هيئات التحكيم (الترافع أمامها – خصائصها)

هيئات التحكيم (الترافع أمامها – خصائصه)

 

الترافع أمام هيئات التحكيم وخصائصه
أولا- مفهوم الترافع أمام هيئات التحكيم:
عند الانتهاء من تعيين هيئة التحكيم، وتحديد الإجراءات التي سيتم اتباعها، فإن أول خطوة يجب اتخاذها في كل التحكيمات الدولية عملياً هي تبادل نوع من المرافعات الكتابية written submissions بين الطرفين.
وطبقا للمادة (30) من قانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994، المستمدة من المادة (23) من قانون الأونسترال للتحكيم التجاري الدولي، تبدأ عملية الترافع على النحو الآتي:
1. يرسل المدعي خلال الميعاد المتفق عليه بين الطرفين أو الذى تعينه هيئة التحكيم إلى المدعي عليه وإلى كل واحد من المحكمين بيانا مكتوبا بدعواه يشتمل على اسمه وعنوانه واسم المدعي عليه وعنوانه وشرح لوقائع الدعوى وتحديد للمسائل محل النزاع وطلباته وكل أمر آخر يوجب اتفاق الطرفين ذكره في هذا البيان.
2. ويرسل المدعي عليه خلال الميعاد المتفق عليه بين الطرفين أو الذي تعينه هيئة التحكيم إلى المدعى وكل واحد من المحكمين مذكرة مكتوبة بدفاعه ردا على ما جاء ببيان الدعوى، وله أن يضمن هذه المذكرة أية طلبات عارضة متصلة بموضوع النزاع أو أن يتمسك بحق ناشئ عنه بقصد الدفع بالمقاصة، وله ذلك ولو في مرحلة لاحقة من الإجراءات إذا رأت هيئة التحكيم أن الظروف تبرر الأخير.
3. يجوز لكل من الطرفين أن يرفق ببيان الدعوى أو بمذكرة الدفاع، على حسب الأحوال، صورا من الوثائق التي يستند إليها……
وعادة، يتم تبادل المرافعات الكتابية بالتعاقب، بحيث يطلق المدعي أول طلقة فيرد عليها المدعي عليه. ويقدم المدعي عليه، عادة، طلبا عارضا في الوقت نفسه رداً على مطالبة المدعي، وعادة ما يطلق علي مذكرته اسم “بيان بدفاع وطلبات عارضة” answer defence and counterclaim. ويقدم المدعي عندئذ رده على مطالبة المدعي عليه المضادة؛ وقد يُسمح له أيضا بتقديم “رد ثان rejoinder” على المذكرة بدفاع من المدعي عليه.
ولكن يجوز لهيئة التحكيم، استثنائياً، أن تصدر توجيهاً بان يقدم الطرفان المرافعات الكتابية في وقت واحد، حتى يتبادل كل طرف مرافعة كتابية بمطالباته ضد الآخر في تاريخ محدد، ومن ثم يتبادل الطرفان الردود الكتابية في تاريخ لاحق، وهلم جرا. ويحدث ذلك عادة عندما يوجد خلاف حول من يجب أن يكون المدعي، مع عدم رغبة الطرفين في أن يوضعا موضع المدعي عليه؛ وفي الواقع، يحدث هذا على الأرجح عندما تكون الحكومة طرفاً في التحكيم، وتعتبر أن كرامتها سوف تهان إذا وضعت موضع المدعي عليه.
وطبقا للمادة (33-1)، تعقد هيئة التحكيم جلسات مرافعة (شفهية) لتمكين كل من الطرفين من شرح موضوع الدعوى وعرض حججه وأدلته، ولها الاكتفاء بتقديم المذكرات والوثائق المكتوبة، ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك.

ثانيا- وظائف المرافعة الكتابية:
ومن المهم أن نفهم وظيفة المرافعات الكتابية في التحكيم، والتي قد لا تكون متشابهة تمامًا في كل قضية. فما لم يكن الطرفان نفساهما قد قاما مسبقا بوضع اتفاق تحكيم مفصل يحدد صلاحيات محددة لهيئة التحكيم، تكون الوظيفة الفورية للتبادل الأول للمرافعات الكتابية هي تحديد الموضوعات المطلوب الفصل فيها.
