صيغة لائحة اعتراض على حكم بإدانة سيدة في قضية عقوق

صيغة لائحة اعتراض على حكم بإدانة سيدة في قضية عقوق.

لائحة اعتراضية

على الحكم رقم ……….. وتاريخ ………..، في الدعوى الجزائية العامة رقم ………..، من الدائرة …………؛ مقدمة من المدعى عليها/ ………، حيث قضى الحكم محل الاعتراض بما نصه:-(… و بعد التأمل و الدراسة و لما تقدم من الدعوى و الإجابة و الإقرار المدعى عليها بما جاء في الدعوى و مصادقتها بتكرار تغيبها عن منزل ذويها و سفرها إلى مدينة ……….. دون إذن والدها و لضعف ما دفعت به من مبرر لما أقدمت عليه نظرا لعدم تقديمها أي بلاغ أو شكوى أمام الجهات المختصة لفحص مثل تلك الادعاءات و البلاغات ضد والدها أو من أذاها من أخواتها وغيرهم من أسرتها وعجزها عن إثبات صحة ما دفعت به و بما أن ما أقدمت عليه المدعى عليها طريقا من طرق العقوق و باب من أبواب الفساد و لما جاء بمحضر الاتصال بوالد المدعى عليها وما وصف به ابنته المدعى عليها من الخروج عن طاعته و عصيانه و تمردها عليه و لإقرار المدعى عليها بعدم رغبتها في العودة للعيش مع والدها و إصرارها على الاستقلال في العيش بنفسها و بما أنه لا مبرر لسفرها خارج مكان إقامة ذويها لوحدها ولا مسوغ لبقائها لوحدها بعيدة عن أهلها و لإقرار المدعى عليها بالكتابة في مواقع التواصل الاجتماعي للمطالبة بإسقاط الولاية و تحديد سن الرشد للمرأة و تأييد تلك الشعارات مما يؤكد أن ذلك هو المبرر لها في الخروج من منزل ابيها و ترك العيش مع ذويها و الوصل لمأربها الخاطئة و مقاصدها الممنوعة و بما أن ما أقدمت عليه المدعى عليها مما أقرت به لفعل محرم و عمل مجرم موجب للعقوبة شرعا و نظاما لما فيه من عقوق الوالدين و الانتقاص من قدرهما و الاستهانة بحقهما…) و بما أن ما تطالب به المدعى عليها من حرية تتنافى مع قواعد الشريعة و تتعارض مع الأعراف و التقاليد الإسلامية مما يستوجب منع تلك التجاوزات و الحد من تلك الظواهر الدخيلة و إعمالاً لمقتضى المادة (158) من نظام الإجراءات الجزائية و مما سبق فقد ثبت لدي إدانة المدعى عليها بتكرارا التغيب من منزل ذويها و السفر إلى مدينة الرياض بغير إذن أبيها و الكتابة في مواقع التواصل الاجتماعي بإسقاط ولاية الرجل على المرأة مطلقا و معاقبتها لقاء ذلك بما يأتي :-أولاً:السجن ستة أشهر يحسب منها مدة إيقافها، ثانياً: السجن سنه وستة أشهر مع وقف التنفيذ لمدة ثلاث سنوات…، ثالثاً:إغلاق جميع حسابات المدعى عليها في مواقع التواصل الاجتماعي ومنعها من الدخول إليها بصفتها الشخصية لمدة ثلاث سنوات وعدم تمكينها من إعادة فتح تلك الحسابات بعد انتهاء فترة الحظر).

و بما أن ناظر القضية قد سبَّبَ الحكم محل هذه اللائحة بتسبيبٍ انحرف به عن الوجه الشرعي لما استقرت عليه المبادئ القضائية في هذه الدولة، معطلاً به مقتضى العدالةالجنائية، ولخروجه عن أساس الدعوى المرفوعة، وتزيده على لائحة الإدعاء بالمخالفة للمادة 158 من نظام الإجراءات الجزائية التي استند عليها ، واغتصابه لسلطة النائب العام، ولتوغله في التجريم، ولتعديه على السلطة التنظيمة في الدولة ، ولإخلاله بحق الدفاع بعدم بحث سبب تكرار تغيبها بسبب التعنيف وطرحه البلاغات التي تقدمت بها بشأن تعنيفها وضبط عكس ذلك عليها دون وجه حق، وغيرها من الأسباب التي سنوردها فيما يأتي.

وعن المدة النظامية للاعتراض فيبدأ سريانها من ……….حسب منطوق الحكم، وتقديمه في التاريخ أعلاه خلال مدته فيكون مقبولاً شكلاً، أما عن الأسباب الموضوعية فنوردها فيما يلي:-

أولاً: أساس الدعوى وتزيّد القاضي على لائحة الإدعاء بما يجعل حكمه منعدماً.

حرك الإدعاء الدعوى العامة ضد المدعى عليها باتهامها حسب اللائحة بـ(تكرار تغيبها عن منزل ذويها وسفرها لمدينة ……….. دون إذن والدها)، وذلك بناء على بلاغ تقدم به والدها مستنداً إلى رسائل نصية قامت بإرسالها له نصها التالي: 1-(…)، 2-(…)، وكما هو ظاهر من فحوى الرسائل التي استند عليها والد المدعى عليها في بلاغه أساس الإدعاء؛ أن تغيب المدعى عليها لم يكن لأي غرض سوى أنها تتعرض وبشكل مستمر لأضرار شديدة من قبل ذويها لاسيما إخوتها ……… وهو ما ألجأها إلى ذلك دفعاً لجحيم التعنيف الأسري الذي تتعرض له بشكل مستمر، تقدمت على أثره ببلاغات رسمية عديدة ضدهم لدى …………، لدرجة أنها تقدمت بشكاوى لدى إمارة منطقة ……. ضد مركز ……… لِما لاقته من مجاملتهم لذويها كون أحدهم يعمل به، وصولاً إلى تقديمها خطابات رسمية إلى سيدي خادم الحرمين الشريفين حفظه الله ورعاه، وولي عهده الأمين، وأمير منطقة ……….. ، لإغاثتها مما تتعرض له من عنف أسري بالضرب أحياناً والقذف أحياناً أخرى-مرفق 1 كشف بأرقام البلاغات والبريد للخطابات المشار إليها.

وعلى الرغم من وضوح الدعوى العامة إلا أن القاضي تزَيَّد على لائحة الإدعاء بإضافة وقائع جديدة لم تتضمنها الدعوى وأسس عليها معاقبة المدعى عليها، حيث قرر القاضي في الحكم أن:(المدعى عليها أقرت بالكتابة في مواقع التواصل الاجتماعي للمطالبة بإسقاط الولاية وتحديد سن الرشد للمرأة وتأييد تلك الشعارات مما يؤكد أن ذلك هو المبرر لها في الخروج من منزل أبيها..، والوصل لمآربها الخاطئة ومقاصدها الممنوعة…، وبما أن ما تطالب به المدعى عليها من حرية تتنافى مع قواعد الشريعة وتتعارض مع الأعراف والتقاليد الإسلامية مما يستوجب منع تلك التجاوزات والحد من تلك الظواهر )انتهى.

