ضمانات التفتيش الإلكتروني في القانون المصري.

(١) التفتيش لغه هو البحث عن الحقيقة في مستودع السر وفي الاصطلاح اجراء تحقيق يتضمن البحث الدقيق في ملابس شخص أو ما قد يحمله من متاع لتوافر دلائل كافية ضده علي ارتكاب جريمة بغرض ضبط ما يفيد في كشف الحقيقة.والتفتيش علي هذآ النحو إجراء لأ يخلوا من الخطر إذ فوق كونه إجراء هاتك للاسرار إجراء منتج للدليل قد تتوقف عليه إدانة المتهم .

ولقد نظم قانون الإجراءات الجنائية احكام تفتيش الاشخاص في المواد ٤٦و٩٤و٢٠٦ ويتبين من هذا التنظيم أن التفتيش يرد علي اشياء مادية بغيه ضبطها كاجهزه الحاسب الآلي ذاتها كمبيوتر أو هاتف جوال أو مكوناته وتتضمن وحدات الإدخال والإخراج والذاكرة والحساب والمنطق والتحكم والتخزين. اما الاشياء المعنويه كالتنصت علي المحادثات وتسجيلها سواء هاتفيه أو شخصية أو تجري عبر شبكة الإنترنت ماسنجر وات ساب أو بوتن فلا تصلح محل للتفتيش وانما قد تكون موضوع مراقبة طبقا للمواد ٩٥و٢٠٦اجراءات جنائية

(د.ياسر الامير فاروق -مراقبة الأحاديث الخاصة في الإجراءات الجنائية-دراسة مقارنة-٢٠٠٩-ص١٩٣؛د.احمد فتحي سرور-الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية-الجزء الأول ٢٠١٦-ص٣٤٢).

وايضا البرمجيات والبيانات والمعلومات الإليكترونية والشبكة وما تتضمنه من مكونات سواء تم النفاذ والدخول اليها عن طريق فحص الحاسب الآلي نفسه أو وعن بعد من خلال التقنيات الحديثة.فكل هذه تعتبر أشياء معنوية غير ملموسة ولا محسوسة .وكان الأصل أنها لا تصلح محلا للتفتيش بل الدخول والنفاذ غير أن قانون جرائم تقنية المعلومات أثر أطلاق مصطلح التفتيش والدخول والنفاذ عليها.وهذا هو المقصود بالتفتيش الاليكتروني موضوع بحثنا الراهن.ومن ثم فإن مصطلح التفتيش الاليكتروني يشمل فحص اجهزه الحاسب الآلي بالنفاذ والدخول الي مابها من بيانات ومعلومات وبرامج من خلال الجهاز ذاته أو عن بعد بتتبعها.

فالتفتيش الأليكتروني بعبارة موجزه ليس ضبط اجهزه مادية وإنما تعمق وتقص وفحص البيانات والمعلومات داخل هذه الأجهزه سواء من خلال الجهاز ذاته أو عن بعد بتتبعها وملاحظتها. وكان قد أثير جدل حول مشروعية التفتيش الاليكتروني في المرحلة السابقه علي صدور القانون رقم ١٧٥لسنة ٢٠١٨نظرا لعدم وجود نص يجيز هذا التفتيش أو بالاحري ما نقترح تسميتة “تتبع وفحص” فذهب راي الي الحظر اذ القاعدة أنه لا إجراء جنائي ماس بالحقوق والحريات الا بنص وفقا لمبدأ المشروعية الإجرائية. وذهب راي تبناه القضاء الي أجازة هذا التفتيش الاليكتروني قياسا علي تفتيش الاشخاص لأن برامج المعلومات والبيانات ولئن كان لها حرمة فإن حرمتها مستمده من حرمة الشخص فإن جاز تفتيشه جاز تفتيشها ومن ثم فأنه يجوز لرجل الضبط القضائي عند التلبس أو صدور إذن من النيابة العامة إجراء هذا التفتيش

(حكم محكمة جنح مستأنف اقتصادية القاهر في ٢٠١٠/١١/٣ الدعوى رقم ٩٨٧لسنه ٢٠١٠)

وهو ما اخذت به محكمة النقض حين اكتفت بأذن النيابة العامة لصحه التفتيش الاليكتروني

(نقض ٢٠١٧/٤/٢٧الطعن رقم ٢٩٥٥٣لسنه ٨٦ق)

وكنا اعترضنا علي هذا الراي الأخير لأن هذه البيانات والمعلومات كالرسائل الأليكترونية تتعلق بها حقوق الغير مما يوجب احاطتها بضمانه اضافيه فلا يكفي إذن النيابة العامة وانما يلزم الحصول مقدما علي امر مسبب من القاض الجزئي طبقا للمادة ٢٠٦اجراءات.

