مسألة الجهل بالعذر المخفف بشأن جريمة الزنا

مسألة الجهل بالعذر المخفف بشأن جريمة الزنا.

إذا تصورنا ان زوجا كان على علاقة جنسية غير شرعية مع مربية تعمل في منزله، وكانت زوجته غير مقيمة في المنزل موقتاً ، ثم عاد الزوج في ليلة مظلمة وفوجئ بما جعله يعتقد أن هناك شخصاً آخر مع تلك المربية عشيقته تقطع بأن يجري بينهما اتصال جنسي،

فثار ولم يتمالك اعصابه لخيانتها له واطلق عياراً نارياً عليها قاصداً قتلها معتقداً اعتقاداً زائفاً بأنها المربية عشيقته، في حين ان الواقع كان غير ذلك إذ ظهر أن المجنى عليها كانت فعلا زوجة الجاني وأنها كانت حقيقة في حالة تلبس بالزنى مع عشيق لها انتقاما من الزوج لعلاقته مع المربية(1).

أو إذا انتوى شخص قتل اخته ليرثها فأطلق النار في الظلام على فراشها فقضي عليها وتبين انها كانت في ذلك الوقت في حالة اتصال جنسي برجل غير زوجها او كانت في حالة مريبة معه ولم يكن الجاني عالماً بذلك(2).

فهل يمكن القول ان الجاني في هاتين الحالتين يُسأل عن جريمة قتل عمد بعقوبتها العادية والتي ارادها ابتداءاً، أم يُسأل عن جريمة قتل عمد مقترنة بعذر مخفف كان يجهله؟  هناك اتجاه في الفقه(3).

يرى أن العذر ذو طابع شخصي لا ينتج أثره في الاعفاء او التخفيف الا إذا كان الجاني عالماً حين يأتي فعله بتوفر الحالة التي يقوم العذر بها، إذ علة العذر هي ثورة الانفعال التي تنتابه وهي لا تتصور الا إذا كان عالماً بأسبابها. وبذلك يّعد العذر المخفف بالاستناد إلى هذا الاتجاه منتفياً ويُسأل الجاني عن الجريمة بعقوبتها العادية. وهناك اتجاه آخر(4)، نميل إليه،

يرى ان من المبادئ الاساسية التي تقوم عليها السياسة التجريمية انه لا يتصور ان نخلق من الجريمة الوهمية (5) جريمة فعلية من محض وهم قام في مخيلة الجاني وذهنه فحسب فالمشرع لا يقيم صرح المسؤولية على مجرد النوايا والاوهام،

وعلى ذلك فأن مسؤولية الجاني في الحالات السابقة وما شابهها لا تقوم على أساس الجريمة في صورتها البسيطة بعقوبتها العادية التي توهم الجاني توفرها، بل تقوم على أساس الجريمة التي تحققت بالفعل في وصفها الجديد ولا يستحق سوى عقوبتها المخففة.

ومن جهة أخرى نعتقد أنه لما كان الجاني يستفيد من العذر المخفف ولو كان يجهله كما نصت على ذلك المادة (36)(6) عقوبات عراقي، وهو نص عام مطلق، فبذلك يمكن القول إن المادة (409) منه يكون لها حضوراً وهي التي تنطبق على الأفعال المماثلة المذكورة وتحدد عقوبة الزوج او المحرم بمقتضاها.

ومن جهة فقد يحصل ان تكون شروط العذر غير متوفرة ولكن الجاني يجهل ذلك كما لو جهل الجاني سبب العلاقة التي اباحت الاتصال الجنسي بين المجنى عليهما فهل يمكن القول بتوفر العذر المخفف في هذه الحال، أي ان الجاني توهم وجود وقائع غير موجودة في الحقيقة،

إذ قد يتفاجأ شخص بوجود أبنة اخيه مثلا في فراش واحد مع آخر وهو يجهل أنها زوجته –كما لو تم العقد بغيابه- واقدم على قتلهما. نعتقد ان الجاني لا يستفيد من العذر المخفف في هذه الحالة إذ لم يتحقق من شروطه في الجريمة المتحققة على ارض الواقع شئ، فالعلاقة التي تربط بين المجنى عليهما شرعية ولا يمكن وصفها بأنها زنى، وأن الجاني قد ارتكب جريمته نتيجة اعتقاده الخاطئ.

وان هذا الأمر قد يدعو المحكمة المختصة إلى شمول الجاني بالظروف القضائية المخففة. فقد قضت محكمة التمييز في العراق بأن (اعتقاد القاتل بارتكاب المجنى عليه فعلاً مخالفاً للآداب مع شقيقته يعتبر ظرفاً قضائياً لا باعثاً شريفاً)(7).

——————————————————————————————

1- ينظر د. محمد زكي محمود، آثار الجهل والغلط في المسؤولية الجنائية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1967، ص348.

2- ينظر د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات اللبناني- القسم العام، مرجع سابق، ص399.

3- ينظر د. محمود نجيب حسني، مرجع سابق، ص399.

4- ينظر د. محمد زكي محمود، اثار الجهل والغلط في المسؤولية الجنائية، مرجع سابق، ص349.

5- الجريمة الوهمية : هي الجريمة التي لا وجود لها الا في ذهن الجاني وتصوره ومخيلته خطأً. ينظر د. علي حسين الخلف و د. سلطان الشاوي، مرجع سابق، ص179.

6-  لا يوجد في كل من قانون العقوبات المصري والليبي نص مماثل لما ورد في المادة (36) عقوبات عراقي. وإن كانت المادة (29) من مشروع قانون العقوبات المصري تنص على أنه (إذا جهل المجرم وجود ظرف مشدد للعقاب فلا يُسأل عنه ما لم ينص على خلاف ذلك ولكنه يستفيد من الاسباب التي تحول دون توقيع العقوبة وكذلك الاعذار ولو جهل وجودها) ينظر د. اكرم نشأت ابراهيم، القواعد العامة في قانون العقوبات المقارن، مرجع سابق، ص276.

7- القرار رقم 225/هيئة عامة ثانية /72 في 1/4/1972. النشرة القضائية، ع2، س3، 1974، ص231.

اترك تعليقاً