خمس طرق لإستيفاء الدين تطبيقا للتقنين المدني المصري

 

طرق وسطى ما بين التحفظية والتنفيذية:
أن هناك طرقا وسطا ما بين التحفظية والتنفيذية . فلا هي مقصورة علي مجرد التحفظ علي أموال المدين كما هو الأمر في الطرق التحفظية ، ولا هي تؤدي مباشرة إلي استيفاء الدائن حقه كما هو الأمر في الطرق التنفيذية . بل هي بين بين . فهي أقوي من الطرق التحفظية إذ هي تمهيد للتنفيذ ، وهي أضعف من الطرق التنفيذية إذ أن التنفيذ يعقبها دون أن تستغرقه ([1]) .

وهذه الطرق ترد جميعها إلى أصل واحد ، هو المبدأ العام الذي تقدم ذكره من أن جميع أموال المدين ضامنة لالتزاماته . فهذا الضمان العام يخول للدائن أن يراقب أموال المدين ، ما دخل منها في ذمة المدين وما خرج ، حتي يأمن علي ضمانه من أن ينتقصه غش المدين أو تقصيره . وهذه الطرق من مباحث القانون المدني لا من مباحث قانون المرافعات ، لأنها تتفرع مباشرة عن مبدأ الضمان العام للدائنين

وقد عدد التقنين المدني الحالي منها خمسة: دعاوى ثلاثاً وطريقين آخرين استحدثهما هذا التقنين:
أما الدعاوى الثلاث فهي الدعوي غير المباشرة والدعوي البولصية ودعوي الصورية . ففي الأولي يدفع الدائن عن نفسه نتائج تهاون المدين أو غشه إذا سكت هذا عن المطالبة بحقوقه لدي الغير ، فيباشر الدائن بنفسه حقوق مدينة نيابة عنه بالدعوي غير المباشرة ، وبذلك يحافظ علي ضمانه العام تمهيداً للتنفيذ بحقه بعد ذلك . وفي الثانية – الدعوي البوليصية – يدفع الدائن عن نفسه نتائج غش المدين إذا عمد هذا إلي التصرف في ماله إضراراً بحق الدائن ، فيطعن الدائن في هذا التصرف ليجعله غير نافذ في حقه ، فيعود المالي إلي الضمان العام تمهيداً للتنفيذ عليه . وفي الثالثة – دعوي الصورية – يدفع الدائن عن نفسه نتائج غش المدين أيضا إذا عمد هذا إلي التظاهر بالتصرف في ماله ليخرجه من الضمان العام بتصرف صوري ، فيطعن الدائن في هذا التصرف بالصورية حتي يكشف عن حقيقته ، ويستبقي لذلك مال المدين في ضمانه العام تمهيداً للتنفيذ عليه بحقه . فالدائن في هذه الدعاوي الثلاث إما أن يبقي في ضمانه العام ما كاد أن يخرج بالدعوي غير المباشرة ، وإما أن يعيد ما خرج بالدعوي البوليصية ، وإما أن يستبقي ما لم يخرج إلا ظاهراً بدعوي الصورية . ونري من ذلك أن هذه الدعاوي الثلاث تتركز كلها في فكرة الضمان العام للدائنين ([2]) .
وهناك طريق رابع استحدث فيه التقنين المدني تجديداً ، هو حق الدائن في حبس مال المدين . وهذا أيضا إجراء ما بين التحفظي والتنفيذي فهو أقوي من التحفظي لأن الدائن إنما يتخذه تمهيداً للتنفيذ بحقه وهو أضعف من التنفيذي لأن الدائن لا يستطيع الوقوف عند حبس مال المدين ليستوفي حقه بل عليه بعد ذلك أن يتخذ إجراءات التنفيذ علي المال المحبوس .

ويلاحظ أن هذه الطرق الأربعة – الدعوي غير المباشرة والدعوي البوليصية ودعوي الصورية والحق في الحبس – كلها إجراءات فردية ، يتخذها كل دائن بمفرده ولحسابه الشخصي . ثم هي إجراءات ليس من شأنها أن تغل يد المدين عن ماله ، فلا يزال المدين يستطيع التصرف فيه ، ومباشرة جميع حقوقه عليه .

والطريق الخامس هو أيضا إجراء فردي ، يتخذه أي دائن بمفرده ، ولكنه إجراء من شأنه أن يغل يد المدين عن ماله ، وذلك هو شهر إعسار المدين . فقد تكفل التقنين الحالي – علي خلاف التقنين السابق وأكثر التقنينات اللاتينية – بتنظيم إجراءات هذا الإعسار ، حتي يستطيع الدائن من وراء ذلك أن يستوفي حقه من أموال مدينة دون أن يخشي غش المدين أو تهاونه . فإجراءات الإعسار هي أيضا تقوم علي فكرة الضمان العام للدائنين ، وهي إجراءات أقوي من الإجراءات التحفظية إذ هي تل يد المدين عن التصرف في ماله ، وأضعف من الإجراءات التنفيذية إذ لا تكفي وحدها للوفاء بحق الدائن ، بل لابد للدائن من اتخاذ إجراءات تنفيذية لاستيفاء هذا الحق من أموال المدين الذي شهر إعساره .

إذن متعاقبة هذه الطرق الخمسة:
(1) الدعوي غير المباشرة ( action oblique indirecte ) ونذيلها بالدعوي المباشرة ( action directe ) .
(2) الدعوي البولصية ( action paulienne révocatoire )
(3) دعوي الصورية ( action en simulation )
(4) الحق في الحبس ( droit de rétention )
(5) الإعسار ( déconfiture )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] بلانيول وريبير وردوان 7 فقرة 893 ص 227 – جوسران 2 فقرة 659 – دي باج 3 فقرة 177 .
[2] وكان المشروع التمهيدي يشتمل علي نص ، هو المادة 313 من هذا المشروع ، وكانت تجري علي الوجه الآتي : ” يجوز للدائن بما له من الحق علي أموال مدينه ، أن يستعمل حقوق هذا المدين . وله أيضا أن يطعن في تصرفاته إذا انطوت علي الغش أو كانت صورية . وعليه أن يراعي في كل ذلك القواعد المنصوص عليها في المواد الآتية ” . وجاء في المذكرة الإيضاحية في صدد هذا النص : ” يترتب علي ضمان أموال المدين لحقوق دائنيه ، وفقا للمبدأ الذي تقدمت الإشارة إليه ، أثر عمل بالغ الأهمية . وهذا بذاته يعتبر بمنزلة الأصل والعلة من دعاوي ثلاث ، شرعت لتتيح لكل دائن من الدائنين أن يدراً عن حقوقه ما قد ينالها من جراء إهمال المدين أو سوء نيته : وهي الدعوي غير المباشرة والدعوي البوليصية ودعوي الصورية فالدائن إذا استعمل حقوق مدينه ، أو طعن في تصرفاته المعقودة إضرارا به ، حقيقية كانت تلك التصرفات أو صورية ، لا ينتهي نشاطه إلا إلي المحافظة علي أموال هذا المدين ، وهي قوام ما كفل له القانون من ضمان ” .
وقد حذفت لجنة المراجعة هذا النص ، لأنه مجرد تعداد لما سيأتي ( انظر في كل ذلك مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 607 هامش قم 1 ) .