم يجيز لرجل الضبط القضائي دخول مسكنة بغيه ضبطه

(الطعن رقم ٤١٢٨ لسنة ٦٧ قضائيةالصادر بجلسة ١٩٩٩/٠٢/٠٧)

وأن صدور إذن بتفتيش شخص يجيز دخول منزله لتنفيذ الإذن ولو لم يتضمن الإذن دخول المنزل واصفة النقض هذا الدخول بأنه عمل مادي اقتضته الضرورة

(الطعن رقم ٣٥١٤٣ لسنة ٦٩ قضائيةالصادر بجلسة ٢٠٠٧/١٠/٠٢؛.الطعن رقم ٩٣١٤ لسنة ٧٠ قضائيةالصادر بجلسة ٢٠٠٧/٠٩/١٣)

وايضا يقر القضاء تمديد وتجديد الحبس الاحتياطي دون حضور وسماع أقوال المتهم أن تعذر حضورة لأسباب أمنية أو لوجود اضطرابات وأزمات دون فحص كل حالة علي حد واستطلاع صالح المتهم في عدم احضارة من محبسه

(د.ياسر الأمير فاروق-الحبس الاحتياطي علما وعملا-٢٠١٨-ص٣٧٦).

(٣)والواقع أنه ليس بوسع فقيه أن يعترض علي نظرية الضرورة الإجرائية ولكن الاعتراض في اطلاقها دون ضوابط أو سند دستوري وقانوني. وهو ما لم يلاحظه الفقه والقضاء وأن بدا لقلة من الفقهاء توسع القضاء في تطبيق النظرية بما لا يتفق مع طبيعة الضرورة ذاتها باعتبار أنها تقدر بقدرها

(د.احمد فتحي الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية-الجزء الأول-٢٠١٦-ص٤٦٥؛د.محمد زكي أبو عامر-الاجراءات الجنائية-٢٠١٤-ص٢٥٤).

وما نراه أنه يجب الرجوع إلى الدستور والقانون لاستخلاص نظرية عامة للضرورة الإجرائية.ونلتمس في هذا الشأن نص المادة ٥٨ من دستور ٢٠١٤فهذه المادة تحظر في غير أحوال الخطر والاسثغاثة مدخول المنازل أو تفتيشها دون أمر قضائي مسبب وكذلك المادة ٤٥من قانون الاجراءات تحظر هذا الدخول في غير الأحوال المصرح بها قانونا إلا في أحوال طلب المساعدة من الداخل والحريق أو الغرق أو الاستغاثة أو ما شابة ذلك.

ولا شك أن هاتين المادتين تقرا حالة الضرورة ولم تحصرها بدلالة عبارة أو ماشابة ذلك .ولكن الناظر المدقق في النص الدستوري ونظيرة الإجرائي يلحظ أن حالات الضرورة الواردة فيهما ليست مطلقه وانما متعلقة بدفع ضرر لصالح صاحب المنزل وليس بجلب مضرة ووبال علية بالقبض عليه وتفتيشه.

وبالتالي فإنا اقبل الضرورة متي توافرت شروطها العامة وهي كون الاجراء المتخذ هو الوسيلة الوحيدة حينما تدفع خطر عن المتهم سواء وجد نص من عدمة.ولهذا فإن محكمة النقض كانت موفقة حين اجازة دخول منزل شخص دون أذن لوجوده في حاله اغماء وحده في منزله رغم أنه تكشفت من الدخول جريمة احراز مخدر

(الطعن رقم ٦٤٠١١لسنة ٧٦ قضائية الصادر بجلسة ٢٠٠٧/٠٥/٠٢)

وأيضا كانت محكمة النقض موفقة عند تقريرها مشروعية تفتيش المصابين وفاقدي الوعي في الطرق العامة للتعرف علي شخصيتهم وانقاذهم وكذا عند نقلهم للمستشفيات لو تكشفت جريمة من هذا التفتيش

(الطعن رقم ٦٣٧٠لسنة ٧٥ قضائية جلسة ٢٠١٢/١٠/٢٤)

ولكن علي العكس لم تكن محكمة النقض موفقة حين اجازة دخول المنازل لضبط متهم أو تفتيشه ورتبت عليه صحه كشف جرائم عرضا.

(٤)وتطبق نظرية الضرورة كذلك وفقا لمذهبنا إذا اقر المشرع في القانون بعض تطبيقاتها كدخول المنازل والمساس بحقوق وحرمات الناس متي كان ما أورده القانون كاشف عن الضرورة ولكن مع الاتزام الصارم بالضوابط الواردة فيه لاسيما إذا كانت ضد صالح المتهم.