وهذا، على سبيل المثال، هو الغرض الرئيس من الإجراءات المنصوص عليها في قواعد غرفة التجارة الدولية، التي بمقتضاها يجب على المدعي أن يقدم “بيان الدعوي” statement of case مع طلب التحكيم Request for Arbitration، وعلى المدعي عليه أن يقدم “دفاعه defence” مع “الرد answer” على الطلب.
ومن المهم أن تضع هيئة التحكيم تعريفا مناسباً للموضوعات التي سيتم الفصل فيها حتى تدير التحكيم بطريقة منطقية تتسم بالكفاءة. ومع تقدم سير التحكيم وظهور الأدلة، فلن يكون من غير المعتاد أن يعدل الطرفان الطريقة التي سيقدمان بها مرافعاتهما. فقد يتم التخلي عن بعض المسائل الخلافية، وقد تقدم مسائل خلافية جديدة استنادًا، مثلا، لوثائق أو أدلة قدمها الطرف الآخر. وهذا إجراء مشروع وضروري بالفعل، بشرط ألا يتم الانحراف بالموضوعات المقدمة لهيئة التحكيم بدرجة تصبح معها مختلفة تماماً في الجوهر عن تلك التي تم تحديدها عند بدء التحكيم.
وفي عمليات التحكيم التي تجريها غرفة التجارة الدولية تتمثل الخطوة القادمة (على افتراض عدم وجود طلبات عارضة) في أن تقوم هيئة التحكيم بوضع “وثيقة عمل المحكمين” terms of reference لكي يوقع عليها المحكمون والطرفان. وفي هذه المرحلة ستتم على الأرجح مناقشة أية موضوعات تتعلق بالاختصاص jurisdiction، لأن المدعي عليه سيعارض بدون شك احتواء “وثيقة عمل المحكمين” على “تحديد لموضوعات للفصل فيها” تتضمن أموراً لا يشملها اتفاق التحكيم، من وجهة نظر المدعي عليه.
ولذلك، يتبين لنا أن بيان الإدعاء التمهيدي المقدم من المدعي (والطلبات العارضة من جانب المدعي عليه، إن وجدت) تعتبر وثائق ذات أهمية كبيرة. فإذا أغفل المدعي الإشارة إلى بعض المطالبات في مرافعاته الكتابية الأولية، أو عجز عن تحديد نزاع ما بوضوح كاف، فإنه يخاطر بمواجهة دفع قوي من المدعي عليه في مرحلة لاحقة بأن هيئة التحكيم ليست مختصة بالفصل في تلك المطالبة أو المطالبات. وقد يصبح من الضروري حينئذ أن يبدأ المدعي تحكيماً جديدًا، إذا رفضت هيئة التحكيم قبول الاختصاص بالنسبة إلى مطالبة لم يحددها المدعي منذ البداية. وقد تسقط المطالبات بالتقادم في حالة عجز المدعي عن تقديمها في أي وقت قد يكون محددا لها.
وتعد الوظيفة الثانية للمرافعات الكتابية هي استعراض الوقائع وإبداء الحجج التي تدعم مواقف كل طرف. ولأداء هذه الوظيفة، يمكن للمذكرات المقدمة من الطرفين أن تتخذ عدداً لا نهائياً من الأشكال. فمن ناحية، يمكن أن تتصمن هذه المذكرات مرافعات كاملة تتصل بالجوانب القانونية، مع الاستشهاد بحجج قانونية مصحوبة بأدلة مستندية وشهادات شهود خطية يعتمد عليها الطرفان. ويستخدم هذا النوع من المرافعات الكتابية عندما يكون من المتصور أنه لن تعقد جلسات مرافعة شفوية، أو أنه ستعقد جلسات مرافعة شفوية موجزة جداً تطلب فيها هيئة التحكيم من الطرفين أن يوضحا باختصار نواح معينة من مرافعاتها، أو ان يقدما مزيداً من المعلومات.
