نظرية الظروف الاستثنائية شروط تطبيقها بين الدستور المصري والدستور المقارن.

تنص المادة 74 من الدستور المصري لسنة 1971 على أنه (لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري أن يتخذ الإجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر ويوجه بياناً إلى الشعب ويجري الاستفتاء على ما اتخذه من إجراءات خلال 60 يوماً من اتخذها).

ومن خلال نص هذه المادة يتبين لنا بان الشروط التي يستلزم توافرها لتطبيقها هي ما يلي :ـ

أولاً:- أن يقوم خطر يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن لتجيز هذه المادة لرئيس الجمهورية إصدار هذه الإجراءات (لوائح الضرورة).

ثانياً:- ان يؤدي قيام خطر يعوق مؤسسات الدولة عبر دورها الدستوري ويلاحظ أن المادة 74 لم تشترط في الخطر الذي يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء عملها أن يكون جسيماً وعاجلاً وهو ما اشترطته المادة 16 من الدستور الفرنسي إلا أن ذلك لا يعني أن رئيس الجمهورية في مصر يستطيع أن يستخدم السلطة التي تخولها له المادة 74 عند قيام خطر عادي غير جسيم حيث أن هذه المادة اذ تخول رئيس الجمهورية سلطة استثنائية خطيرة فانها لابد وان يكون استخدم هذه السلطة لمواجهة خطر استثنائي جسيم يتناسب مع خطورة هذه السلطة وجسامتها.(45)

ثالثاً :- أن يهدد هذا الخطر موضوعات معينة حيث يلاحظ المشرع الدستوري المصري بان هناك بعض الموضوعات التي يترتب على المساس بها تعرض امن الدولة ووجودها للخطر وعلى هذا الأساس جاءت المادة 74 من الدستور المصري فعددت هذه المواضيع وهي الوحدة الوطنية وسلامة الوطن ومؤسسات الدولة.

رابعاً :- أن يوجه رئيس الجمهورية بياناً إلى الشعب وذلك عندما يستخدم السلطة التي تقررها له والمقصود بهذا الإجراء أن يوضح رئيس الجمهورية للشعب الأسباب والدواعي التي دفعته إلى استخدام السلطة الاستثنائية المخولة له بموجب النص الدستوري سعياً وراء كسب الرأي العام. (46)

خامساً:- أن يجري استفتاء على ما اتخذه رئيس الجمهورية من إجراءات خلال 60 يوماً من اتخاذها
وهنا لا بد من التذكير أن اسلوب الاستفتاء وان كان أكثر ديمقراطية من أسلوب الرقابة البرلمانية وهذا ما اشترطته المادة 16 من الدستور الفرنسي بان البرلمان يجتمع بقوة القانون ولا يجوز حل الجمعية الوطنية طوال فترة استخدامها هذه السلطة إلا انه من الناحية العملية يتعذر في اغلب الأحيان إجراء استفتاء في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

شروط تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية في الدستور العراقي

ينص البند تاسعاً من المادة 61 من الدستور العراقي لسنة 2005 في تعدادها لصلاحيات مجلس النواب على ما يلي :ـ

(أ ـ الموافقة على إعلان حالة الطـوارئ
بأغلبية الثلثين بناءً على طلب مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء.

ب ـ تعلن حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوماً قابلة للتمديد وبموافقة عليها في كل مرة.

ج ـ يخول رئيس مجلس الوزراء الصلاحيات اللازمة التي تمكنه من إدارة شؤون البلاد خلال مدة إعلان حالة الحرب وحالة الطوارئ وتنظم هذه الصلاحيات بقانون بما لا يتعارض مع الدستور).

ومن خلال نص هذه المادة يتبين لنا أن الشروط التي يستلزم توافرها لتطبيق هذه المادة هي :-

1- قيام حالة الحرب أو قيام ظرف استثنائي لا يمكن مواجهته بالقوانين الاعتيادية وان مثل هذا الظرف يجسد تهديد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن.

2- أن يقدم طلب مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء إلى مجلس النواب يطلبون فيه الموافقة على إعلان حالة الطوارئ.

3- موافقة ثلثي مجلس النواب على إعلان حالة الطوارئ أو تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية.

4- صدور قانون ينظم الصلاحيات التي يتم منحها لرئيس الوزراء لمواجهة هذا الظرف الاستثنائي.

5- أن لا تتعارض ممارسة رئيس مجلس الوزراء لصلاحياته في مواجهة هذا الظرف الاستثنائي مع أحكام الدستور.

6- أن يعرض رئيس مجلس الوزراء الإجراءات التي اتخذها في ظل الظرف الاستثنائي والنتائج التي انتهى إليها بعد اتخاذ تلك الإجراءات المناسبة خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ انتهائها.