ورغم أن إجراءات التحقيق أمام النيابة العامة قد تضمنت ما يتعلق بالنشاط المشروع للمدعى عليها في النشاط الاجتماعي العام ، إلا أن النيابة العامة لم تقف عند هذا الأمر البتة ولم تجعله سبباً من أسباب الاتهام ، بل جاء في البرقية العاجلة للنائب العام المرفقة بأوراق الدعوى أنه:(وبدراسة القضية من لجنة المراجعة في دائرة ……….. رأت أن غاية ما يمكن أن يكون محلاً للاتهام في هذا القضية هو واقع التغيب المتكرر عن منزل أهلها)؛ ووجه معاليه بالإفراج عنها وجاء في ذات البرقية مانصه:-(وإحالة القضية إلى الدائرة المختصة لإستكمال التحقيق في واقع تغيبها عن منزل ذويها في ضوء ما دفعت به المذكورة بإنها تتعرض منذ سنتين للضرب والتعنيف وأنه سبق منعها من الزواج من شخص تقدم لها وما ذكره محاميها في استدعائه المرفق بأن لها قضايا مرفوعة على ذويها بسبب تعنيفهم لها).

فالنيابة العامة بحكم سلطتها المخولة لها نظاماً قامت بدراسة القضية ورأت أن غاية ما يمكن أن يكون محلاً للاتهام هو واقعة التغيب، كما رأت استكمال التحقيق في واقعة التغيب في ضوء تعرض المدعى عليها للتعنيف منذ سنتين وتعرضها للضرب من ذويها وتقديمها بلاغات رسمية بشأن ذلك، فلو كان ما ذهب إليه القاضي مصدر الحكم صحيحاً لكان أولى بالنيابة العامة استعماله بحكم اختصاصها الأصيل لكنها لم تفعل لخلو نشاط المدعى عليها في مجال حقوق المرأة من أي اتهام، ولعدم تعارض ( المطالبة بالحقوق ) مع الشرع أو النظام، فإن ناظر القضية والحالة هذه قد اغتصب سلطة النائب العام الذي التفت –عالماً -عن إدراج نشاط المدعى عليها في مجال ” حقوق ” المرأة كاتهام؛ لعدم اعتباره فعلاً محظوراً شرعاً أو نظاماً من حيث الأصل، لكن القاضي أضَافَه كاتهامٍ جديد في الدعوى ليُبرر تغيب المدعى عليها ومن ثم معاقبتها، في حين أن ممارسة المدعى عليها لحقها فيما تطالب به لا يستلزم مطلقاً الخروج أو التغيب عن بيت ذويها، لأن هذا الأمر غير متصور عقلاً ولا منطقاً، أو أن يكون هو سبب خروجها، لكن التعنيف والإيذاء الذي دأب عليه ذوو المدعى عليها تجاهها هو الذي يتسق مع العقل والمنطق؛ لاسيما ثبوت تقديمها لبلاغات رسمية سابقة على الدعوى الماثلة تفيد ذلك وفقاً لأرقام وتواريخ البلاغات والخطابات الرسمية الموجهة لولاة الأمر والمرفقة طي هذه اللائحة. ولا يغير من صحة ما ذهبنا إليه ما جاء في المادة 158 من نظام الإجراءات الجزائية و التي تنص على أنه: (لا تتقيد المحكمة بالوصف الوارد في لائحة الدعوى، وعليها أن تعطي الفعل الوصف الذي يستحقه ولو كان مخالفاً للوصف الوارد في لائحة الدعوى، وإذا جرى التعديل وجب على المحكمة أن تبلغ المتهم بذلك)،فهذا النص يخول المحكمة عدم التقيد بوصف الواقعة المرفوعة بها الدعوى، ومثالها أن تقوم المحكمة بتعديل وصف التغيب إلى هروب مثلاً، أو حيازة المخدر لقصد التعاطي أو الاتجار مثلاً، وذلك بعد تمحيصها للواقعة محل الاتهام، فالتعديل ينصب على فعل واحد لم يعطه الادعاء الوصف الصحيح، أما ما ذهب إليه القاضي من إضافة وقائع جديدة في الدعوى تتعلق بنشاط حقوقي للمدعى عليها، ليس له أساس في هذه المادة، ولا يمكن تعريفه سوى أن القاضي أعمل رأيه الشخصي في مسألة ولاية الرجل على المرأة وهي مسألة خلافية بين أهل العلم، ووجَّه به مسار الدعوى إلى هذا الاتجاه، ليصب جام غضبه على المدعى عليها، في حكمٍ قاسِ جداً لا يمكن أن يتناسب مع فعل التغيب؛ لاسيما إن كان هذا التغيب بسبب إيذاء تعرضت له المدعى عليها من ذويها.

ولو افترضنا جدلاً رغم خطأ هذا الافتراض؛ بأن المادة 158 يصح استناد المحكمة عليها في الحالة الماثلة، فقد ثبت مخالفة القاضي لما أوجبته هذه المادة عند تعديل وصـــف الدعوى من” وجوب تبليغ المتهم بهذا التعديل ” حتى يُقدِّم دفاعه في ضوء الوصف الجديد، فلم يثبت في أوراق الدعوى أن القاضي مصدر الحكم أبلغ المدعى عليها بتعديله لوصف الدعوى الذي هو من الأساس مخالف لنص المادة 158، فالقاضي لم يكتف بتزيده على لائحة الدعوى بإضافة وقائع جديدة، ولم يكتف بتغوله على سلطة التشريع بتجريم فعل غير مجرم شرعاً ولا نظاماً، ولم يكتف باغتصاب سلطة النائب العام الذي ألتفت – عالماً -عن إدراج نشاط المدعى عليها في مجال حقوق المرأة كاتهام، بل قام بمخالفة هذه المادة باختلاق جريمة وهمية وحاول تطويع النص النظامي لتبرير العقوبة عليها، رغم مخالفة ذلك لظاهر النص ومؤداه.

و تأسيساً على ما سبق ؛ فإن هذا العوار في الحكم محل هذه اللائحة ينحدر به إلى دركات العدم ، و ينزع عنه أي أثر قانوني، لمخالفته الأسباب التي بُنِى عليها الحكم عن الأسباب التي رفعت على أساسها الدعوى العامة بلائحة الاتهام رقم (… لعام 1438هـ).