وقد تكون الوظيفة الثالثة للمرافعات الكتابية مجرد التمهيد لجلسات المرافعة الشفهية، التي سيتم فيها إدلاء الشهود بشهاداتهم الشفهية أمام هيئة التحكيم، والترافع من قبل محاميي الطرفين. وفي هذه الحالة، تقتصر وظيفة المرافعات الكتابية على تعريف أعضاء هيئة التحكيم والطرف الآخر بشكل مناسب بالموضوعات الخلافية بين الطرفين حتي لا تحدث مفاجأت في جلسة المرافعة. وكثيراً ما يقال أنه يجب ألا تسمح هيئة التحكيم بأي نوع من “المحاكمة بطريقة الكمين trial by ambush”.

ثالثا- المشكلات المتعلقة بالطلبات العارضة:
يطعن المدعي أحيانًا في الاختصاص فيما يتعلق بالطلبات العارضة استنادًا إلى أن مطالبات المدعي عليه لا تقع ضمن نطاق العقد الذي يضم شرط التحكيم. وفي هذه الحالة، لا يكون أمام هيئة التحكيم من خيار سوي أن تستبعد هذه الطلبات العارضة. ولا يجوز لهيئة التحكيم أن تمارس اختصاصها على طلبات لا تقع ضمن نطاق شرط التحكيم. وينطبق الوضع ذاته على المقاصات، التي قد يعارض المدعي عليه بموجبها سداد دين تعاقدى على أساس أن المدعي تأخر في سداد دفعات تعاقدية للمدعي عليه. ولكن، إذا كانت المقاصة متصلة بالعقد نفسه الذى يحتوي على شرط التحكيم، أو بعقد له صلة قريبة كافية بالعقد الأصلي (ويغطي الشرط كل النزاعات الناشئة بموجب العقد الأساسي أو تلك “التي تتصل به”)، يمكن أن يكون لهيئة التحكيم اختصاص بالنظر في الطلبات.
وتنشأ مشكلة شائعة عندما يسعي المدعي عليه لتقديم الطلبات العارضة في مرحلة متأخرة جدا. فقد يضع هذا هيئة التحكيم في صعوبة بالغة، حسب ظروف التحكيم ونوعه. ولكن إذا لم تقع الطلبات العارضة ضمن وثيقة عمل المحكم، وفي حالة عدم وجود اتفاق بين الطرفين، لا يجوز لهيئة التحكيم قبول هذه الطلبات العارضة ويكون المدعي عليه مجبرًا على أن يبدأ إجراءات تحكيم منفصلة. أما في التحكيمات الخاصة، فتعتبر المسألة بالفعل مسألة عملية تحددها هيئة التحكيم بافتراض عدم وجود اتفاق تحكيم مفصل يحدد هذه الموضوعات. ولا بد أن تقرر هيئة التحكيم ما إذا كان تقديم طلبات جديدة سيكون بمثابة إساءة استعمال لإجراءات التحكيم قد يؤدى إلى حدوث تأخير وتكبد نفقات غير ضرورية، أم إذا كانت المصلحة لحل جميع الموضوعات محل النزاع بين الطرفين في الإجراءات هي العامل الحاسم (بافتراض أن الطلبات العارضة تقع ضمن اختصاص هيئة التحكيم).