من ذلك المادة ٣٧من قانون الإجراءات الجنائية التي اجازت لاحاد الناس ضبط المتهم المتلبس بالجريمة والمادة ٧٧من قانون الإجراءات الجنائية التي تجيز اجراء التحقيق في غيبة المتهم عند الضرورة والاستعجال وكذا المادة ١٢٤ التي تجيز استجواب المتهم دون محام عند السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة.

وكذا المادة ٧١التي تجيز لمامور الضبط القضائي المندوب لاجراء معين من اجراءات التحقيق في الأحوال التي يخش فيها فوات أن يباشر اي اجراء آخر ولو كان استجواب المتهم متي كان متصلا بالاجراء المندوب له ولازما لكشف الحقيقة والمادة ٧٠ التي تجيز للقاض المندوب عند الضرورة أن يكلف أحد أعضاء النيابة العامة أو مأمور الضبط القضائي بتكليف ما ندبه له. والقانون رقم ١٣٧لسنة ١٩٥٨بشان مكافحة الأوبئة والأمراض الذي يجيز لرجال الضبط القضائي من مندوبي الصحة دخول المنازل عند الاشتباة في وجود مرض للبحث عنهم وتطعيمهم أو عزلهم ورش المنازل.

(٥)واذا ما تلمسنا نظرية الضرورة الإجرائية في دخول المنازل لتنفيذ أذون الضبط والتفتيش حال غياب نص يجيز ذلك وفي ضوء الدستور الذي حظر مجرد الدخول دون أذن قضائي مسبب نجد مدي توسع محكمة النقض في تطبيق نظرية الضرورة إذ قضاؤها مطرد حسبما اسلفنا علي جواز دخول المنازل للقبض علي المتهم وتفتيشة وتصف ذلك بانة تعقب للمتهم وتستند إلي نص المادة ٤٥ من قانون الإجراءات الجنائية التي سمحت لرجال السلطة العامه بهذا الدخول عند طلب المساعدة والحريق والغرق وما شابه ذلك وتري أن عله أجاز الدخول في النص حاله الضرورة ومن ثم صح عند النقض مد الحكم وهو الدخول عند تعقب متهم صدر إذن بضبطة وتفتيشه

(قضاء مستقر انظر علي سبيل المثال نقض 1988/12/1 الطعن رقم 696 لسنه 58 ق؛ نقض 2007 /5/3 الطعن رقم 71261 لسنه 76 ق)

ولكن فات علي محكمة النقض انتفاء شروط الضرورة في حالة دخول المنازل لضبط متهم وتفتيشه إذ الضرورة تفترض أن يكون فعل الدخول هو الوسيلة الوحيدة لدرء الخطر وهو فرار المتهم وهومنحسر في هذه الحالة إذ يصح دوما تنفيذ الضبط والتفتيش دون دخول المنازل بمحاصرة منافذ المنزل واستصدار أمر قضائي مسبب بدخول المنزل.وما نراه أن القياس الذي أجرته محكمه النقض فاسد لأن عله اجازه دخول المنازل في المادة٤٥اجراءات ليس مطلق الضرورة وإنما فقط الضرورة التي تدفع خطر حال بالمتهم صاحب المنزل بحسب الأمثلة التي أوردتها هذه المادة ولما كان دخول منزل المتهم للقبض عليه وتفتيشة لايدفع عنه خطر بل علي العكس يجلب خطر تفتيشه وإدانته بما قد يسفر عنه التفتيش لذا فإن القياس يحظر لعدم اتحاد العله.

والخلاصة هنا انه لا يجوز اقتحام المنازل للقبض علي المتهم ولوكان هناك أمر قضائي بالقبض عليه لأنتفاء التلازم بين القبض ودخول المنازل إذ القبض لا يقتضي بحكم اللزوم دخول المنزل .وإنما يلزم دوما صدور أمر قضائي مسبب بالدخول للقبض علي المتهم.ولعل مما يوكد وجه نظرنا أن اتهام شخص بجريمة وصدور أمر بالقبض ضده لا يبيح انتهاك حرمه منزله اذا ان حرمه المنزل مستقله عن شخص صاحبه.

(٦)والخلاصة أن نظرية الضرورة الإجرائية تجد تطبيق مطلق لها إذا كان الاجراء المتخذ في ظرف الضرورة في صالح المتهم أما أنا كان في غير صالحة وجب أن يقره القانون بنصوص صريحة.