المقارنة بين نظرية الظروف الاستثنائية وفق الدستور الفرنسي والمصري والعراقي

1- الدستور الفرنسي وبموجب المادة (16) من الدستور يستلزم لممارسة هذه السلطة توافر شرطين يجب توافرها معاً أولهما إن يقوم خطر جسيم وعاجل يهدد مؤسسات الجمهورية (47) واستقلال الأمة أو سلامة أراضيها أو تنفيذ اتفاقاتها الدولية، وثانيهما أن ينشأ عن ذلك توقف السير المنتظم للسلطات العامة الدستورية بينما تكتفي المادة (74) من الدستور المصري لإصدار مثل هذه الإجراءات من قبل رئيس الجمهورية أن يقوم خطر يهدد الوحدة الوطنية فيما تشترط الفقرة (جـ) من البند تاسعاً من المادة (61) قيام الظرف الاستثنائي دون أن تحدد ماهية هذا الظرف وطبيعته.

2- تخول المادة 16 من الدستور الفرنسي رئيس الجمهورية سلطة اتخاذ الإجراءات التي تتطلبها الظروف الاستثنائية دون أن تحدد ماهية هذه الإجراءات وكذلك الحال بالنسبة للمادة 74 من الدستور المصري والتي تخول سلطة اتخاذ الإجراءات السريعة لمواجهة الخطر القائم أما بالنسبة للمادة 61 من الدستور العراقي فقد خولت رئيس مجلس الوزراء الصلاحيات اللازمة لإدارة شؤون البلاد على أن لا تتعارض هذه الصلاحيات مع الدستور في حين أن نص المادتين 16، 74 قد خولتا رئيس الجمهورية في كل من فرنسا ومصر سلطة اتخاذ أي إجراء يرى لزومه للقضاء على الخطر القائم بما في ذلك وقف العمل ببعض النصوص الدستورية.(48)

3- نصت المادة (16) من الدستور الفرنسي على بعض الشروط الشكلية وهي استشارة بعض الشخصيات والهيئات قبل أن يقرر رئيس الجمهورية تطبيقها على الرغم من أن الرأي الذي تبديه هذه الهيئات والشخصيات استشاري غير ملزم إلا انه يكفل عدم تسرع رئيس الجمهورية في تطبيق نص دستوري يخوله سلطة استثنائية، في حين لم تشترط ذلك المادة (74) من الدستور المصري وكذا الحال مع المادة 61/ تاسعا/ ج من الدستور العراقي.

4- تتفق المادتان 16و74 في كل من الدستور الفرنسي والمصري على ضرورة أن يوجه رئيس الجمهورية بياناً للشعب حين يستخدم هذه السلطة في حين لم تنص المادة 61/ تاسعا / ج على قيام رئيس الوزراء بذلك.

5- تشترط المادة 16 من الدستور الفرنسي أن يكون الهدف من الإجراءات الاستثنائية هو إعادة السير المنتظم للسلطة العامة الدستورية في اقل مدة ممكنة في حين لم تحدد المادة 74 من الدستور المصري الهدف من هذه الإجراءات ولا المادة 61/ تاسعا / ج من الدستور العراقي.

6- اشترطت المادة (16) من الدستور الفرنسي إن يأخذ رئيس الجمهورية رأي المجلس الدستوري بشأن الإجراءات التي ينوي اتخاذها في حين اشترطت المادة 61/ تاسعا/ ج من الدستور العراقي موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب وبناءاً على طلب مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء في حين لم تشترط المادة (74) ذلك.

7- أقرت المادة 16 من الدستور الفرنسي انه عند استخدام رئيس الجمهورية السلطة الاستثنائية المقررة له في ظل الظروف الاستثنائية، بان البرلمان مجتمع بقوة القانون ولا يجز حل الجمعية الوطنية طوال فترة استخدامه لهذه السلطة في حين اشترطت المادة (74) من الدستور المصري أن يجري استفتاء على ما اتخذه رئيس الجمهورية من إجراءات خلال 60 يوم، في الوقت الذي فضل المشرع الدستوري العراقي في المادة 61/ تاسعا/ ج من الدستور العراقي أن يعرض رئيس مجلس الوزراء الإجراءات ألمتخذه والنتائج على مجلس النواب خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ انتهائها.

______________________________________________________________________________________

(45) د. يحيى الجمل، مصدر سابق، ص 192.
(46)- د. احمد مدحت، مصدر سابق، ص 72.
(47) نفس المصدر السابق، ص 74.
(48) د. يحيى الجمل، مصدر سابق، ص 206