ومن الأخطاء الشائعة أيضا، عند النظر في اختصاص هيئة التحكيم في البت في الطلبات العارضة، افتراض أن الطلبات العارضة لا يمكن أن تقدم بشكل صحيح للتحكيم ما لم تتحقق اشتراطات تعاقدية معينة لتقديمها. فمثلاً، قد يستلزم نموذج عقد قياسي لمشروعات إنشاء دولية أن تقدم المطالبات أولا إلى المهندس المعماري أو المهندس المدني كي يفصل فيها، قبل تقديمها للتحكيم. ومتى نص عقد على هذا الإجراء، فمن المتعارف عليه أنه لا بد من اتباع ذلك. ولكن، (رغم أن ذلك يتوقف على ما تنص عليه بنود العقد محل البحث) فإن الإجراءات التعاقدية لا تنطبق بالضرورة على الطلبات العارضة. وكما يوحي المصطلح ضمنا، تقدم الطلبات العارضة رداً على طلب قائم. وفي إطار إجراءات التحكيم، يعد “الطلب القائم” هو الطلب الذي يحال إلى التحكيم، وحتي تتم إحالة هذا الطلب إلى التحكيم، لا يمكن أن توجد طلبات عارضة لها. وبمجرد إحالة الطلب إلى التحكيم، يجب أن يخضع الموقف القانوني لقواعد التحكيم ذات الصلة بالموضوع. وإذا كانت القواعد تسمح (كما هو الحال عادة) للمدعي عليه بأن يقدم طلبا عارضا في مواجهة طلب قائم ضده في التحكيم، فإن بوسعه أن يفعل ذلك.

رابعا- الأدلة:
1- قبول الأدلة
الهدف من تقديم الأدلة هو مساعدة هيئة التحكيم في الفصل في الموضوعات محل النزاع فيما يتعلق بالوقائع issues of fact. وهناك العديد من الطرق التي يمكن من خلالها تقديم الأدلة.
وتفحص هيئة التحكيم الأدلة وتقرر ما إذا كانت تثبت المطالبة موضوع المنازعة، من عدمه. وإذا أدلى شاهد بشهادة شفهية، يجب أن تقرر هيئة التحكيم مصداقية الشاهد استناداً إلى سلوكه وموضوعيته وكذلك استناداً إلى درجة توافق شهادته مع الأدلة الأخرى في القضية وتستخلص الهيئة استنتاجات من الأدلة المقدمة؛ وفي بعض الحالات يكون الاستخلاص من أدلة لم يتم تقديمها، ولكن يُتوقع أن يتم تقديمها. وقد تستنتج هيئة التحكيم كذلك استنتناجات سلبية من صمت أحد الطرفين أثناء مجرى العلاقة التعاقدية في ظروف يكون فيها مثل هذا الصمت متعارضاً مع الموقف الذى يتخذه ذلك الطرف في التحكيم.
ومن الضروري أن يدرك المحامون الذين يترافعون أمام هيئات التحكيم، بل وأن يتعلموا، ألا يعتمدوا على القواعد الفنية التي تتعلق بقبول الأدلة في أثناء سير إجراءات التحكيم، وبشكل خاص في جلسات المرافعة، لأن هذه القواعد تختلف، كما سنرى فيما بعد، بين نظام القانون العام ونظام القانون المدني. ويجب أن يراعي المحامي الذي ينتمي إلى بلد يطبق القانون المدني ألا تعتمد حججه على وقائع لا يمكن إثباتها إلا بتقديم أدلة قد تكون غير مقبولة من الناحية الفنية بموجب النظام المألوف لدى هيئة التحكيم.
وقد ظهر مثال مثير للاهتمام على الاتجاه المرن في سياق هيئة التحكيم التي نظرت المطالبات بين إيران والولايات المتحدة. ففي بعض ولايات اختصاص القانون المدني لا يجوز أن يكون أحد طرفي النزاع شاهداً، وهذا يشمل موظفي الشركة التي تكون طرفا في نزاع. ويبدو هذا الأمر غريبا بالنسبة للمحامين المتمرسين على نظام القانون العام، المعتادين على اختيار الأدلة الشفوية للطرفين باعتبارها جزءاً مهماً (وغالباً حاسماً) في عملية تقصي الحقائق. وقد تغلبت هيئة التحكيم على هذه الورطة عن طريق معاملة الطرفين “كممثلين” يدلون “بمعلومات”، بدلاً من اعتبارهم شهوداً يدلون بشهادات.

