هل يجوز للشخص البيع لورثته جزء من ممتلكاته مع إحتفاظه بحق الإنتفاع مدى حياته؟.

في كثير من الأحيان نرى البعض يرغب في بيع جزء من ممتلكاته إلى ورثته كأبنائه أو أحد أقربائه، إلا أنه يتمسك في البيع والتصرف بعدم التصرف فى المبيع إلا بعد وفاته ويتمسك أيضاَ بحيازته للعين المباعة “أرض أو شقة أو منزل”، وغيرها أو يشترط في العقد احتفاظه بحق الانتفاع مدى حياته، وهو الأمر الذى يجعل من التصرف هنا وصية لكونه تصرف مضاف إلى ما بعد الموت ويطبق على التصرف أحكام الوصية .

في التقرير التالي نلقي الضوء على إشكالية تشغل الملايين من الورثة والمورثين وأصحاب الأملاك عن مدى إمكانية الشخص أو المورث البيع لورثته جزء من ممتلكاته مع احتفاظه في ذات الوقت بحق الانتفاع مدى حياته دون أن يتحول تصرفه هذا بالبيع إلى “وصية” لكونه تصرف مضاف إلى بعد الموت.

في البداية – يجب أن نؤكد أن المادة 917 من القانون المدني تنص على:

“إذا تصرف شخص لأحد ورثته واحتفظ بأية طريقة كانت بحيازة العين التي تصرف فيها، وبحقه في الانتفاع بها مدى حياته، اعتبر التصرف مضافا إلى ما بعد الموت وتسرى عليه أحكام الوصية ما لم يقم دليل يخالف ذلك”،

لكن السؤال الذى يطرح نفسه هنا.. ما هي الحلول والحالات التي تمكن الشخص من الوصول إلى غايته بتحرير عقد ناقل للملكية لأحد ورثته مع تمسكه بحق الانتفاع طيلة حياته؟.

هناك عدة حالات تحقق من خلالها تلك الغاية منها على سبيل المثال:

1-اذا كان المتصرف إليه هو الوريث الوحيد للمتصرف .

2-أو إذا اتفق الورثة بالكامل على قبول هذا التصرف ويتحقق قبول الورثة من خلال توقيعهم على ذلك التصرف – كشهود -بالشهادة على العقد.

3-أو توقيت حق الانتفاع بجعل له مدة زمنيه ينتهي بنهايتها لأن النص اشترط لتحول التصرف إلى وصية أن يكون حق الانتفاع –مدى الحياة

4-أو استبدال حق الانتفاع في التصرف بتحرير عقد إيجار ولكن بشرط تحديد مدة للعقد.

5- تحرير عقد انتفاع مستقل عن العقد وفى تاريخ لاحق على العقد الثابت التاريخ.

تطبيقات قضائية لمحكمة النقض

وعن رأى محكمة النقض في تلك الإشكالية – وحسب “البوادى” – فإن المقرر – في قضاء هذه المحكمة – أن عدم توافر شروط قرينة المادة 917 من القانون المدني لا يحول دون استنباط قصد الإيذاء وإضافة التصرف إلى ما بعد الموت من قرائن قضائية أخرى،

ولئن كان استظهار هذه القرائن المؤدية إلى وصف العقد هو من المسائل التقديرية التي تستقل بها محكمة الموضوع متى كان بيانها سائغا إلا أن وصف العقد ذاته هو من مسائل القانون التي تخضع لرقابة محكمة النقض، وذلك طبقاَ للطعن رقم 1532 لسنة 55 ق جلسة 9/10/1991 س 42 جـ 2 ص1517.
وقت إعمال المادة 917 من القانون المدني

وفى حكم آخر أكدت محكمة النقض أن إعمال حكم المادة 917 من القانون المدني لا يكون إلا بعد وفاة المتصرف إذا ما تبين أنه تصرف في حال حياته لمن ثبت أنه أحد ورثته واحتفظ بأي طريقة كانت بحيازة العين التي تصرف فيها وبحقه في الانتفاع بها ومدي حياته، طبقا للطعن رقم 11 لسنة 49 ق جلسة 2/1/1983 س 34 ص97.

حرمان الورثة

أما عن مسألة حرمان الورثة أو الانتقاص من أنصبتهم، فقالت محكمة النقض فى الطعن المُقيد برقم الطعن رقم 89 لسنة 37 ق – جلسة 7 مارس 1972 أن التصرفات المنجزة الصادرة من المورث في حالة صحته لأحد ورثته أو لغيرهم تكون صحيحة، ولو ترتب عليها حرمان بعض ورثته أو التقليل من أنصبتهم في الميراث، والقاعدة فى ذلك :

1- لما كانت القرينة القانونية المنصوص عليها في المادة 917 من القانون المدني لا تقوم – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – إلا إذا كان المتصرف لأحد ورثته قد احتفظ لنفسه بحيازته للعين المتصرف فيها وبحقه في الانتفاع بها على أن يكون الاحتفاظ بالأمرين مدى حياته لحساب نفسه، ومستندا إلى حق لا يستطيع المتصرف إليه حرمانه منه،

وكان الحكم المطعون فيه قد نفى بأسباب سائغة احتفاظ المورث بحيازته للعين المتصرف فيها، واعتبر أن قيامه بتحصيل أجرتها بعد التصرف فيها إنما كان لحساب أولاده القصر – المتصرف إليهم – بصفته وليا طبيعيا عليهم ولم يكن لحساب نفسه لعدم استناده في ذلك إلى مركز قانوني يخوله حق الانتفاع بتلك العين .

لما كان ما تقدم، فإن الحكم المطعون فيه وقد قضى باعتبار العقد بيعا منجزا مستوفيا أركانه القانونية ومنها الثمن وأنه صدر من المورث في حال صحته ولا يقصد به الوصية مستندا في ذلك – وعلى ما سلف البيان – إلى أسباب سائغة تكفى لحمل قضائه ولا فساد فيها، فإن النعي عليه بهذا السبب يكون على غير أساس.
التحايل الممنوع على أحكام الإرث

2- التحايل الممنوع على أحكام الإرث لتعلق الإرث بالنظام العام هو – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – ما كان متصلا بقواعد التوريث وأحكامه المعتبرة شرعا كاعتبار شخص وارثا وهو فى الحقيقة غير وارث أو العكس، وكذلك ما يتفرع عن هذا الأصل من التعامل فى التركات المستقبلة كإيجاد ورثة قبل وفاة المورث غير من لهم حق الميراث شرعا أو الزيادة أو النقض في حصصهم الشرعية،

ويترتب على ذلك أن التصرفات المنجزة الصادرة من المورث في حالة صحته لأحد ورثته أو لغيرهم تكون صحيحة ولو كان يترتب عليها حرمان بعض ورثته أو التقليل من أنصبتهم فى الميراث، لأن التوريث لا يقوم إلا على ما يخلفه المورث وقت وفاته، أما ما يكون قد خرج من ماله حال حياته فلا حق للورثة فيه .

لما كان ذلك، وكان الحكم قد انتهى إلى أن التصرف المطعون فيه لم يقصد به الإيصاء ولم يصدر من المورث في مرض الموت، وإنما هو بيع منجز استوفى أركانه القانونية ومن بينها الثمن فهذا حسبه للرد على طلب بطلان العقد لمخالفته قواعد الإرث، ويكون النعي عليه بهذا السبب على غير أساس.