ثانياً: أن القاضي حَكَمَ بعلمه الشخصي في الدعوى بما يُبطل معه هذا الحكم

جاء في حيثيات الحكم ما نصه: {لِما تقدم من الدعوى الإجابة…، ولإقرار المدعى عليها بالكتابة في مواقع التواصل الاجتماعي للمطالبة بإسقاط الولاية وتحديد سن الرشد للمرأة وتأييد تلك الشعارات مما يؤكد أن ذلك المبرر لها في الخروج من منزل أبيها وترك العيش مع ذويها والوصول لمآربها الخاطئة ومقاصدها الممنوعة، وبما أن ما أقدمت عليه مما أقرت به لفعل محرم وعمل مجرم موجب للعقوبة…،وبما أن ما تطالب به المدعى عليها من حرية تتنافى مع قواعد الشريعة وتتعارض مع الأعراف الإسلامية مما يستوجب منع تلك التجاوزات والحد من تلك الظواهر الدخيلة وإعمالاً بمقتضى المادة 158 من نظام الاجراءات الجزائية، فقد ثبت لدي إدانة المدعى عليها بتكرار تغيبها وسفرها دون إذن أبيها والكتابة بمواقع التواصل بإسقاط ولاية الرجل… }.

وبتأمل هذا التسبيب؛ وإنفاذاً للمادة 179 من نظام الإجراءات الجزائية التي نصت على أن:-(تستند المحكمة في حكمها على الأدلة المقدمة إليها أثناء نظر القضية، ولا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه ولا بما يخالف علمه)، نجد أن القاضي قد أعمل رأيه في القضية، وأقحم المنصة القضائية في جدلٍ اجتماعي وثقافي يسعه فضاءات الشريعة الواسعة، واصطنع من تلقاء نفسه مبدأً قضائياً جرَّم به أعمالاً تتجاذبها الأراء، ويسعها الاختلاف، خاض فيها فئامٌ من الناس عبر منصات إعلامية متعددة، ولازالت محل أخذ ورد و ستبقى كذلك، لأنها مواطن اختلاف منذ عقود من الزمن، و يتعذر على مجتمع أن يتحد على رأي واحد في المسائل التي فيها خلاف فقهي، و حري بالمبدأ الذي اصطنعه ناظر القضية أن يحَجِّرَ واسعاً ، وأن يغلق باباً شرعته قواعد الشريعة والنصوص النظامية، ويجرِّم فئات متعددة من الناس خاضوا فيما خاضت فيها المدعى عليها؛ الأمر الذي تنحصر عنه ولايته القضائية، و ينحدر معه حكمه محل الاعتراض إلى دركات الانعدام.

فالقاضي يجلس على منصته القضائية؛ متجرداً من آرائه التي يعتنقها خارج مجلس القضاء، خالعاً عنه كل قناعاته تجاه الآراء التي يموج بها المجتمع؛ لا ينغمس في جدل اجتماعي، ما دام أن هذا الجدل لا تُجرّمه الشريعة بنص قطعي الدلالة قطعي الثبوت، ولا تُجرّمه النصوص النظامية، ومتى ما خالف ذلك؛ فإنه ينتهك مبادى الحَيْدَة، و يخالف الأعراف القضائية المستقرة، وهذا ما جرى عليه قضاء هذه الدولة منذ عهد المؤسس عليه رحمة الله إلى وقتنا هذا، ونذكر في هذا السياق ما جاء في العدد 28/2/466 هـ من صحيفة أم القرى ما نصه:-

( إن جلالة الملك -حفظه الله -يفكر في وضع مجلة للأحكام الشرعية يعهد إلى لجنة من خيار علماء المسلمين الاختصاصيين استنباطها من كتب المذاهب الأربعة المعتبرة . وهذه المجلة ستكون مشابهة لمجلة الأحكام التي كانت الحكومة العثمانية وضعتها عام 1293 هـ ، ولكنها تختلف عنها بأمور أهمها عدم التقيد حين الاستنباط بمذهب دون آخر بل تأخذ ما تراه في صالح المسلمين من أقوى المذاهب حجة ودليلا من الكتاب و السنة فأصدر أمره إلى هيئة المراقبة القضائية بالشروع في عملها على الطريقة التالية:- إذا اتفقت المذاهب الأربعة على حكم من الأحكام فيكون هذا الحكم معتبرا ً وملزماً لجميع المحاكم والقضاة . والمذاهب الأربعة هي متفقة في الأحكام الأساسية وفي كثير من الأحكام الفرعية . أما المسائل الخلافية فيشرع في تدوينها منذ اليوم وفي كل أسبوع تجتمع هيئة مراقبة القضاء مع جملة من فطاحل العلماء وينظرون فيما يكون اجتمع لدى الهيئة من المسائل الخلافية وأوجه حكم كل مذهب من المذاهب فيها ، وينظر في أقوى المذاهب حجة ودليلا من كتاب الله وسنة رسوله فيصدر قرار الهيئة على إقراره والسير على مقتضاه ، وبهذه الوسيلة تجتمع لدى الهيئة معظم المسائل الخلافية التي هي منشأ الصعوبة في التأليف بين أحكام المذاهب ويصدر القرار بشأنها ، ويكون هذا القرار ملزما لسائر المحاكم الشرعية والقضاة وأساساً قوياً لتوحيد الأحكام وتأليفها )

وهذا ما يؤكد بأن هذه الدولة منذ تأسيسها؛ كان قضاؤها منفتحاً على الخلاف الفقهي، لا يضيق ذرعاً به، ولم تكن قاعاته مكاناً للخصومات الفكرية، والجدل الاجتماعي.

لقد سبَّبَ ناظر القضية حكمه محل هذه اللائحة بأن موكلتنا تكتب في وسائل التواصل الاجتماعي تطالب بإسقاط ولاية الرجل عن المرأة (مطلقاً) وهذا ادعاء باطل لا تعضده المستندات و محاضر التحقيق مع موكلتنا، والتي اطلع عليها الدفاع رُفق المعاملة، فلم تقر أو يثبت من أوراق القضية أنها تدعو إلى إسقاط الولاية مطلقاً، وإنما كان حديثها عن الولاية على المرأة بإجراءاتها المدنية والإدارية المتعلقة بحق المرأة في العمل، والتنقل، والدراسة وغيرها من الممارسات المدنية دون إذن الولي، وهو مطلب مشروع يسعه الخلاف، و محل نقاشه المنصات الاجتماعية لا قاعات المحاكم، ولا يجوز للقاضي أن يُجَرِّم المتهمة بناءً على رأيه في مسألة ما يسمى بالولاية على المرأة، ومتى ما فعل ذلك فهو يحكم برأيه، ويُجيّر المنصة القضائية للانتصار لرأي، والاصطفاف خلف تيار فكري معين يرى ذلك الرأي، و يُرهب من يعارضه بهذا الحكم الصادر من دائرة قضائية كان يسعها أن تنأى بنفسها عن الخوض في مثل هذه القضايا الجدلية.