(٢) ولقد حسم المشرع في قانون تقتنية الجرائم المعلوماتية رقم ١٧٥لسنه ٢٠١٨ المساله فاجاز لجهة التحقيق المختصة بحسب الأحوال في المادة السادسة منه أن تصدر أمراً مسبباً، لمأمورى الضبط القضائى المختصين، لمدة لا تزيد على 30 يوماً قابلة للتجديد لمرة واحدة، متى كان لذلك فائدة فى ظهور الحقيقة على ارتكاب جريمة معاقب عليها بمقتضى أحكام هذا القانون بالبحث والتفتيش والدخول والنفاذ إلى برامج الحاسب وقواعد البيانات وغيرها من الأجهزة والنظم المعلوماتية تحقيقا لغرض الضبط.

ومفاد هذآ النص أنه يجوز لجهه التحقيق أن تصدر أمر مسبب بتفتيش برامج الحاسب الآلي وقواعد البيانات والنظم المعلوماتية والأجهزة أو بالآحري كل جهاز أو معدة تقنية تكون قادرة على التخزين، أوداء عمليات منطقية، أو حسابية، وتستخدم لتسجيل بيانات أو معلومات، أو تخزينها، أوتحويلها، أو تخليقها، أو استرجاعها، أو ترتيبها، أو معالجتها، أو تطويرها،أو تبادلها، أو تحليلها، أو للاتصالات.وكذا يجوز لجهه التحقيق أن تآمر بالولوج والنفاذ الي البرامج المعلوماتية أو بالاحري كل ما يمكن إنشاؤه أو تخزينه، أو معالجته،أو تخليقه، أو نقله، أو مشاركته، أو نسخه بواسطة تقنية المعلومات كالأرقام والأكواد والشفارات والحروف والرموز والإشارات والصور والأصوات ومافى حكمها.

وكذا الدخول الي النظم المعلوماتية وهي مجموعة برامج وأدوات معدة لغرض إدارة ومعالج البيانات والمعلومات، أو تقديم خدمة معلوماتية. ويشترط لصحه الأمر هنا أن يكون بغرض ضبط كل ما يفيد في كشف الحقيقة في شأن أحد الجرائم الواردة حصريا في القانون رقم ١٧٥لسنه ٢٠١٨ فإن كانت جريمة منصوص عليها في اي قانون اخر امتنع تطبيق نص المادة السادسة. علي أن يكون أمر التفتيش والدخول والنفاذ مسببا وإلا يجاوز ٣٠يوما قابله للتجديد لمده واحده. اي لا تزيد المده في جميع الأحوال عن ٦٠يوما.

ويثور التساؤول عن تحديد المقصود بجهه التحقيق المختصة التي تملك الأمر بالتفتيش الاليكتروني؟

ومن المعلوم أن التحقيق قد يتولاه قاض تحقيق ابتدائي أو إستئناف ولا شك لدينا فى ثبوت السلطة له بالتفتيش الأليكتروني دون استئذان أي جهة أخرى. ولكن يدق الآمر حين تنهض النيابة العامة بالتحقيق وهو الغالب إذ من المعلوم أن المشرع طبقا للمادتين ١٩٩و٢٠٦قيد سلطات النيابة العامة في مراقبة المحادثات وضبط الرسائل والخطابات في مكاتب البرق والبريد بلزوم استئذان القاضي الجزئي لتعلق الإجراء بحقوق غير المتهم. فهل تلتزم النيابة العامة عند التفتيش الاليكتروني بهذا القيد؟ذهبت محكمة النقض ضمننا الي عدم لزوم القيد لأن الضبط عند التفتيش الاليكتروني لأ يتم فى مكتب البريد أو البرق أو مصلحه التلغراف (٢٠١٣)وهو ما نراه محل نظر إذ ليس لهذه المكاتب أو المصالح حرمه في ذاتها وإنما الحرمة راجعه إلي ما بها من رسائل وخطابات تتعلق بها حقوق غير المتهم فكانت عله قيد إذن القاض الجزئي ما تحتويه الرسائل والخطابات والتلغرافات من أسرار غير المتهم وليس مكان وجودها والنصوص تدور مع علتها وجودا وعدما.

