نظرية خضوع الدولة للقانون – دراسة قانونية مبسطة

 

خطة البحث
مقدمة .
المبحث الأول : النظريات المفسرة لخضوع الدولة للقانون .
• المطلب الأول : نظرية الحقوق الفردية و نقدها .
• المطلب الثاني : نظرية القانون الطبيعي و نقدها .
• المطلب الثالث : نظرية التقييد الذاتي و نقدها .
• المطلب الرابع : نظرية التضامن الاجتماعي و نقدها .
المبحث الثاني : الوسائل العملية الكفيلة بخضوع الدولة للقانون .
• المطلب الأول : وجود الدستور .
• المطلب الثاني : الفصل بين السلطات .
• المطلب الثالث : سيادة القانون .
• المطلب الرابع : تدرج القواعد القانونية .
المبحث الثالث : ضمانات خضوع الدولة للقانون .
• المطلب الأول : الاعتراف بالحقوق و الحريات العامة .
• المطلب الثاني : تنظيم رقابة قضائية و استقلالها .
• المطلب الثالث : الرقابة الشعبية .
• المطلب الرابع : المعارضة السياسية .
الخاتمة .
الهوامش .
المراجع .

المقدمة
عرفت المدن القديمة صورة بدائية من تدوين الأعراف و التقاليد الدينة ، لكنها جوهرية من حيث مفهوم الدولة القانونية . و ذلك أن تدوين الأعراف و التقاليد جعلها بمثابة القانون في تلك المدن مما جعلها موضع احترام لدى الحكام . الأمر الذي من شأنه جعل الشعب في مأمن من اعتدائهم و تسلطانهم منها :
1- قانون حمو رابي ملك البابليين القرن 17 قبل الميلاد .
2- قانون درا كون 610 قبل الميلاد .
3- قانون صولون 594 قبل الميلاد .
4- قانون الألواح الإثنى عشرة 541 قبل الميلاد .
مع هذا بقيت الشعوب خاضعة تحت ظلم الحكام و استبدادهم . و ذكرنا لهذا مسألة تدليل على فكرة خضوع الدولة للقانون من القدم ، لكن اليوم أصبح من خصائص الدولة الحديثة . و مبدأ من المبادئ الدستورية التي تجتهد كل دولة في تطبيقها و احترامها ، و يعني هذا المبدأ بصفة عامة خضوع الحكام و كافة الأجهزة و مؤسسات الدولة الممارسة لسلطة للقانون .
من هنا نجد أن الدولة ليست مطلقة الحرية في وضع القانون و تعديله حسب أهوائها ، بل هناك ضوابط و معايير مجبرة على الالتزام بها . و هنا يتجلى الفرق بين دولة القانون و المؤسسات و دولة الاستبداد و القمع ، حيث أن المقياس في ذلك هو مدى احترامها للقانون من خلال مطابقة أعمال و تصرفات الحكام و مؤسسات الدولة للنصوص القانونية السارية المفعول . و هذا أسمى معاني الدولة الحديثة .
فهما هي النظريات المفسرة لخضوع الدولة للقانون ؟ و ما هي الوسائل المعتمدة لتحقيق ذلك ؟ و ما هي الضمانات الكافلة له ؟

المبحث الأول: النظريات المفسرة لخضوع الدولة للقانون.
من أهم هذه النظريات المفسرة لخضوع الدولة للقانون تتمثل في ما يلي:

المطلب الأول: نظرية الحقوق الفردية و نقدها.
تقوم أساسا على أن للأفراد حقوقا طبيعية سابقة على وجود الدولة ، و الهدف من الدخول في المجتمع المنظم هو من أجل إيجاد وسيلة تكفل حماية هذه الحقوق و الحريات ، لذلك فهي ملزمة بحمايتها و عدم الاعتداء عليها ، و هذه الحقوق تشكل علّة وجود الدولة وهذا ما أشار إليه الإعلان لحقوق الإنسان والمواطنة لسنة 1789 في المادة الأولى منه .

نقدها :
1- تقر هذه النظرية بأن الإنسان لم يعش منعزلا ، بل كان دائما ضمن جماعة .
2- إن الأفراد ليسوا متساوين بالطبيعة .
3- أن هذه النظرية تعتبر حقوق الأفراد قيدا على الدولة و في نفس الوقت تعترف بأنها هي التي تحدد مضمونها بمحض إرادتها(1) .

المطلب الثاني: نظرية القانون الطبيعي و نقدها.
ترى هذه النظرية بأن هناك قانون طبيعي أسمى من القوانين الوضعية ، و هو سابق عليها و صالح لكل زمان و مكان ، و عل الدولة أن تتقيد به .

نقدها :
الطرح غامض و صعب التحديد و قد يؤدي إلى إطلاق سلطان الدولة(2) .

المطلب الثالث: نظرية التقييد الذاتي و نقدها.
يقول أصحابها بأن القانون من وضع الدولة و لكن الدولة مع ذلك تلتزم به على أساس التقييد الذاتي و القانون ليس غاية في حد ذاته بل هو وسيلة لتحقيق عدة أهداف منها حفظ الجماعة و ضمان تقدمها و لا يعقل أن تعمل الدولة على تهديم أمنها بنفسها فتنحرف عن القانون الذي وضعته .