وفي هذا الموضع حذر سماحة مفتي المملكة العربية السعودية ورئيس القضاء الأسبق الشيخ محمد بن ابراهيم عليه رحمة الله في مجموع الفتاوى والرسائل فتوى رقم 4189 ص 399 ج12 بقوله:-(درج بعض القضاة في بعض القضايا على ابداء رأيه الخاص في صلب الصك، وبما أن المقصود من القضاء هو بيان المحق من المبطل فيما يختصم فيه الخصمان فإن الذي ينبغي هو البت في القضية المعروضة بالوجه الشرعي، وإذا كان لدى القاضي رأي أو اقتراح في أمر خارج عن بيان المحق من المبطل فتكونه الكتابة فيه لمرجعه في كتاب مستقل)انتهى.

ومن ثم تأتي خطورة هذا الحكم وما بُني عليه من أسباب؛ بأنه يُجَرِّم أراء علماء كبار، لهم أراء معتبرة معمول بها في أقطار متعددة من عالمنا الإسلامي؛ فلو أخذنا سقف ما يمكن أن يرد في مسألة الولاية على المرأة، وهو الولاية عليها بالنكاح، مع أن موكلتنا لم تخض فيه لا بقليل ولا كثير، لوجدنا أن الإمام أبا حنيفة النعمان عليه رحمه الله قال به، وهو مذهبه ومذهب أصحابه، وهو الرأي السائد في الكثير من الدول الإسلامية، فهل يتصور أن يصدر حكم قضائي يُجَرِّم رأياً قال به أحد أعلام الإسلام ورموزه وإمام من أئمة الشريعة؛ لازال مذهبه يدرس في محاريب العلم والجامعات حول العالم الإسلامي ومنها جامعات هذه الدولة؟!!

كما أن هناك من العلماء المعاصرين من كان له رأى في الولاية لا يختلف كثيراً عما كتبته موكلتنا؛ حيث صرح معالي الشيخ عبد الله بن منيع عضو هيئة كبار العلماء و المستشار في الديوان الملكي حفظه الله لجريدة عكاظ في يوم الأربعاء الموافق السادس من ذي الحجة من عام 1438هـ ما نصه:- (أن المرأة ولية نفسها في كافة أمور الحياة، وليس عليها ولاية إلا في النكاح، و لها مثل ما للرجل من حقوق)، ثم أردف حفظه الله (وأنها بمجرد بلوغها لا ولاية عليها إلا في النكاح إذا كانت عاقلة قادرة على إدارة أمورها)انتهى كلامه حفظه الله (مرفق رقم 2). فهل يُتصور أن يُجَرَّم قولٌ قال به عضو في هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، حظي بالثقة الملكية كمستشار في الديوان الملكي وعضواً في أكبر هيئة شرعية في هذه الدولة؟، الأمر الذي يؤكد بأن ناظر القضية اقحم رأيه الفكري في قضية منظورة أمام منصته، وجعله يحكم برأيه مما يتعين معه أن يكون حكمه مجافياً لأحكام الشريعة، والمبادئ القضائية المستقرة، والمادة 179 من نظام الإجراءات الجزائية المشار إليها.

ومما يعضد ما ذهبنا إليه؛ ما جاء في الأمر السامي الكريم رقم 33322 و تاريخ 21/7/1438هـ، والذي جاء نصه:-(التأكيد على جميع الجهات الحكومية المعنية بعدم مطالبة المرأة بالحصول على موافقة ولي الأمر عند تقديم الخدمات لها أو إنهاء الإجراءات الخاصة بها ما لم يكن هناك سند نظامي لهذا الطلب)

وهذا يدل على أن ما يسمى بالولاية على المرأة في غير النكاح؛ ما هو إلا إجراءات إدارية لا علاقة لها بنصوص شرعية ثابتة، وإنما هو مجرد ممارسات إدارية قابلة للتعديل والإلغاء وفق المصلحة العامة للمجتمع والدولة، وهو ما فعلته كثير من الوزارات والدوائر الحكومية التي استجابت لمحتوى الأمر السامي الكريم وألغت اشتراط موفقة ولي الأمر في الكثير من الخدمات التي تقدمها للمواطنات والمقيمات.

وذات المدلول جاء واضحاً لا يخالطه شك في الأمر السامي الكريم القاضي بالسماح للمرأة بقيادة السيارة، حيث جاء فيه نصه:-(اعتمدوا تطبيق أحكام نظام المرور ولائحته التنفيذية-بما فيها إصدار رخص القيادة-على الذكور والإناث على حدٍ سواء)، حيث أرسى الأمر السامي الكريم قاعدة قانونية عامة ومجردة مفادها ( على حد سواء ) فكما أن الذكور لا يشترط النظام موافقة ولي أمرهم في استخراج رخص القيادة؛ فكذلك الإناث لا يشترط لهن موافقة ولي أمرهن لاستخراج رخصة القيادة، تحقيقاً للقاعدة السابقة، وكل ذلك يعزز ما دفعنا به بأن ما تسمى بالولاية على المرأة ما هي إلا اجتهادات بشرية وإجراءات إدارية، لا يمكن أن يكون المطالبة بتعديلها إو إلغاؤها سبباً للتحريم أو للتجريم.

ويود الدفاع وهو بصدد معارضته لهذا الحكم، أن يؤكد على أن ما ساقه ناظر القضية من تسبيب لحكمه محل هذه اللائحة جاء مغايراً لمبادئ رسخها هو نفسه في أحكام سابقة له؛ ومنها قاعدة:-(الشك يفسر لصالح المتهم) في قضيتين كانت الأولى ضد واعظ متهم بشتم وسب وتشهير لشخص آخر، واعترافه بأنه يتعبد الله بشتمه لاعتقاده بأنه ضال ومنحرف دينياً، ومع ذلك حكم ببراءته وكان من حيثيات حكمه المبدأ السابق (الصك رقم ……….. بتاريخ ……….. هـ مرفق رقم 3)، وقد اكتسب هذا الحكم القطعية من هذه المحكمة ، وكانت القضية الأخرى ضد عميد إحدى كليات الشريعة سابقاً اتهم إعلامياً وطنياً كبيراً بأنه يقبض أموالاً من إيران واعترف بكلامه في مجلس القضاء، ومع ذلك حكم ذات القاضي ببراءته مسبباً حكمه بأن هناك ( شك ) و أن (الشك يفسر لصالح المتهم) (الصك رقم ……….. بتاريخ ……….. هـ مرفق رقم 4)، والسؤال الذي يطرحه الدفاع أمام أصحاب الفضيلة قضاة الاستئناف: أليس الخلاف الواسع حول الولاية على المرأة وكلام العلماء عنها قديماً وحديثاً، وما دار حولها من نقاش خاض فيه الكثير من الناس؛ يثير ( الشك ) والذي يفترض أن يفسر لصالح المتهمة كما فعل ناظر القضية ذاته مع القضيتين المشار إليهما والمتهم فيهما (عميد كلية شريعة سابق) و ( واعظ )؟! أليس من حق موكلتنا أن تستفيد من ذات المبدأ الذي استفاد منه ذلك العميد السابق لكلية الشريعة وذلك الواعظ؟!، أم أن الاستفادة من المباديء العدلية تتغير بتغير المتهمين وحالهم؟!!.