وما نراه أن النيابة العامة لا تملك تفتيش اجهزه الحاسب الآلي والبرامج المعلوماتية والتقنيه أو النفاذ او الدخول إليها إلا بعد حصولها مقدما علي إذن القاض الجزئي إذ استخدمت المادة السادسة من قانون جرائم تقنية المعلومات عباره لسلطه التحقيق المختصه ان تأذن….ومن المعلوم أن النيابه العامة تتولي التحقيق طبقا لاحكام قاض التحقيق مع مراعاة استئذان القاضي الجزئي اذ مس اجراء التحقيق حقوق غير المتهم ولاشك أن الرسائل الواردة والصادرة من جهاز الحاسب الآلي الخاص بالمتهم وكذا برامج المعلومات وانظمه المعلومات تتعلق بهم حقوق الغير فوجب استئذان القاضي الجزئي.

(٣) ولا يصح لرجل الضبط القضائي أن يجري التفتيش الاليكتروني من تلقاء نفسه عند التلبس بالجريمة لأنه إذا كان هذا التفتيش محظورعلي النيابة العامة فإنه من باب أولي يحظر علي رجل الضبط القضائي.كما أن تفتيش الحاسب الآلي وبرنامج وأنظمة المعلومات قد يتضمن الاطلاع علي ما هو صادر ووارد من بيانات ومعلومات من ضمنها الرسائل وهو أمر قصره قانون الإجراءات الجنائية في المادة ٩٧ علي قاض التحقيق واجاز له عند الضرورة تكليف احد اعضاء النيابة العامه بذلك ولم يخوله ندب احد رجال الضبط القضائي. أضف الي ذلك أن قانون الإجراءات الجنائية خول لماموري الضبط القضائي في أحوال التلبس فقط سلطتي القبض والتفتيش وهي سلطات استثنائية لا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها لان ما ثبت علي خلاف الأصل من مساس بالحريات لا يقاس عليه.

ومقتض ذلك أنه لأ يجوز لرجل الضبط القضائي في أحوال التلبس تفتيش الهاتف الخاص للمتهم وانما يحق له فحسب ضبطه وتحريزه.وهو ما يستفاد ضمنا لحكم من محكمة النقض ذهبت فيه الي انه لما كان الحكم المطعون فيه قد أثبت على الطاعن الثاني أنه اعترف أمام النيابة بالصور والفيديو ‏المستخرجة من هاتفه ، فلا يجديه أن يكون فحص الضابط للهاتف قد وقع باطلاً ؛ لتحقق القرينة ‏المستخرجة من الهاتف باعترافه ، لما هو مقرر من أن بطلان التفتيش بفرض وقوعه ، لا يحول دون ‏أخذ القاضي بجميع عناصر الإثبات الأخرى المستقلة عنه والمؤدية إلى النتيجة التي أسفر عنها ‏التفتيش ، ومن هذه العناصر الاعتراف اللاحق للطاعن المذكور بالمستخرجات من هاتفه ، كما لا ‏يمنع المحكمة من الاعتماد على أقوال رجل الضبط فيما باشره من إجراءات ونما إليه من معلومات فيما لا يتصل بفحص الهاتف المدعى ببطلانه

(الطعن رقم 15854 لسنة 84 جلسة 2015/02/23)

فهذا الحكم اشار ضمنا الي بطلان تفتيش الضابط لهاتف المتهم وهذه صحيح لأنه حسبما أشرنا حالا أن تفتيش جهاز الحاسب الآلي والهاتف فيه اعتداء علي حق المتهم في السر والمساس بحقوق وخصوصيات الغير المسجله علي هاتف المتهم فوجب الحصول علي اذن قضائي مسبب بهذا التفتيش ولو ضبطت الجريمه في حاله تلبس.