نقدها :
أن خضوع الشخص لإرادته لا يعتبر خضوعا ، و لا يعقل أن تتقيد الدولة بالقانون بمحض إرادتها طالما كان في وسعها أن تخالفه ، – تعدله و تلغيه بإرادتها(3) .

المطلب الرابع: نظرية التضامن الاجتماعي و نقدها.
أجمع مؤسسوها على أن المجتمع الإنساني قد نشأ تلقائيا ، كحقيقة اجتماعية و كظاهرة طبيعية ، لأن الإنسان لا يستطيع العيش إلا ضمن جماعة ، و مع ذلك يتميز بذاتية مستقلة و لا يستطيع إشباع حاجاته إلا إذا عاش في جماعة و تعاون معهم و هذا التعاون يسميه ديجي بالتضامن الاجتماعي .
و له مظهران :
1- التضامن بالتشابه : بمعنى أن للأفراد حاجات مشتركة لا يمكن إشباعها إلا بالتعاون .
2- تضامن بتقسيم العمل : و معناه أن هناك تفاوت بين الأفراد في المقدرة و الرغبات والحاجيات . ولا يمكن إشباع حاجاتهم إلا بتخصص كل فرد أو مجموعة بعمل معين .

و التضامن بمظهريه هو دعامة الحياة الاجتماعية ، فنتيجة سعيهم هذا يتحقق التطور الاجتماعي و هو من أهداف الدولة ، حيث لا يكن قانونها شرعيا إلا إذا كان يهدف لتحقيق هذا الغرض . و التضامن الاجتماعي يعتبر قيدا خارجيا على جميع تصرفات الدولة ، فإذا انحرفت عنه كان الجزاء اجتماعيا .

نقدها :
1- أن هناك حقيقة التنازع و التنافس بين الأفراد و ليس التعاون فقط .
2- أن الجزاء على أساس رد الفعل يعني الحكم على تصرفات الحاكم بناء على شعور الأفراد و ليس بناء على نظام قانوني(4) .

المبحث الثاني: الوسائل العملية الكفيلة بخضوع الدولة للقانون.
و هي تعتبر عناصر جوهرية في تميز الدولة القانونية عن غيرها من الدول ، كونها خاضعة للقواعد القانونية في جميع نشاطاتها و ممارساتها .

المطلب الأول: وجود الدستور.
و هي الوسيلة الأولى لخضوع الدولة للقانون ، حيث وجوده يعني إقامة النظام السياسي و القانوني للدولة . لأنه ينشئ السلطات المختلفة و يحدد اختصاصاتها و يبين كيفية ممارسة هذه الاختصاصات و ما لها من امتيازات و عليها من واجبات كما يحدد نظام الحكم في الدولة و كذلك كيفية اختيار الحاكم و حدود ممارسة سلطاته ، و الدستور يقيد جميع السلطات في الدولة و يقع عليها الالتزام بنصوصه و احترام مبادئه و عدم مخالفتها(5) .

المطلب الثاني: الفصل بين السلطات.
هو مبدأ تلتزم به كل سلطة باختصاصاتها المحددة في الدستور ، و لا تخرج عنها حيث نجد وجوب أن تنحصر مهمة السلطة التشريعية في سن التشريعات و القوانين المختلفة ، و أن تقوم السلطة التنفيذية بتنفيذها لتحقيق المصلحة العامة ، و السلطة القضائية يعهد لها بتطبيق القانون من الناحية الموضوعية . كما تستقل كل سلطة بجهازها الخاص ، لضمان عدم تداخل السلطات من الناحية الشكلية ، و هو مسلك لخضوع الدولة للقانون ، و هو يعكس بيان التداخل لو كانت كل السلطات في يد واحدة(6) .

المطلب الثالث: سيادة القانون.
إن السيادة القانونية تقوم في الأساس على عدة مبادئ أساسية ، إذا ما توفرت تتحقق السيادة المطلقة للقانون و هي:

1- تقيد الحاكم و المحكومين على السواء بالنظام القانوني القائم .
2- وضع ضمانات للمحكومين في كافة المجالات سواء في مجال تعاملاتهم مع الإدارة أو في ما يرتكبونه من جرائم ، أو فيما يثور بينهم من نزاعات .

فسلطة الحاكم الغير مقيدة تعد خطرا على كيان الفرد و حرياته ، و سيادة القانون هي الرادع لكل طغيان و تجاوز . و من هنا نجد أن سيادة القانون مرتبطة بالنظام الديمقراطي ، حيث لا يمكن فصلها عنه(7) .

المطلب الرابع: تدرج القواعد القانونية.
حيث توجد القواعد الدستورية في قمة الهرم ، للمنظومة القانونية و التشريعية . ثم يليها القانون العادي ، ثم اللوائح و القرارات التنظيمية و أخيرا القرارات الإدارية و الفردية . و يترتب على هذا التدرج ضرورة تماشي القانون الأدنى مع القانون الأعلى من حيث الموضوع و الشكل(8) .

المبحث الثالث: ضمانات خضوع الدولة للقانون.
مما سبق ذكره من وسائل تبرز ضرورة خضوع الدولة للقانون ، تشريعا و سلوكا . سواء في الحقوق أو الوجبات هناك ضمانات تدعم هذا المسار الديمقراطي في نظام الحكم الذي يتبنى هذا المبدأ

المطلب الأول: الاعتراف بالحقوق و الحريات العامة.
و يتحقق ذلك من خلال التشريع له في المنظومة القانونية ، و تكون فرضية مسلم بها . ككفالة مبدأ المساواة و حماية الحقوق الأفراد و حرياتهم في مواجهة سلطة الدولة . و لا يتطلب من الدولة مجرد احترامها بل يفرض عليها كفالتها و ضمان ممارستها .

المطلب الثاني: تنظيم رقابة قضائية و استقلالها.
بحيث يقف القضاء ضد أي تعسف للسلطة بمختلف أشكالها بإلغاء قرار ظالم و إلزام التعويض عن الأضرار ، و هذا لا يتحقق إلا باستقلاليته و عدم تبعيته لأي سلطة . و تعتبر الرقابة القضائية أكثر فاعلية من الرقابة السياسية و الإدارية .

المطلب الثالث: الرقابة الشعبية.
و ليس بالمعنى الضيق أي عن طريق المنتخبين على مستوى الغرف النيابية . و لكن بالمعنى الموسع ، فالشعب له دور حاسم و أساسي في إجبار الدولة على الخضوع للقانون و احترامه . عن طريق ما يطلق عليه في الدولة الحديثة بالمجتمع المدني ممثل في الجمعيات بمختلف ميادينها و الأحزاب السياسية و النخب و الاتحادات العمالية و الطلابية و الثقافية.

المطلب الرابع: المعارضة السياسية.
من القواعد المعمول بها في النظام الديمقراطي ، تكوين الأحزاب تمثل اتجاهات مختلفة في المجتمع ، تنتج تعددية سياسية منخرطة في دواليب أجهزة السلطة ، تكون قريبة و معارضة منظمة للسلطة الحاكمة ، تعمل على انتقادها و كشف عيوبها و بالتالي محاولة أحذ السلطة بموجب قانون و عن طريق الانتخاب .

الخاتمة
نخلص للقول بأن خضوع الدولة للقانون ، ليس مقوما أساسيا من مقومات الدولة الحديثة فقط . بل هو رغبة معبر عنها منذ القدم . حيث تمثل ضرورة خضوع الدولة للقانون إطارا ضامنا للحقوق و الواجبات . كما يسهم في إبراز المفهوم الديمقراطي القاضي بأن السلطة لا تقوم إلا بموافقة الشعب . فنجد أن الدولة القديمة لا تخضع للقانون و مع ذلك ظهرت أفكار تنادي بتقرير حقوق الأفراد و احترامها و المساواة بينهم ، فكانت للمسيحية دور بالغ في تقرير بعض هذه الحريات ، و استطاعت أن تحد من سلطة الملوك المطلقة في الأمور الدينية . و بظهور الإسلام أخذ هذا المبدأ حقه الكامل تنظيرا و تطبيقا في العصر النبوي و عصر الخلفاء الراشدين و ذلك ما عبر عنه أبكر الصديق رضي الله عنه ” أطيعوني ما أطعت الله و رسوله فيكم ، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم ” و قول عمر رضي الله عته ” من رأي منكم في اعوجاجا فليقومه ” و بهذا العرض يتضح أن خضوع الحاكم أو السلطة للقانون لم تتأكد إلا بظهر الإسلام . و مرت الدولة بعد هذا بالانحراف على مبدأ خضوع الدولة للقانون ظهرت الدولة المستبدة ، عقبتها ثورات عديدة . حتى ظهرت الدولة القانونية الحديثة التي تخضع فيها جميع السلطات الحاكمة في الدولة لقواعد ملزمة شأنها شأن الأفراد .

الهوامش

(1) : الوجيز في القانون الدستوري ، الأستاذ حسني بوديار، دار العلوم للنشر و التوزيع ، 2003 صفحة 73 .
(2) : نفس المرجع السابق صفحة 74 .
(3) : نفس المرجع السابق صفحة 74 .
(4) : نفس المرجع السابق صفحة 74 .
(5) : نفس المرجع السابق صفحة 75 .
(6) : نفس المرجع السابق صفحة 76 .
(7) : نفس المرجع السابق صفحة 77 .
(8) : نفس المرجع السابق صفحة 77 .

المراجع :

1- الأستاذ : حسني بوديار – الوجيز في القانون الدستوري – دار العلوم و للنشر و التوزيع 2003.
2- الدكتور : سعيد بو الشعير – القانون الدستوري و النظم السياسية المقارنة – الجزء الأول الطبعة الثامنة 2007 .