وإذا كان ذلك كذلك؛ وكان الحديث عن الولاية على المرأة بما فيها الولاية في النكاح أمراً يسعه الخلاف الفقهي، وتكلم فيها العلماء قديماً وحديثاً، بحيث لا يمكن أن يكون الحديث فيها محلاً للتجريم؛ فإنه بذلك يسقط ما أسس عليه ناظر القضية حكمه محل هذه اللائحة، و يجعله حرياً بالنقض.

ثالثاً: أن الحكم شابه قصور في التسبيب .

1-جاء في تسبيب الحكم ما نصه:-(قال البغوي: لم يختلفوا في أنه ليس للمرأة السفر في غير الفرض إلا مع زوج أو محرم إلا كافرة أسلمت في دار حرب أو أسيرة تخلصت)، ورغم أن أصل الدعوى هو تغيب المدعى عليها بسبب التعنيف والإيذاء من ذويها، الذي لم يبحثه القاضي من الأساس، جاء كلامه مطلقاً دون تفصيل و إيراد الخلاف الواسع بين العلماء في مسألة السفر بلا محرم، حيث خاض فيها الفقهاء قديماً وحديثاً، وكانت محل جدل واسع بينهم على اشتراط المحرم ومقصد الشارع منه وذلك على ثلاث أحوال منها سفر المرأة في غير الفرض، و نعرض لآراء العلماء حول هذه المسألة وذلك على ضربين:-

الأول: أن يكون السفر قصيراً: فمذهب الحنفية إلى جوازه من غير اشتراط محرمـ كما في : “بدائع الصنائع” (2/124) ، و”حاشية ابن عابدين” (2/464،465)، خلافاً لجمهور المالكية والشافعية والحنابلة فلا فرق بين سفر طويل وقصير عندهم ، والخلاف فيه مشهور.

الثاني: أن يكون السفر طويلاً: واختلف فيه على قولين شهيرين؛ أولهما جواز السفر مع غير محرم مع شرط الأمـن، وهو وجه عند الشافعية وقول محكي عن مالك رحمه الله، قال ابن قدامة رحمه الله في : “المغني” (5/31) : “قال ابن سيرين : تَخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به). وقال مالك : تخرج مع جماعة النساء . وقال الشافعي : تخرج مع حرة مسلمة ثقة. وقال الأوزاعي : تخرج مع قوم عدول، تَتَخذ سلماً تصعد عليه وتنـزل. ولا يقربـها رجل ، إلا أنه يأخذ رأس البعير وتضع رجلها على ذراعه”. وقال النووي في: “المجموع” (7/70) : “(فرع) هل يجوز للمرأة أن تسافر لحج التطـوع؟ أو لسفر زيارة وتجارة ونحوهما مع نسوة ثقات ؟ أو امرأة ثقة ؟ فيه وجهان ، وحكاهما الشيخ أبو حامد والماوردي والمحاملي وآخرون: (باب الإحصار). ومما يدل على هذا القول ويؤكده ما جاء في الخبر فعل عائشة رضي الله عنها له. قال البدر العيني في : “عمدة القاري” (7/128): “روى عن عائشة رضي الله تعالى: أنـها كانت تسافر بغير محرم، فأخذ به جماعة وجوزوا سفرها بغير محرم”. وقال الحافظ في : “الفتح” (4/88) : “واستدل به على جواز حج المرأة بغير محرم”. وللحافظ أيضا في: “الفتح” (2/660): “الحكم في نـهي المرأة عن السفر وحدها متعلق بالزمان، فلو قطعت مسيرة ساعة واحدة مثلاً في يوم تام لتعلق بـها النهي، بخلاف المسافر فإنه لو قطع مسيرة نصف يوم مثلاً في يومين لم يقصر، فافترقا. وعليه الحال هنا لو قيل: إن ثلاثة أيام عند القائلين بـها المقصود منها ألا تَبقى المرأة في سفرها مدة ثلاثة أيام، لكن لو قطعت مسافة مسيرة ثلاثة أيام في أقل من يوم لجاز لها السفر. والقول الثاني على عدم جواز السفر إلا بمحرم وهو مذهب الجمهور.

2-كذلك جاء في تسبيب الحكم ما نصه:-(ما أقدمت عليه المدعى عليها مما أقرت به لفعل محرم وعمل مجرم موجب للعقوبة شرعاً ونظاماً، لما فيه من عقوق الوالدين والانتقاص من قدرهما والاستهانة بحقهما…)، ورغم أن قضية العقوق استند عليها القاضي لتسبيب وتبرير حكمه، إلا أنه لم يتطرق إلى بيانها، أوبيان أسبابها أو ملابساتها، ولم يبين مناطها الشرعي وتثبته من الوقائع محل تلك الدعوى، فلا ريب بأن العقوق كبيرة ومحرم شرعاً، لكن موكلتنا دفعت بأن ما حدث منها ليس عقوقاً، وإنماً فراراً من جحيم التعنيف والإيذاء التي تلقاه منهم، فهي لم تقطعهما ولازالت تصلهما، وتتمسك موكلتنا بالفتوى الصادرة من اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء برقم: ( 3405الجزء رقم: 25، الصفحة رقم: 131) التي تُبين حدود طاعة الوالدين وبيان عقوق الأبناء لهما من عدمه، حيث جاء في الفتوى ما نصه:-

أولاً: طاعة الوالدين واجبة ، وبرهما والإحسان إليهما كذلك؛ لنصوص القرآن والسنة الواردة في ذلك، وذلك في حدود المعروف المقدور عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الطاعة في المعروف).

ثانيًا: ما كان من أمركم يتعلق بالمباحات والأمور العادية التي تدركون مصلحتها ووالدتكم لا تدرك ذلك ولا ما يترتب على الدخول فيها والتعامل بها من مصالح لا يلزمكم طاعتها فيها، ولا تكونون عاقين لها بمخالفتكم لها في ذلك؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام( أنتم أعلم بأمور دنياكم).

ثالثًا لا يلزمكم طاعتها في التزوج ممن تريد إذا كان الأمر كما ذكرت من أنكم تحرصون على ذات الدين من بنات إخوانكم في الله من أهل الفضل والصلاح، ولا تكونون بمخالفتها في ذلك عاقين لها، لكن يجب عليكم في جميع الأحوال مراعاة خاطرها بالأساليب الحسنة التي تطمئن قلبها وترضى بها عنكم، واجتناب الأساليب الجافية، مع مضيكم فيما ترون مصلحته راجحة على ما رأت وأكدتم خلافه.)

وعليه فإن مناط العقوق بمفهومه الشرعي لا ينطبق على حالة موكلتنا التي لم يكن ما أقدمت عليه من ترك بيت ذويها إلا بسبب التعنيف والإيذاء الذي تعرضت له على مدار عامين دون رادع لهم، ولا يمكن أن يعد ما فعلته عقوقاً موجباً للتعزير وفقاً لهذه الفتوى.

3-جاء أيضاً في حيثيات الحكم ما نصه (وبما أن ما تطالب به المدعى عليها من حرية تتنافي مع قواعد الشريعة و تتعارض مع الأعراف و التقاليد الإسلامية…)، فناظر القضية بهذا التسبيب قد سن سنة لم يسبقه عليها غيره من القضاة؛ وهي التعزير لمخالفة الأعراف و التقاليد، التي لا يمكن تصور وجود ضابط لها .

فالأعراف تتباين من مجتمع لآخر، ومن دولة لأخرى، ولا يتصور ضبطها بمعيار مانعٍ جامع، لذا لا يمكن أن يكون مخالفتها محلاً للتجريم، ولو قلنا بهذا فستعج المحاكم بالمتهمين، الذين تخالف تقاليدهم وأعرافهم ما نشأ وتربى عليه ناظر القضية في مجتمعه، فقواعد الشريعة وأحكام النظام هي المرجع في التجريم (لا جريمة و لا عقوبة إلا بنص شرعي أو نظامي)، والشريعة والنظام أوسع من الأعراف والتقاليد، حتى و إن رآها القاضي مخالفة لما تعارف الناس عليه، فالقاضي وكما بينا سابقاًلا يحكم بعلمه، لكن القاضي مصدر الحكم قد حكم بعلمه بالمخالفة للمادة 179 من نظام الإجراءات الجزائية القاطعة في هذا الشأن.

رابعاً: الإخلال بحق دفاع المدعى عليها

افتتحت جلسات هذه الدعوى وفق الثابت من صك الحكم بجلسة ……….. هـ، ولم يستغرق نظرها حتى تاريخ الفصل فيها بتاريخ ……….. هـ ، سوى أقل من شهر تقريباً، في إخلالٍ صارخ بحق دفاع المدعى عليها بعدم تمكينها تقديم دفاعها على الوجه الأكمل، وكأن التوجه للفصل في الدعوى على هذا النحو سابقاً لمجرد أن المدعى عليها هي أحد من اشتهر في مجال حقوق المرأة، لأنه لا يمكن أن يستقيم الفصل في دعوى جزائية من غير تمكين المتهم من إبداء كامل دفاعه وفي وقت مناسب، و إذا استدركنا بأن القضيتين التي سبق و أن أوردنا نصوصاً من حيثياتيها و كان المتهم فيهما ؛ عميد سابقاً لكلية الشريعة و أحد الوعاظ ، و نظرها ذات القاضي الذي أصدر هذا الحكم محل هذه اللائحة ، و استمرت تلك الدعاوى سنيناً من الترافع مع إقرار المتهمين في مجلس القضاء بما نسب إليهما ، وهو أمر يثير الريبة و يؤكد بأن القاضي غلّب هواه و رأيه ، حيث أن الثابت من جلسات الدعوى التي لا تتعدى جلستين أن التوجه للحكم على المدعى عليها لم يكن متوقفاً على ما ستدفع به وكأن دفاعها تحصيل حاصل، رغم أن الرسائل النصية التي استند عليها المدعي العام في دعواه تضمنت تبليغاً من المدعى عليها لوالدها بمكان إقامتها، فهل يكون الشخص متغيباً وقد أخبر بمكان وجوده؟!، أليس ما تضمنته الرسائل النصية من حدوث تعنيف يستوجب من القاضي عملاً بمقتضى العدالة أن يستدعي جبراً والد المدعى عليها وأخواتها لسماع إفادتهم بشأن تعديهم بالضرب والإيذاء على المدعى عليها؟! فلماذا تم الالتفات عن مضمون هذه الرسائل رغم أن فيها ما يُبرأ المدعى عليها ولم ينكرها والدها، بل رماها بالإلحاد في محضر الاتصال الذي أعده القاضي خلافاً لما جرى عليه القضاء، ولم تُولِ المحكمة انتباهاَ بأن الاتهام بالإلحاد فضلاً عن كونه جريمة تمت في حضرة مكالمة تمت ضمن إجراء قضائي وتستوجب محاكمة والد المدعى عليها تفيد بوجود عداوة وخصومة بينهما، وتشير بما لا يدع مجالاً للشك بوجود إيذاء ما يستوجب بحثه لكن هذا لم يحدث للتوجه المسبق لمعاقبة المدعى عليه حتى ولو كانت بريئة من هذا الإدعاء!!.

ألا يعتبر رمي المدعى عليها بالإلحاد من والدها ( إيذاءاً لفظياً ونفسياً ) كما نص على ذلك نظام الحماية من الإيذاء؟!، كل ذلك التفت عنه القاضي مصدر الحكم، وكأن الهدف من محاكمة المدعى عليها هو معاقبتها فقط، ليس بسبب تغيبها عن منزل ذويها حقاً، وإنما لنشاطها في مجال حقوق المرأة الذي وعلى ما يظهر من سياق الحكم أنه يخالف رأياً شخصياً للقاضي مصدر الحكم، لأن كافة الشواهد القانونية التي تخللت هذا الحكم ومنها تسبيبه تشير وبجلاء أن العقوبة من أجل هذا النشاط وليس من أجل التغيب، فالتغيب حقاً وصدقاً كان بسبب التعنيف والاعتدداء بالضرب من قبل ذوي المدعى عليها خاصة أخيها (……….. و………..)، وقدمت المدعى عليها بلاغاتٍ عدة لشرطة ……….. وُضعت في الأدراج مجاملة لذويها، ولم تجد المدعى عليها بُداً من شكوى مركز الشرطة لدى إمارة منطقة ……….. وصولاً إلى إرسال برقيات لولاة الأمر رفعاً للظلم الواقع عليها، وفيما يلي بعض أرقام قيد لهذه البلاغات لم تُمكن المدعى عليها من تقديمها في الدعوى:-(بلاغ رقم ……….. وتاريخ ……….. هـ، بلاغ رقم ……….. تاريخ ……….. هـ، بلاغ رقم ……….. تاريخ ……….. هـ) أغلب هذه البلاغات ضد شقيق المدعى عليها (……….. ) بسبب تعديه عليها وتعنيفه إياها، كذلك (بلاغ رقم ……….. تاريخ ……….. هـ ضد أخيها (……….. ) لقذفه وتهديده إياها ، بلاغ رقم……….. بتاريخ ……….. م لدى هيئة مكافحة الفساد نزاهة ضد مركز شرطة ……….. لتواطؤهم في وأد بلاغات المدعى عليها مجاملة لأهلها، تقرير طبي لدى مستشفى ……….. العام بتاريخ ……….. بسبب تعدي شقيق المدعى عليها (……….. ) عليها بالضرب واحداث إصابتها، بلاغ عبر الرقم الموحد 1919 للحماية من الأذى والعنف الأسري برقم ……….. ، وختاماً خطابات عبر البريد السعودي لسيدي خادم الحرمين الشريفين حظفه الله ورعاه، وولي عهده الأمين، ولأمير منطقة ………… ، لرفع الظلم الواقع عليها من أبيها، ولم تُمكَن المحكمة المدعى عليها من تقديم إثبات لسرعة الفصل في الدعوى وتسبيب الحكم بتسبيب خارج عن موضوعها من الأساس، الأمر الذي يجعل هذا الحكم مشوباً بالإخلال بحق الدفاع فضلاً عن المطاعن السابقة، التي توجب نقضه لما فيه من إخلالٍ جسيم بالوجه الشرعي لنظر القضايا على نحو أجحف بحق المدعى عليها وزاد من الظلم الواقع عليها.

خامساً: تدليس بيِّن على المدعى عليها يهدر معه حجية الحكم ويؤكد تحيز القاضي .

جاء في الصفحة الثانية من الحكم السطر الخامس ما نصه:-(جرى الاطلاع على أدلة الإدعاء وجد بها توجيه الإتهام للمدعى عليها بما أسند إليها لما جاء بمحضري الاستجواب وسماع الأقوال، ووجدتها مطابقة لما أجابت به عن الدعوى، وإقرارها الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي للمطالبة بحقوق المرأة وإسقاط الولاية وتحديد سن المرأة الراشدة، وضبط بعض أساور يدوية كتب عليها عبارات بإسقاط المرأة كما وجد لها مراسلة بعض الجهات الأجنبية بهذا الخصوص ومراسلة شخص اسمه ……….. ، ……….. الجنسية حيث راسلته في مسألة الحرية وحقوق المرأة…).

وشاهد التدليس أنه بالرجوع إلى محضر استجواب المدعى عليها في تاريخ ……….. هـ الذي اطلع عليه الدفاع؛ ما نصه:-(س/ ذكرتي في استجوابك السابق أنه سبق لكِ التواصل مع المدعو ……….. فإلى أي مدى وصلت هذه العلاقة؟!، ج/ لا علاقة معه ولا شيء، أنا مجرد أرسلته على حسابه بتويتر يوم شفته يشارك معنا في الهاشتاق وقلت له من أنت؟ قال أنا صحفي ……….. مهتم بقضايا الشرق الأوسط وبس، وانتهى التواصل بيننا)، فالمدعى عليها أنكرت وجود علاقة من الأساس، في محاضر الاستجواب التي عوَّل عليها القاضي آنفاً في حكمه، فمن أين جاء القاضي بجملة ( راستله في مسألة الحرية و حقوق المرأة ؟) و التي حاول أن يدلس فيها ليثبت وجود علاقة على غير الحقيقة تبريراً لحكمه، ووصفه مراسلة الشخص بأنها مراسلة ( جهات أجنبية )، في تصوير ليس له مسمى سوى التدليس على المدعى عليها لشيطنتها ومن ثم تبرير حكمه، بالمخالفة للحق والحقيقة، وإمعاناً في هذا التدليس فقد ذكر ما جاء في محاضر استجواب المدعى عليها تطابق مع الدعوى وهذا غير صحيح جملة وتفصيلاً، ويهدمه نص الاستجواب المشار إليه، بما يؤكد ما سبق بيانه من أن القاضي أعمَلَ رأيه الشخصي وما يعتقده من فكر في حكمه في هذه الدعوى، ضارباً عُرض الحائط بكل النصوص والقواعد الشرعية والنظامية والقضائية التي تنأى بالقاضي عن مثل ذلك بما يهدر حجية قضائه شرعاً ونظاماً.

سادساً: إخلال القاضي بمبدأ الأصل (براءة المتهم) ومخالفته لما تقرر من مبادئ عليا في هذا الشأن.

إن الاتهام بتكرار تغيب المدعى عليها عن منزل ذويها، مبنياً في الأساس على رسائل نصيه قدمها والد المدعى عليها رفق بلاغه وسبقت الإشارة إليها، تفيد بأن هناك خطر تتعرض له المدعى عليها اضطرها لترك منزل ذويها، وكان ينبغي على المحكمة مراعاة إجراءات الإثبات في الدعوى التي تلزم المدعي أو الشاكي تقديم بينة على ما يدعيه من تغيب ابنته وأسبابه الحقيقة وليست الملفقة، فهل هو تغيب أم فرار من جحيم التعنيف الأسري الذي فاحت به الرسائل التي يستند عليها الادعاء في لائحته، فالمبدأ العدلي الراسخ يقول بأن ( الأصل براءة الذمة ) و (الأصل في الإنسان البراءة)، فالبراءة ثابتة بـيقين و اليقين لا يزول بالشك ، ولا يمكن زوال قرينة البراءة إلا بدليل قطعي لا لبس فيه ، وعبء إثبات هذا الدليل يقع على عاتق النيابة العامة، كون براءة المتهم مفترضة كأصل فيه،وكان ينبغي على المحكمة عند تحقيقها للدعوى سؤال الادعاء عن بينته فيما كان تغيبها بإرادتها أو مكرهة عليه، فلا يقتصر دور الادعاء على مجرد إثبات عناصر الواقعة سند الاتهام وحسب، وإنما يلزمه إثبات خلو الإدعاء من عدم توافر أي سبب لبراءة المتهم، وأن الواقعة لا تخضع لسبب من أسباب الإباحة أو موانع المسؤولية، حتى يستقيم أمر القضاء في هذه الدعوى، وهو ما أرسته المحكمة العليا من مبدأٍ خالفه القاضي بقولها إن: { الظاهر إذا وُجِد ما يصرفه، أو يوهنه، فيلزم منه أن هناك تعاملاً خفياً، ومن واجب القاضي التثبت من هذا } (م ق د): (29/5)، (10/1/1422)، وقولها ايضاً: { الأصل البراءة، ولا يسوغ هذا الأصل إلا بدليل أقوى منه } (م ق د): (259/6)، (19/3/1425)، لكن القاضي خالف كل تلك المبادئ الراسخة؛ وراح يتزيد على لائحه الدعوى ببناء اتهام جديد انحرفت معه الدعوى عن مسارها الصحيح من محاكمة بشأن التغيب إلى محاكمة بشأن نشاطات حقوقية مشروعة.

نصت المادة المادة الرابعة والأربعون من النظام الساسي للحكم على أن: (تتكون السلطات في الدولة من: السلطة القضائية، والسلطة التنفيذية، والسلطة التنظيمية.وتتعاون هذه السلطات في أداء وظائفها، وفقاً لهذا النظام وغيره من الأنظمة، والملك هو مرجع هذه السلطات)، فالتجريم إنما هو اختصاص أصيل للمؤسسات التنظيمية في الدولة، وهي سلطة منفصلة عن سلطة القضاء، لا يجوز للسلطة القضائية أن تنتهكها، أو تخوض فيها، أو أن تتغول عليها، وإنما يجب عليها أن تطبق ما تصدره السلطة التنظيمية من أنظمة بما فيها الأنظمة الجزائية، و قد نصت المادة الثامنة والثلاثون للنظام الأساسي للحكم بأنه: (لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص شرعي، أو بنص نظامي)، ولم يسع القاضي قبول هذا النص، فنصّب نفسه مشرعاً وقاضياً في الوقت ذاته، وتغوّل على السلطة التنظيمية؛ فجرّم سلوكاً لم تجرّمه الأنظمة ولا قواعد الشريعة، وأسس على ذلك عقوبة تعزيرية، بناء على رأيه الشخصي، حيث لا يوجد نص شرعي أو نظامي، يُجَرِّم (المطالبة) بحقوق المرأة، أو تعديل أو إلغاء الأنظمة أو الاجراءات الإدارية المتعلقة بالمرأة.

ثامناً: إغفال حكم المادة 144 من نظام الإجراءات الجزائية بشأن الجرائم التي تقع في الجلسات.

ورد في الحكم أن القاضي أجرى اتصالاً بوالد المدعى عليها/ ………… ، وأعد لذلك محضراً ضبطه في الدعوى، حيث قال عن ابنته ما نصه: (أنها امرأة تطالب بإسقاط الولاية وملحدة)، فوالد المدعى عليها قد رمى ابنته بأنها (ملحدة) وهذه جريمة التفت عنها القاضي عمداً بالمخالفة للمادة 144 من نظام الإجراءات الجزائية التي نصت على أنه: (إذا وقعت في الجلسة جريمة غير مشمولة بحكم المادتين الثالثة والأربعين بعد المائة والرابعة والأربعين بعد المائة فللمحكمة -إذا لم تر إحالة القضية إلى هيئة التحقيق والادعاء العام-أن تحكم على من ارتكبها وفقاً للوجه الشرعي بعد سماع أقواله، إلا إذا كان النظر في الجريمة من اختصاص محكمة أخرى فتحال القضية إلى تلك المحكمة)،فالجريمة قد وقعت واثبتها القاضي في ضبط قضائي باتهام المدعو/ ………… ابنته بالإلحاد دون بينة، ورغم أن الجريمة قد وقعت وأثبتها القاضي بضبط القضية ولم يوجه له الإتهام بسب المدعى عليها وتكفيرها فإنه يكون بذلك قد تحيَّز ضد المدعى عليها، وتعمد الالتفات عن هذا الأمر رغم علم القاضي بالحكم الشرعي لتكفير لمعين وعدم إعمال المحكمة لحكم هذه المادة بشأن هذا الاتهام في مفاضلة بين النصوص التي تكون في جانب المدعى عليه فتركها والأخذ بالنصوص التي تدين المدعى عليها حتى ولو كان الاستدلال بها خاطئاً أو حكمها مخالف للوقائع المسحوبة عليها، مما يطعن في حيدة هذا الحكم ويثبت ما شابه من مطاعن من جماع ما سبق.

تاسعاً: مخالفة الحكم لاتفاقية دولية صادقت عليها المملكة وأصبحت جزءاً من أنظمتها.

وقعت المملكة على (اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة)”سيداو”، وصادقت عليها وأصبحت جزء من أنظمة الدولة، تلتزم كافة سلطاتها بتطبيق بنودها ، بما فيها السلطة القضائية ، وقد جاء في مادتها الأولى أن: (مصطلح ” التمييز ضد المرأة ” تفرقة أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون من إثارة أو أغراضه توهين أو إحباط الإعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية أو في أى ميدان آخر ، أو توهين أو إحباط تمتعها بهذه الحقوق أو ممارستها لها…)، وحيث أن مطالبة موكلتي بإسقاط الولاية على المرأة فيما يتعلق بالاجراءات الإدارية و النصوص القانونية التي لا تستند إلى قواعد شرعية ؛ قطعية الدلالة ، قطعية الثبوت ، و مطالبتها بتحديد سن للرشد بالنسبة للمرأة ، تنال معه حقها المدني بمارسة أعمالها دون الحاجة لموفقة ولي أمرها ، و لما كانت تلك المطالبات تتفق وروح الاتفاقية سالفة الذكر فإنها تقع في دائرة الإباحة و لا يمكن أن تكون محلاً للتجريم ، و القول بغير ذلك ينتهك قواعد الاتفاقية الدولية ، و يتناقض مع أحكامها ، و يخالف توجهات الدولة المتمثلة بالرؤية التي أطلقتها و المتمثلة برؤية (2030) والتي تبناها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله ، و كان من أهم محاورها ، و مرتكزاتها ؛ تمكين المرأة ، و فتح مجالات العمل لها ، و هو الأمر الذي لا يمكن تصوره في ضل هذا الحكم و ما بني عليه من أسبابٍ تخالف توجهات الدولة ، و يضع السلطة القضائية و كأنها في مواجهة مع توجهات الدولة المعلنة نحو الانفتاح للمستقبل ، بينما يفترض أن السلطة القضائية تتناغم مع سلطات الدولة و تتفاعل معها و تحقق رؤيتها ، لا أن تكون سلطة موازية مثبطة معرقلة لتحقيق الرؤية الوطنية المعلنة من قبل قيادات هذه الدولة المباركة.

لذلك وبناء على ما سبق؛ تطلب المدعى عليها من فضيلتكم ما يلي:-

أولاً: قبول الاعتراض شكلاً لتقديمه في الموعد النظامي.

ثانياً: في الموضوع ؛بنقض الحكم رقم ……….. وتاريخ ……….. هـ وفقاً للأسباب الواردة بهذه اللائحة.

والله يحفظكم ويرعاكم،،

وكيل المدعى عليها/

المحامي

عبد الرحمن بن محمد اللاحم

نموذج لائحة اعتراض على حكم بإدانة سيدة في قضية عقوق.

اترك تعليقاً