2- عبء الإثبات
تعتبر مسألة عبء الإثبات جانبا آخر من جوانب تقديم الأدلة. وعادة، تطلب هيئة التحكيم من كل طرف إثبات الوقائع التي اعتمد عليها لدعم حججه. وقد اعترفت قواعد تحكيم الأونسترال بهذا العُرف. وتعتبر الاستثناءات الوحيدة هى تلك التي تتعلق بامور في غاية الوضوح، أو شائعة جداً، بحيث لا يستلزم إثباتها. ولا يمكن على وجه الدقة تعريف درجة، أو مستوى الإثبات الذى يجب تحقيقه عملياً أمام هيئة تحكيم دولية، ولكن يمكن باطمئنان افتراض أنه أقرب إلى “ميزان ترجيح الاحتمالات balance of probability ” (لتمييز ذلك عن مفهوم “فوق أية شكوك معقولة beyond all reasonable doubt” المطلوب، مثلا، في انجلترا لإثبات الذنب في المحاكمة الجنائية أمام هيئة محلفين).

3- أنواع الأدلة
تنبع وسائل تقديم الدلة لهيئة التحكيم حول الموضوعات الخاصة بالوقائع من تركيبة تشمل استقلال الطرفين، وتقديم هيئة التحكيم، وسيطرة المحكمة في مرحلة تنفيذ قرار التحكيم. وهناك أربع وسائل اساسية هي:
‌أ. المستندات المعاصرة؛
‌ب. شهادة الشهود على الوقائع (كتابية أو شفهية)؛
‌ج. آراء الخبراء (كتابية أو شفهية)؛
‌د. معاينة موضوع النزاع.
ويمكن أن تستخدم هذه الوسائل، منفردة أو مجتمعة بطرق عدة من الناحية العملية بغرض الاضطلاع بعبء الإثبات إرضاءاً لهيئة التحكيم. ومن المهم أن يدرك المحامي أن هيئات التحكيم تتبني اتجاهات مختلفة ليس فقط في الطريقة التي ترغب أن تقُدم بها الأدلة، ولكن أيضا في استعدادها لإعطاء وزن لدليل معين. وسنبحث فيما يأتي، كل نوع من هذه الوسائل على حدة.
أ. المستندات
1. المستندات الموجودة لدى الأطراف
يمكن تقسيم المستندات ذات الصلة بالموضوعات القائمة بين الطرفين إلى فئتين هما: المستندات التي تكون في صالح الطرف الموجودة في حيازته favorable documents، وتلك التي ليست في صالحه unfavorable documents. ولا تنشأ صعوبة فيما يخص الفئة الأولى. فالطرف المعني سوف يرغب دون شك في تقديمها لهيئة التحكيم في أسرع وقت من الناحية العملية. وتكمن المشكلة الوحيدة التي قد تظهر في السياق الصحيح للتحكيم في المسائل المتعلقة بصحة هذه المستندات، ووزنها الاستدلالي بالنسبة للفكرة التي قدمت بشأنها. وبالرغم من ذلك، ينشأ عن الفئة الثانية اختلاف فلسفي في الآراء والإجراءات المتبعة بين نظم القانون العام والقانون المدني، كما سنرى فيما بعد.
2. المستندات الموجودة لدى الغير
لا تستطيع هيئة التحكيم أن تجبر طرفا غريبا على تقديم مستندات لديه حتى إذا كانت وثيقة الصلة بالأمور موضوع النزاع. ولا تستطيع هيئة التحكيم أن تأمر أحدا، غير أطراف التحكيم، بكشف النقاب عن مستندات معينة في حوزته. ولكن، في العديد من البلدان يمكن أن يصدر أمر بحضور الغير إلى جلسات المرافعة الخاصة بالتحكيم لتقديم أدلة. وستساعد المحاكم هيئة التحكيم في إلزام الشاهد بالحضور. وعادة ما يستلزم أمر تكليف الشهود بالحضور كذلك أن يحضر الشاهد معه أية مستندات مهمة في حيازته. وفي الولايات المتحدة، ينص قانون التحكيم الفيدرالي على أنه لا يجوز لهيئة التحكيم أن تكلف شخصاً بالمثول أمامها وبإحضار أية مستندات مهمة معه. وفي بريطانيا، يمكن لأي طرف أن يستصدر أمراً من المحكمة بإبراز أوراق في حوذته subpoena duces tecum لإجبار شاهد على المثول أمام هيئة التحكيم وإحضار أية مستندات مهمة معه. ومن الناحية العملية، سوف يكون من غير المحتمل للمحاكم أن تأمر شاهداً في إجراءات تحكيم أن يحضر معه مستندات معينة، ما لم تكن حاسمة بالنسبة إلى التحقيق.
ب. شهادة الشهود
1. الشهادة الشخصية
الوسيلة الثانية لتقديم الأدلة الخاصة بالوقائع إلى هيئة التحكيم هي من خلال شهادة الشهود. وهناك وسائل عدة للقيام بهذا الإجراء، قد تكون منحازة نحو نموذج القانون العام، أو نحو الوسائل التي تتبناها البلدان التي تطبق القانون المدني. وفي معظم الأحيان يتم تبني خليط من النظامين. وعندما يحدث ذلك، فإنه يرجع من ناحية إلى الرغبة في تحقيق حل وسط بين رغبات الطرفين، أو أعضاء هيئة التحكيم، ولكنه أيضاً يرجع إلى أسباب عملية في الأساس. وسوف يكون المحفز الرئيسي لهيئة التحكيم، فيما يختص بالجوانب الإجرائية المتعلقة بأخذ شهادة الشهود، هو تقصير مدة المرحلة الشفهية من الإجراءات إلى أقصى حد عملي. ولن يتحقق هذا الهدف إذا تبنت هيئة التحكيم إجراءات تحقيقية بشكل كامل تستدعى فيها كل الشهود وتستجوبهم شفهياً في حضور الطرفين. وكذلك لن تحقق هدفها إذا استدعى كل طرف جميع شهوده أمام هيئة التحكيم وأخضعهم لاستجوابه هو أولا بشكل مطول examination-in-chief (“الاستجواب المباشر”)، يليه استجواب الخصم لهم وإعادة استجوابهم (“إعادة توجيه الاستجواب”) redirect.
وفي التحكيم التجاري الدولي، لا يعتبر من الضروري عموماً أن يتم الاستماع إلى الشهود شفهياً. وعندما رفعت دعوى تنفيذ قرار تحكيم أمام المحاكم الانجليزية، لم يؤخذ بالرأي القائل بأن المُحكَّم كان يجب عليه أن يستمع إلى الشهود. وقالت المحكمة إن:
“المادة (20) من قواعد غرفة التجارة الدولية تنص على أن المحكم لديه سلطة الاستماع إلى الشهود فحسب. فهي تعطيه حرية التصرف ولكن لا تفرض عليه أي التزام .. وبالفعل، فالإجراء الذى اتبعه المحكم في هذه القضية هو الإجراء المعتاد في غرفة التجارة الدولية وفي التحكيمات الأخرى في أوربا.
2. الشهادة الكتابية
من الإجراءات الشائعة نسبيا والتى أصبحت راسخة أن يقدم الطرفان شهادات كتابية من الشهود الذين يعتمدان على شهاداتهم. وفي بعض الأحيان تقدم هذه البيانات الكتابية مصحوبة بأداء اليمين في شكل إقرارات كتابية. وفي أغلب الأحيان، يوقع الشهود على البيانات فحسب. ثم بعد ذلك، يبلغ كل طرف هيئة التحكيم بأسماء شهوده وشهود الطرف الآخر الذي يجب حضورهم جلسة المرافعة بغرض استجوابهم؛ وتُبلِّغ هيئة التحكيم نفسها الأطراف بأسماء أي شهود آخرين، إن وجدوا، ترغب في الاستماع إليهم شخصياً. ومن النادر نسبيا أن تطلب هيئة التحكيم حضور أحد الشهود إذا لم يطلب أي من الطرفين حضوره.

الأستشاري : محمود محمد على صبره

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *